مؤسسة الأرشيف المغربي تعيد ترتيب تاريخ البلاد

إحداث مؤسسة أرشيف المغرب يشكل تعبيرا عن رغبة سياسية تروم إنهاء الممارسات القديمة في التعامل مع التاريخ والماضي بكل تفاصيله والانخراط في الممارسات الدولية الفضلى في هذا المجال.
الجمعة 2019/03/29
المؤسسة تعمل على صيانة الأرشيف من التلف والضياع (غرافيك "العرب")

في العام 2007، صادق المغرب على قانون الأرشيف الذي بُعثت من خلاله مؤسسة أرشيف المغرب (2011) كهيكل عمومي يتحمل مسؤولية تجميع كل ما يتعلق بالتاريخ المغربي وحمايته من التلف والضياع باعتباره ذاكرة الوطن التي تربط بين الأجيال وتعكس خصوصية الدول ومجتمعاتها، والحفاظ عليه، وعلى حد تعبير جامع بيضا مدير مؤسسة المغرب، هو حفظ للهوية.

الرباط- يولي المغرب اهتماما خاصا بالتاريخ وحماية كل ما له علاقة بماضي المملكة، من الآثار إلى الأوراق والمستندات. ومثلما أنشأت جمعيات ومؤسسات خاصة تعنى بحماية الآثار التاريخية، تم تأسيس أرشيف المغرب كمؤسسة عمومية تناط بها أساسا مهمة صيانة الأرشيف الوطني وحفظ ما يحويه من وثائق.

وكانت لـ”العرب” مؤخرا جولة بين ثنايا هذا الأرشيف عبر لقاء مع المؤرخ جامع بيضا مدير مؤسسة أرشيف المغرب، سلط من خلالها الضوء على أهمية صيانة الذاكرة الجماعية الوطنية وحفظها لتتطلع عليها الأجيال القادمة وتبقى همزة الوصل بين الماضي والحاضر.

وحذر بيضا من أن الأرشيف الرسمي في المغرب ناله إهمال كبير منذ عقود، الشيء الذي عرض بعضه للتلاشي أو الضياع أو حتى النهب والسرقة، فهذا هو للأسف المصير الطبيعي لأي موروث لم تقنن ظروف حفظه وتدبيره بقوانين وآليات تسمح في كل وقت وحين بالتعرف على واقعه ومحاسبة من كلفوا بالسهر عليه.

ويؤمن بيضا بأهمية تدبير الأرشيف كقوة في إطار الدينامية التي يعرفها المغرب الذي انخرط في عدة أوراش تحديثية وحداثية. واعتبر وثائق الأرشيف شاهدا على عمل السلطة على المستوى السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي، خاصة في دولة ما بعد الاستقلال، مشيرا إلى أن تلك الفترة تم إهمالها بسبب ضياع بعض وثائق الأرشيف إما بسبب نقص في الوعي بأهمية ذلك وإما لأن المسؤولين آنذاك انشغلوا بأمور ذات أولوية ارتأوا التصدي لها قبل غيرها.

قانون منظم

جامع بيضا: يجب نشر ثقافة الأرشيف بين عامة الناس ليتعرفوا على كيفية صيانة تاريخهم وحماية حاضرهم
جامع بيضا: يجب نشر ثقافة الأرشيف بين عامة الناس ليتعرفوا على كيفية صيانة تاريخهم وحماية حاضرهم

لم يصدر المغرب قانونا منظما للأرشيف إلا سنة 2007 كتنزيل لإحدى توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، تلك الهيئة التي عملت على مصالحة المغاربة مع تاريخهم وجبر الضرر لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة بين 1956 و1999.

ولأن هذه الهيئة وقفت عن كثب طيلة مدة قيامها بالمهمة الموكلة إليها على حالة الفوضى التي شهدها تدبير الأرشيف الرسمي المغربي، فإنها ضمنت في تقريرها النهائي توصية بضرورة وضع قانون للأرشيف، مع إحداث مؤسسة تعنى بهذا الحقل الذي لا مناص منه في كل دولة تتطلع للحداثة والتقدم.

وأكد جامع بيضا أنه لا يمكن غض الطرف عن كل ما تداولته الألسن طيلة عقود بخصوص إقدام بعض المسؤولين المتهورين على إتلاف وثائق هامة من خلال تركها مهملة في أقبية رطبة من أجل توفير بعض الفضاءات لتستغل كمكاتب للموظفين، منوها إلى أن مثل هذه الممارسات قد تكون حصلت قبل قانون 2007 الذي لا يتسامح مع ذلك.

