مؤسس حركة النهضة غريب عنها!

الأحد 2013/09/15
"العمل السياسي أمر جديد بالنسبة إلى قيادات حركة النهضة كلّها"

تونس – شخصيّة الشيخ عبد الفتّاح مورو استثنائيّة وتونسيّة بامتياز، لا فقط لما عُرف به من حرص دائم على ارتداء اللباس التقليدي التونسي وإنّما بالخصوص لما يستبطنه من قدرة على الجمع بدل التفريق وشجاعة غير مألوفة على توجيه أشدّ النقد إلى حركة النهضة وقيادتها وهو نائب رئيسها وأحد رموزها التاريخيين. من ثمّة لا يتورّع شيخ السياسيين والمحامين التونسيين عن تلاوة الأخطاء الكثيرة للحزب الإسلامي الحاكم الذي أبعده عن دائرة القرار، وتسبّبت بتضافر أخطاء المعارضة إلى الأزمة السياسيّة غير المسبوقة التي تمرّ بها البلاد.

لم ينتظر الشيخ عبد الفتّاح مورو حلول الأزمة السياسيّة الخانقة في تونس ليُفصح عن آراء نغّصت على حزبه الأمّ، فمعاركه مع حركة النهضة انطلقت حتّى قبل انتخابات ما بعد الثورة. فهو حسب تعبيره هو بالذات يبدو "شخصيّة معارضة أكثر من اللزوم داخل الحركة"، فقد كان ضدّ كلّ مواقف النهضة التي عطّلت، إلى جانب المعارك مع المعارضة، إنجاز الدستور الجديد في وقته. كان أوّل من رفض إدراج الشريعة في الدستور، ووقف ضدّ قانون الإقصاء السياسي وضدّ اختيار النظام البرلماني للحكم وطالب بحلّ رابطات حماية الثورة وغير ذلك كثير… في كلمة بدا الشيخ مورو ذا نظرة استشرافيّة عادت وتبنّتها حركة النهضة بعد أن توالدت الأزمة عن الأخرى.


العودة إلى الفكر الإخواني


يعترف عبد الفتاح مورو بأنّه أصبح عبئا على حركة النهضة، ويُفسّر ذلك بقوله "رؤايا لا تتأقلم مع رؤى الحركة وخياراتها في هذه المرحلة". يستزيد في توضيح أبعاد تهميشه "واقع حضوري في حركة النهضة باهت وغير مؤثّر، فالخطّ التقدّمي الذي أمثله في حركة النهضة لا يروق لبعض الإخوة في الحركة. فأنا أعتقد أنّ هذه الحركة نشأت في العام 1970 /1971حركة تقدّميّة على المستوى الفكري ولم تكن حركة محافظة، وأعطت رؤى لم تكن معهودة لدى الحركات الإسلاميّة التي نشأت في حضنها. ولكنني لم أعد أرى وجودا لهذا الدور التقدّمي. ويبدو أنّ الخضمّ السياسي هو الذي فرض على الجانب التقدّمي في حركة النهضة أن يضمحل وأن يَضْمُر ويتقدّم محله جانب أيديولوجي فيه شيء من التشدّد والانغلاق".

لم يتردّد مورو عن التعبير عن أسفه لما حلّ بحركة النهضة من عودة إلى الفكر الإخواني، مثل ما نشاهده اليوم لدى قيادات فيها من إعلاء شعارات رابعة العدويّة نفسها، قائلا "هذا يسوءني لأنّ فيه نكوصا عن الواقع التقدّمي الذي عشناه في السبعينات، الحركة الآن أمام تحدّي السلطة كأنّها فقدت مميّزاتها الفكريّة. وما يسوءني أكثر من قضيّة رابعة أنّ من وقفوا لتمثيل حركة النهضة في فترة من الفترات في شارع الحبيب بورقيبة (الشارع الرئيس في تونس العاصمة) هم حاملون للفكر السلفي مثل الحبيب اللوز، بل واستدانت سلفيا آخر وهو البشير بن حسن للوقوف إلى جانب راشد الغنوشي. وقد اعتبرت ذلك إفلاسا على المستوى الفكري. ومع احترامي لشخصيهما فإنّ القضية تتعلق بأطروحات الحركة، فبعد أن كانت تقدّمية في السبعينات أضحت اليوم سلفيّة"، معتبرا أنّ "الأزمة السياسيّة والضغط المسلّط على الحركة بسبب ممارستها للسلطة أفقدها الصواب بشأن اختياراتها الفكريّة. ولذلك أقول دائما إنّني أرضى أن أخسر سياسيّا ولكن لا أرضى أن أخسر فكريّا. فالنزوع إلى حشد السلفيين لتشكيل أغلبيّة يجعلني أضيع موقعي. فالسلفي يبقى في مكانه لأنّ له أطروحات أخرى، أمّا حركة النهضة فلها أطروحاتها كتيّار فكري إسلامي تقدّمي ومن واجبها أن تحافظ على هذا الشكل لتقديم أطروحات للوطن التونسي تجمع بين مفهومي الحداثة والأصالة وإقامة جسر بين فكرنا الذي يتطوّر بموجب الوقت".


