مؤسسات إعلامية كبرى تنقاد لإغراءات مواقع التواصل

تحاول المؤسسات الإخبارية اللحاق بجمهور مواقع التواصل الاجتماعي، واستقطابه بأخبار تناسب ميوله وتوجهاته، لاستعادة البعض من إيراداتها التي ذهبت إلى شركات الإنترنت العملاقة، وهذا ما جعل الحقائق تتراجع أمام جاذبية الأخبار الوهمية، التي تركز على عواطف الجمهور.
الجمعة 2017/02/10
الأخبار الوهمية أكثر قربا من الجمهور

نيويورك – أبرمت المؤسسات الإخبارية التقليدية، مع وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث صفقة غير معلنة لاستقطاب جمهور الإنترنت واستعادة القليل من الأرباح التي خسرتها، فكانت هذه الصفقة بمثابة اتفاق “مع الشيطان”، وفق وجهة نظر العديد من خبراء الإعلام.

وأصبح هاجس المؤسسات الإعلامية زيادة عدد الإعجابات ورفع نتائج البحث، فقامت بتوظيف مديري مجموعات لتطوير صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام، كما أصبحت تستخدم الوسم “هاشتاغ” للمقالات.

ويرى الصحافي جيمس بريمر أن الجانب الشيطاني من الصفقة هو أن وسائل الإعلام الأخلاقية تحاول بيع معلومات موثوقة وحقائق في محيط مضطرب من العواطف.

ويضيف بريمر، أن المشاعر أكثر أهمية من الحقائق على مواقع التواصل الاجتماعي، فالناس يريدون أن يعبروا عن أنفسهم وأن يقولوا ما يؤمنون به. لذا فإنهم يبدون إعجابهم بأمور ويشاركون مواضيع تعزز النظرة التي يتبنونها وتتوافق معهم، مؤكدا أن “العواطف تتفوق على الحقائق”.

ويشير بريمر الذي أنشأ أول مركز للصحافة الرقمية في أميركا اللاتينية بجامعة غوادالاخارا، في تقرير لشبكة الصحافيين الدوليين، إلى أن المقالات الشعبية التي تتم مشاركتها وربطها ترفع نتائج البحث على غوغل ومحركات أخرى، ومن السهل المشاركة والإعجاب بأمر يعزز وجهة نظر المستخدم، أو ما يشابه وضعه أو حالته.

ويؤيد الكثير من الصحافيين اليوم، فكرة أنه يجب التثبت من صحة ما يعرض على فيسبوك ووسائل التواصل الأخرى، إلا أن فكرة البعض بأن الأخبار المزيفة “تُحذف” من وسائل التواصل، تُظهر أنهم يسيئون فهم دينامية وسائل الإعلام الجديدة، وهو ما ظهر جليا بعد الانتخابات الأميركية، حيث يرى العديد من الإعلاميين أن الأخبار المزيفة ساعدت الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الفوز بالانتخابات.

وتحدث كرايغ سيلفمان وهو صحافي استقصائي متخصص في كيفية التحقق من البيانات على الإنترنت، “كيف تفوقت الأخبار الوهمية على الحقيقية” في فيسبوك خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من الحملة الانتخابية.

ورأى البعض من خبراء الإعلام، أن تصاعد وتيرة الأخبار الوهمية له علاقة بهشاشة وسائل الإعلام التقليدية، فشركتا غوغل وفيسبوك حازتا على كل عائدات الإعلانات، باعتبار أنهما مصدران موثوقان للمعلومات.

وظهر انعدام الثقة في وسائل الإعلام التقليدية جليا ضمن استطلاع للرأي قام به معهد رويترز، حيث تم طرح سؤال على الناس في 26 بلدا للتعليق على قول “يمكنك الوثوق بمعظم الأخبار في أغلبية الوقت”. وكانت النسبة الأعلى التي وافقت في فنلندا مع 65 بالمئة، والأدنى في اليونان 20 بالمئة. وما بينهما جاءت ألمانيا بنسبة 52 بالمئة، وبريطانيا 50 بالمئة، وإسبانيا 47 بالمئة، واليابان 43 بالمئة، فيما نالت وسائل الإعلام الأميركية نسبة 33 بالمئة فقط من ثقة جمهورها.

ونتيجة لهذا المستوى من انعدام الثقة، أكد خبراء إعلام بأنه تجب إعادة النقاش حول الفكرة التي طرحها الصحافيون في المملكة المتحدة والولايات المتحدة بأن عاصفة من الحقائق الموثقة من وسائل إعلام تقليدية حول “بريكسيت” أو هيلاري كلينتون أو ترامب قد غيرت رأي أحدهم بالتصويت، فالحقيقة تبدو أعقد من ذلك بكثير، وفقا لما يراه جون نوتون من صحيفة الغارديان البريطانية، حيث بنيت الإمبراطوريات الإعلامية على مبدأ أن الناس يريدون السعادة والترفيه، ويرغبون في الشعور بالرضا عن أنفسهم أكثر من رغبتهم في التعلم.

ونشر جون هيرمان في نيويورك تايمز منذ فترة، مقالا أظهر فيه عدم أهمية تركيز وسائل الإعلام التقليدية على القضايا والحقائق. وبيّن كيف أن الإعلام الموجود على فيسبوك فقط، هو الذي أثّر في الخطاب حول الحملة السياسية.

وقال هيرمان “هناك مصادر إخبارية لا تتواجد أساسا خارج فيسبوك، والعديد من المختصين لم يسمعوا بها. لكن كان هناك أشخاص يتابعونها، يتحدثون مع أصدقائهم عن محتواها ويقررون لمن يصوتون، بينما استطلاعات الرأي ووسائل الإعلام التقليدية فاتتها هذه المحادثات أو أنها قللت من أهميتها”.

وتقدّم أستاذا الصحافة جيف جارفيس وجون بورثويك باقتراحات حول كيف يجب أن يتعامل فيسبوك ومنصات التواصل الأخرى مع الأخبار الوهمية، من بينها قطع عائدات الإعلانات للمواقع الوهمية الواضحة.

بدورها حثت مارغريت ساليفان من واشنطن بوست، فيسبوك على استخدام مدير تحرير لمراقبة المنشورات.

أما جيم روتينبرغ الكاتب في نيويورك تايمز، فقد رأى إنه إذا لم يكن هناك جهد قاس لصدّ الأخبار الوهمية فهي ستحجب الحقائق.

وظهرت نظرة أخرى أكثر تفاؤلا بمستقبل وسائل الإعلام التقليدية ومدى مصداقيتها، من خلال بحث استند إلى دراسة معهد رويترز، قد أجريت قبل التصويت على “البريكسيت” والانتخابات الرئاسية الأميركية.

وجاء في البحث أنه حتى في عصر إعلام وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الفردي، فإن وكالات الأنباء والعلامات التجارية الإعلامية التقليدية لا تزال بالغة الأهمية.

وأفاد البحث “على الرغم من أن وسائل التواصل بوابات مهمة للأخبار، فإن معظم المحتوى المستهلك فيها يأتي من الصحف، أو إذاعة أو علامات تجارية رقمية ناشئة استثمرت في المحتوى الأصلي. ففي الدول الـ26 كان أكثر من ثلثي العينة (69 بالمئة) يدخلون إلى نسخة الصحيفة على الإنترنت كل أسبوع”.

18