ويعتقد جامع بيضا أن السبب الأساسي في تعامل المغرب غير المنهجي مع الأرشيف، يكمن في غياب “ثقافة الأرشيف” لدى عموم الناس، وأيضا لتأخر خروج وتطبيق الترسانة القانونية المتعلقة بهذا المجال، لكنه يلفت إلى أنه بعد صدور القانون لاحظ انتشارا متزايدا لثقافة الأرشيف، قائلا “لقد وقفت في هذا الصدد شخصيا على حالة في منطقة فيكيك بشرق المملكة كان فيها أكثر من طن واحد من الوثائق المختلفة على وشك الضياع لو لا يقظة بعض نشطاء المجتمع المدني الذين اتصلوا مشكورين بمؤسسة أرشيف المغرب للتدخل السريع بغرض إنقاذ هذا التراث الوطني”.

وفي رده على سؤال حول طرق تدبير الأرشيف الإداري كمكون أساسي لذاكرة الدولة والشعب لخدمة وحفظ الحقوق التاريخية للدولة والمجتمع والسير نحو الحداثة والديمقراطية، أكد جامع بيضا أنه لا يمكن تصور مغرب حداثي دون تدبير عصري للأرشيف. وبسبب ذلك استصدرت المؤسسة سنة 2015 المرسوم التطبيقي للقانون المنظم للأرشيف وجعلت فيه مسؤولية تدبير الأرشيف العمومي في القطاعات الحكومية على كاهل الكتّاب العامين الذين يضمنون استمرارية الإدارة.

ويؤكد بيضا أن كل وثائق الدولة ستجد طريقها إلى مؤسسة أرشيف المغرب حسب القوانين الجاري بها العمل بمجرد أن تتوفر هذه المؤسسة على الموارد البشرية واللوجيستية اللازمة لاستقبالها ومعالجتها وحفظها في أحسن الظروف، مشيرا إلى أنه سيتم بناء مبنى جديد لأرشيف المغرب تتوفر فيه المعايير الدولية كما سطرها المجلس الدولي للأرشيف، أما في ما يتعلق بالأرشيف العسكري، فقد استثناه قانون 2007 لوجود لجنة التاريخ العسكري التي تتكلف به حتى قبل ميلاد مؤسسة أرشيف المغرب.

ولكون التفكير في أرشيف الأحزاب السياسية كذاكرة يقع ضمن دائرة اختصاص مؤسسة أرشيف المغرب، فقد أكد بيضا الأهمية التي يمثلها ذلك الأرشيف باعتباره الحجة على ما قام به حزب معين خلال مسار نضاله السياسي، مبرزا أن ضياع جزء من أرشيف الأحزاب كان يرتبط في مرحلة ما بظروف الاستعمار أو فترة الصراع خلال بداية الاستقلال.  ودعا الأحزاب إلى تجميع رصيدها الوثائقي تكريسا للشفافية والحق في الولوج للمعلومة، معلنا عن استعداد مؤسسة أرشيف المغرب لتقديم الدعم التقني للأحزاب في هذا المجال.

 مؤسسة أرشيف المغرب

تضطلع مؤسسة أرشيف المغرب أساسا بمهمة صيانة التراث الأرشيفي الوطني وتكوين أرشيف عام وحفظه وتنظيمه وتيسير الاطلاع عليه، وذلك من خلال النهوض ببرنامج تدبير الأرشيف العادي والوسيط الذي بحوزة مصالح الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية والهيئات الخاصة المكلفة بتدبير مرفق عام، وتنسيقه وصيانة التراث الأرشيفي الوطني والنهوض به وتثمينه، ووضع معايير لعمليات جمع الأرشيف وفرزه وإتلافه وتصنيفه ووصفه وحفظه الوقائي وترميمه ونقله في حوامل مخصصة للأرشيف، وكذلك النهوض بمجال الأرشيف عن طريق البحث العلمي والتكوين المهني والتعاون الدولي.

الحفاظ على الأرشيف حفظ للهوية
الحفاظ على الأرشيف حفظ للهوية

وأوضح جامع بيضا أن إحداث مؤسسة أرشيف المغرب يشكل تعبيرا عن رغبة سياسية تروم إنهاء الممارسات القديمة في التعامل مع التاريخ والماضي بكل تفاصيله والانخراط في الممارسات الدولية الفضلى في هذا المجال.  وكون هذه المؤسسة التي انطلقت على أرض الواقع سنة 2011 قد صنفت في السنة اللاحقة «مؤسسة عمومية إستراتيجية»، علما أن عدد هذا الصنف من المؤسسات قليل في المغرب، يكفي كمؤشر على رغبة الدولة المغربية في تدارك ما فاتها خلال العقود الماضية من تدبير سليم وعصري للأرشيف.