الالتجاء إلى حشد السلفيّة


في السياق ذاته أضاف مورو أنّه "قد تكون هناك قناعات سلفيّة لبعض قيادات النهضة لم يتخلّصوا منها، ولكن ما اضطر هؤلاء إلى الرجوع إلى السلفيّة بشكل أو بآخر هو الخوف من انحسار المدّ السياسي، والإحساس بكونهم مداهمين من قبل التيار العلماني الذي كان يترصّد أخطاءهم، ولذلك تراهم يقولون لأنفسهم إنّهم أغلبيّة ويمثلون التيار الديني في البلاد، في حين أنّهم يمثلون فقط تيارا إسلاميا يتميّز بخصوصية فهم للإسلام يكون قادرا على بناء حضارة" على حدّ تعبيره.

يرى مورو أنّ كلا من السلطة والمعارضة تسبّبت لتونس في خسارة الكثير من الوقت في المجلس الوطني التأسيسي، رادًّا ذلك إلى أنّ "من دخلوا إلى المجلس، من أغلبيّة ومعارضة، لم يكن في أذهانهم تصوّر للمشهد السياسي في البلاد ولواقعها وللأهداف المراد تحقيقها. وأمام ذلك أصبح هدف كلّ الأطراف هو البقاء في السلطة أو الرغبة في افتكاكها. ولكي تبرّر ذلك فقد أضحت تبحث عن المبرّر الأيديولوجي سواء من الإسلاميين أو اليسار.. ومن يريد بناء دولة مستقلة تعتمد الشريعة الإسلاميّة أو شيوعيّة أو اشتراكية يعدّ فاشلا إن لم يحقّق استقلاله السياسي والاقتصادي"، حسب تأكيده لـ"العرب".

يعتقد مورو أنّ المسار في تونس يختلف عمّا هو عليه في مصر، ففي رأيه حاولت حركة النهضة بعد الانتخابات أن تعتمد فكرة جديدة حول التشاركيّة السياسيّة التي أفرزت "الترويكا"، قائلا "هي فكرة تونسيّة لم نستوردها من الخارج ونعتبرها مؤشرا إيجابيا بشأن قدرة الإسلاميين على اقتسام السلطة مع غيرهم، غير أنّ التداعيات التي حصلت بعد ذلك أفسدت هذا النهج بسبب النتوءات الموجودة لدى أناس ينتمون إلى مشروع حركة النهضة، لكنّه انتماء هُلامي غير محدّد". ويحاول مورو تبرير ما أتى عليه بقوله إنّه "يبدو أنّ البعد عن الواقع وحالة الشتات التي حصلت خلال فترة الزجّ في السجون وكذلك الإسراع في الدخول إلى الحكم هو ما جعلنا نصدر جميعا عن مؤسّسة واحدة ونتكلّم بلغات مختلفة"، مضيفا أنّ هناك من حركة النهضة "من يعتبر تطبيق الشريعة مبرّر وجودها. وشخصيّا لا أعرف أين وجدوا ذلك في أدبيات الحركة فهي قضيّة مغلوطة.. فهل جاءت الشريعة لتقطع الأيادي؟ كلاّ لقد جاءت لبناء هيكل اجتماعي وسياسي وعلاقات اقتصادية، فهل نترك كلّ ذلك لنحصر الشريعة في امرأة لا تُغطّي ركبتيها أو رجل يبيع الخمر"..

الأخطاء السياسيّة لحركة النهضة مردّها قلّة الخبرة والجهل بالعمل السياسي، حسب رأي عبد الفتاح مورو. ويقول"العمل السياسي أمر جديد بالنسبة إلى قيادات حركة النهضة كلّها، فالسياسة هي إدارة الحكم والتصرّف مع الخصوم السياسيين، فمتى مارسوا السياسة؟، فمعظمهم كانوا في السجون أو خارج البلاد".. ويُضيف "حتّى العقليّة السياسيّة لم تتوفّر لديهم، ففي العمل السياسي لا يمكن أن يقول أحدهم: أنا لا أجلس مع الباجي قائد السبسي! (رئيس حزب "حركة نداء تونس" المنافس الأكبر لحركة النهضة). كما أنّ العمل السياسي لا يسمح بألاّ يتوجّه رئيس الحكومة إلى الشعب بعد ستة أشهر من الحكم ولا يخاطبه إلاّ عند حصول كارثة، ليقول له لدينا مصيبة اسمها تنظيم أنصار الشريعة!".


أزمة السلطة والمعارضة


رغم كلّ هذا الكمّ من النقد، يُعارض ابن النهضة تعطيل عمل المجلس التأسيسي قبل إتمام صياغة الدستور بفترة وجيزة، ويتساءل "أيّ منطق يحكمنا عند الخلاف، إذ لا يوجد سوى منطقين، فإما أن نكون في منطق المؤسّسات أو منطق الثورة. وطبعا فإنّنا لسنا في منطق الثورة بدليل أنّ لا أحد منّا يمكنه أن يحتكم إلى الشارع ليقرّر شأن البلاد. فنحن إذن ندخل في منطق المؤسّسات التي إن كانت منقوصة فعلينا تكملتها. وحين خرجنا من الانتخابات أحدثنا مجلسا تأسيسيّا لا يشكّك أحد في أنّه يمثل الشعب. وقد أصدر المجلس قانون التنظيم المؤقت للسلطات المعروف باسم الدستور الصغير ليكون الفيصل في الخلافات القائمة. وبما أنّنا لا نعرف ما هي المهام المطلوبة منّا بالضبط، فقد انغمس المجلس في الخصومات والمهاترات وتبادل السباب إلى درجة تعطيل عمله وعدم النظر في الدستور لمدّة شهر بسبب قضيّة اغتصاب فتاة تونسيّة".

وحسب عبد الفتاح مورو فقد "كان بالإمكان إنجاز الدستور في ظرف عام واحد، لكن فشلنا في ذلك لأنّ حركة النهضة طرحت أطروحات خاطئة عطّلت التقدّم في إنجاز الدستور، إذ نادت بتطبيق الشريعة ثمّ أعطت الأولويّة للنظام البرلماني، لكنّ المعارضة بدورها حوّلت المجلس إلى محاسبة آنيّة للتيار الإسلامي والأكثر من ذلك أنّها استغلّت جريمتي اغتيال شنيعتين كي تسحب البساط من حركة النهضة وانتزاع حقّها في الأغلبية وإبعادها عن الحكم، لتُصبح محاكمة سياسيّة للنهضة، لا يحقّ للخصم أن يبتّ فيها" حسب رأيه.

يقول مورو "يُفترض ألاّ يفصلنا عن موعد الانتخابات سوى أربعة أشهر. فكيف نعطّل المسار ثمّ نقول إنّنا غير جاهزين للانتخابات القادمة وتنظيمها بعد عام مثلما طالب حمه الهمامي (أمين عام حزب العمال)، فهل هذا معقول بعد أن كنّا نلوم المجلس التأسيسي على عدم التزامه بمدّة عام؟!". هكذا يحاول عبد الفتاح مورو التوفيق بين آرائه القاسية إزاء النهضة ومواقفه المنتقدة بشدّة للمعارضة التي تفتقد، حسب رأيه، لأيّ بديل.


السير نحو المجهول!


في المحصّلة "يتبيّن- على حدّ تعبيره- أنّ القضيّة تتمثل في السعي إلى إبعاد حركة النهضة عن الحكم وإعطائه إلى طرف مجهول، لاسيّما أنّه لم يحصل التوافق بين الأحزاب والمنظمات الراعية. وفي رأيي فإنّ الحكومة تُعلن عن مبدإ انسحابها من الحكم، لكن لا يُصبح هذا الانسحاب نافذا إلاّ بعد الاتّفاق على رئيس حكومة جديد، وحين يتمّ ذلك تُعتبر الحكومة منحلّة يوم الاتّفاق عليه، وهذا فيه تنازل من حركة النهضة لأنّ لديها الأغلبيّة، بمعنى أنّ يحدّد عمل المجلس التأسيسي لإنهاء أشغاله بموعد 23 أكتوبر المقبل وبالتوازي مع ذلك يتمّ التفاوض على رئيس الحكومة الجديد".