وبخصوص التحديات التي تواجهها المؤسسة في تحقيق أهدافها أشار جامع بيضا إلى أنه من الطبيعي أن تصطدم الانطلاقة ببعض المطبات، وليس سرا أن الطريق ليست ميسرة ومفروشة دائما بالورود، لكن العزيمة قوية وتسمح بمواجهة جميع العراقيل، منوها إلى أهمية أن تقوم الدولة بمجهود أكبر حتى تكون المؤسسة في مستوى مواجهة مختلف التحديات.

ولكون المؤسسة تشكل عماد الدولة العصرية التواقة إلى حفظ تراثها الذي هو ملك مشترك للجميع، فإن هناك إرادة قوية لوضع القاطرة على السكة الصحيحة، وما أنجز خلال سنوات معدودة لقي استحسانا في المغرب وفي الخارج.

الأرشيف في خدمة التعايش

اعتبر جامع بيضا أن القانون المغربي المنظم للأرشيف يضع على عاتق مؤسسة أرشيف المغرب مهمة جلب الوثائق المتعلقة بتاريخ المغرب من كل مكان، لذلك سافر مدير مؤسسة أرشيف المغرب إلى دول كثيرة عبر العالم بحثا عن وثائق تاريخية لها ارتباط بالمغرب، مؤكدا أن المحاولات التي قام بها أثمرت نتائج طيبة بجلب أرصدة مرقمنة من فرنسا والبرتغال والولايات المتحدة. ولم يقتصر على الأرشيفات العمومية إذ شمل الاهتمام أيضا وثائق بعض الخواص الذين كانت لهم علاقات وطيدة مع المغرب.

وتسلمت المؤسسة عددا من الوثائق من مؤسسات وأشخاص ومنها الرابطة اليهودية العالمية لأرشيف المغرب التي وهبت نسخا رقمية من أرشيفها الخاص بالمغرب، ما يؤكد أن المغرب يعيد ترتيب تاريخه من جديد بكل مكوناته الإثنية والدينية والثقافية.

ولفت جامع بيضا إلى أنه طيلة الثلاثين سنة التي قضاها أستاذا وباحثا في رحاب جامعة محمد الخامس بالرباط، اشتغل ضمن مواضيع كثيرة مرتبطة بتاريخ اليهود المغاربة وتراثهم، موضحا أنه انتبه مبكرا إلى كون أرصدة مؤسسة أرشيف المغرب ضعيفة جدا في هذا الحقل.

الحديث في المغرب عن إشاعة الحوار والدفاع عن قيم التسامح ليس شعارا مناسباتيا، بل هو متجذر في التاريخ العريق للبلاد ووثائق الأرشيف تثبت ذلك وتؤكد ثقافة التعايش فيها

وتبعا لذلك، عملت مؤسسة الأرشيف على إثراء أرصدتها بنسخ رقمية من ذخائر الرابطة اليهودية العالمية، وتذكار الهولوكوست بفرنسا، وكذلك أرشيف متحف الهولوكوست بواشنطن. ولم يتوقف الأمر عند ذلك إذ تواصلت المؤسسة أيضا مع العائلات للاطلاع على ما تملكه من وثائق يمكن أن تكون مفيدة.

وأشار مدير أرشيف المغرب إلى كثرة المبادرات التي قامت بها المملكة من أجل تثمين التراث اليهودي المغربي، مؤكدا أن المؤسسة لا تنشغل كثيرا بكيفية استغلال المغرب الرسمي وغير الرسمي للأرشيف المتوفر لديها، فمهمتها تنحصر في توفيرها وإتاحتها للجهات الراغبة فيها، وحسب القوانين المعمول بها، وهي تعرف كيف تقوم بتوظيفها للدفاع عن مصالح الوطن.

ويذكر الحدث عن أرشيف اليهود المغاربة وأهميته في ترسيخ ثقافة التعايش، بزيارة البابا فرانسيس إلى المغرب يومي 30 و31 مارس، وهي زيارة رأى جامع بيضا أنها تؤكد أن الحديث في المغرب عن إشاعة الحوار والدفاع عن قيم التسامح ليس شعارا مناسباتيا، بل هو متجذر في التاريخ العريق للبلاد.

وأكد أن مؤسسة أرشيف المغرب أوضحت ذلك بجلاء وبالدليل الوثائقي الدامغ في المعرض الذي فتح أبوابه بالرباط يوم 20 مارس  ليستمر حتى شهر مايو وذلك تحت عنوان “الحضور المسيحي في المغرب: العيش المشترك”.

12