يقول مورو "أرى أنّ خيار التحطيم القائم وعدم تقديم البديل المعقول يُعتبر تعطيلا للمسار الانتقالي، علما بأنّ هذا المسار سيُفضي بنا إلى تلاؤم بين الأطراف السياسيّة، فالكل يعرف أنّ لا أحد يمكنه إقصاء الطرف الآخر. فراشد الغنوشي يُدرك أنّ حمّه الهمامي يُعدُّ حقيقة من حقائق الفسيفساء السياسيّة في تونس والعكس صحيح. فإمّا أن نسير نحو المجهول وهو ما سيحمّل المسؤوليّة للجميع في ظلّ عدم تحمّل اقتصار البلاد أكثر من شهرين أو أربعة أشهر على أقصى تقدير، وإمّا أن نسير كتلة واحدة دون إقصاء لإنجاح المسار وإرساء مقوّمات الاستقرار". هذا هو الأحلّ الأنسب بالنسبة إلى مورو. وهو حسب رأيه"يُتيح استقطاب فيض السيولة الماليّة في دول الخليج العربي نتيجة ارتفاع أسعار البترول، لاسيّما أنّ تلك الدول لم تعد تغامر باستثمارات كبرى في الدول الغربيّة التي تعيش أزمات مالية خطيرة متتالية".


نظرة استشرافيّة


يعترف الشيخ مورو أنّه، رغم كونه نائب رئيس حركة النهضة، لا يعرف ما يدور أصلا داخل الحزب الحاكم. ومع ذلك لم يندم على مسيرته في النهضة وخارجها، هذا ما أكّده لـ"العرب"، مستدركا "أشعر فقط بأنّه كان من المفروض أن أعكف على مزيد من العلم لأنّ كلّ وقتي انصرف إلى الشأن السياسي والاجتماعي. ومع ذلك فمنذ أن بدأت العمل السياسي في السبعينات إلى اليوم لم أغيّر مواقفي داخليا وخارجيّا ويمكن الرجوع إلى تصريحاتي الصحفيّة منذ عقود.

في هذا المضمار يضرب الشيخ لنا مثلا ليقول "عندما اجتاح العراق الكويت، قال الراشد الغنوشي إنّه مع العراق وإنّ الكويت عميلة وتسعى إلى خفض أسعار البترول لتركيع العراق، أمّا بالنسبة إليّ فالمسألة واضحة وهي اعتداء دولة على دولة أخرى. ومع أنّني لست لا من دعاة الملكيّة أو غيرها فقد كنت مع الكويت لأنّه تمّ الاعتداء على دولة قائمة الذات. وقد احتاجت حركة النهضة عامين لترقّع موقفها، وقد تبيّن أنّ حركة النهضة تراجعت، ولو بعد حين، عن كلّ المواقف التي خالفتني فيها".

يُدرك الشيخ السياسي أنّ حظوظه بالمسك بزمام القرار ضئيلة ما دام مرابطا على مواقفه الجريئة تلك. مورو أكّد لـ"العرب" أنّه لن يترشّح مستقبلا في أيّ انتخابات أو أيّ مهمّة، قائلا " 'بهذلت' النهضة بحالي خلال الانتخابات السابقة، فلم أحصل سوى على مائة صوت في منطقة المرسى التي أحظى فيها بشعبيّة كبرى". كما لم يتردّد في القول إنّ "حملة حركة النهضة ضدّي لا تحتاج إلى دليل، فقد أرادت تعطيل وجودي وأن تُثبت لي أنّه، رغم ما أتمتّع به من شعبيّة وكاريزما وإيجابيّات، لا يمكنني المرور لأنّ ماكينة الحزب ليست معي، وهو ما يقوله الشيخ راشد الغنوشي دائما بأنّ من يخرج عن النهضة تُحطّمه الماكينة، قال ذلك أيضا لحمّادي الجبالي" (أمين عام حزب النهضة ورئيس الحكومة السابق).

متحدّث لبق، ذكي، فطن، عاطفي يُشعر كلّ محدّثيه بالراحة.. ذاك هو الشيخ عبد الفتّاح مورو.. ومع أنّه تلقّى، حسب تأكيده لنا، تحذيرات من جهات أمنيّة طالبته بالالتزام في بيته لمدّة 48 ساعة، فإنّه لم يستطع المكوث خارج دائر المجتمع الواسع.

8