مؤشرات التشظي الجمعي

الخميس 2014/02/20

انقسامات الرأي الحادة التي يعيشها المجتمع السعودي كان يمكن لها أن تظل في إطار الاختلاف المحمود الذي ينتج عنه وعي جمعي جديد يرتكز على مبادئ الاختلاف الخلاق. لكن ما يحدث تحديداً هو وقوع شريحة لا يستهان بها تحت تأثير وسائل إعلام موجهة على رأسها “دولة” الجزيرة الفضائية الحاكمة في قطر وعدد من القنوات والصحف التي تلقى تمويلاً قطرياً وصفوياً أو كليهما. اعتمدت هذه الوسائل على سلسلة من النظريات الإعلامية للتأثير ومارست تزييفاً لوعي جمهورها بمساهمة في ذلك من قادة الرأي أصحاب المصالح أو المندفعين حماساً، سواء من خلال ما تخطه أيديهم من مقالات تحمل رسائل محددة أو من خلال المنابر التي أتيحت لهم، حتى أحالوا انقسام الرأي الصحي وتنوعه إلى مؤشرات تشظي مخيفة مربكة للسلم الاجتماعي.

هذا الانقسام ظهرت بداياته بالتزامن مع “الخريف” العربي ثم ظهر جلياً في أحداث مصر وتأكد بشكل كبير عقب الإطاحة بمرسي وتصحيح مسار الثورة المصرية. ولعله من الواضح جداً للمراقب أن فريقاً تماهى مع الموقف الحكومي في تأييد استقرار مصر ووجود حكومة مصرية لا تسمح بالمد الصفوي الإيراني في أرض الكنانة، وفي رفض ما يمس أمنها بأي شكل من الأشكال. الفريق الآخر، والحديث هنا عن العموم لا عن قادة الرأي، لا تنقصه المواطنة بقدر ما تنقصه محاولة حل التناقضات التي يحاول التعايش معها، بعد انسياقه خلف قناعات زائفة تتعارض والسلم الاجتماعي.

سأسرد أمثلة بسيطة وفي متناولنا جميعاً دون الدخول في متاهات النظريات. ما الذي يجعل المواطن السعودي يحمل شعاراً اتخذته جماعة الإخوان رمزاً للصمود؟ الإجابة ببساطة لا تتجاوز أحد أمرين: إما أن يكون تأييداً لتلك الجماعة التي تقف ضد الوطن أو تعاطفاً مع مجزرة لم تحدث. وعلى افتراض حدوثها، أيهما أولى بالتعاطف، ثوار سوريا أو مجزرة مشكوك في حدوثها؟ ولماذا يحمل أحدهم شعاراً لذوات الأربع وكان الأجدى أن يحمل شعار ضحايا مجزرة الكيمائي ضد أطفال سوريا وهي الأبشع إضافة إلى كونها حقيقية ملموسة؟ فيكون بذلك قد أظهر تعاطفاً يتسق وموقف حكومته ووطنه. لاشك أن من حق أخي وابن وطني أن يتعاطف مع الحادثتين على افتراض حدوث الأولى، ولكن لماذا حمل شعار هذه دون تلك.

مثال آخر: حينما تسمح دولة كقطر لأحد المجنسين فيها أن يسيء إلى وطننا، في الوقت الذي تسجن شاعراً ألقى قصيدة. ثم يصمت أخي وابن وطني على الإساءة وكأن شيئاً لم يحدث. وما زال الحديث عن العموم لا عن قادة الرأي، باستثناء أقلية بلغ بها الأمر كل مبلغ، أكاد أجزم أن الغالبية لم ترض بذلك. هل الصمت نوعاً من الصدمة التي لا يستطيع معها استيعاب انتقاد أحد قادة الرأي الذي أشبعهم وهماً.

نأخذ مثالاً ثالثاً: أن يسيح الإسرائيلي في بلد كقطر وأن ينبري الإسرائيليون من “دولة” الجزيرة الحاكمة في قطر لدعم خصوم وطننا، ثم لا يثير هذا أي تساؤل لديهم، وهم الذين يزعمون أن هذا الكيان ومن يمثله عدوهم. هل يعود ذلك الصمت إلى دعم تلك الشخصيات للإخوان مثلاً؟ هل يعقل أن يصدق أحد أن دولة تضم القاعدة الأميركية التي انطلقت منها عشرة آلاف طائرة في أول أيام الغزو الأميركي للعراق، وتضم المكتب التجاري الإسرائيلي ومكتب طالبان، هل يعقل أن تخشى على مصلحة الأمة؟

ولا بأس بمثال رابع: حينما يقوم رئيس الوزراء التركي بمد جسور التعاون مع إيران منذ سنوات والاعتراض على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، بل وعقد صفقات تجارية معها والأدهى تزويدها باليورانيوم، ثم يكرر عملية تعطيش الشعب السوري والعراقي بدعم أثيوبيا لبناء سد النهضة لتعطيش الشعب المصري، حينما يقوم بذلك نجد أخي وابن وطني يغض الطرف عن ذلك، ومع ذلك يمجده ويرفعه عالياً. لماذا هذا؟ أن يحقق رئيس ما إنجازات ما في وطنه لا يعني أنه يهتم بوطني. وعندما يوجه حديثه إليّ بلغتي ليحدثني عن إنجازاته فهو لا يريد إلا أن يدق إسفيناً بيني وبين مسؤولي وطني، وإلا فلست معنيا بما ينجزه ليخبرني به. ولعل الأهم أنه يسعى إلى زرع المصداقية والثقة ليمرر رسالته. وكالأمثلة السابقة، لماذا غض الطرف عن هذه الحقائق وتصديق أن مثل هذا يخشى على وطني وأمتي أكثر مني ومنك؟

ليس المطلوب أكثر من أن يسترخي أخي وابن وطني الذي يخالفني الرأي ويحاول أن يجد حلاً لهذه التناقضات التي هي غيض من فيض. فإن وجد لها تخريجاً فسنلتقي في منطقة وسطى هي أساس الاختلاف الصحي، وإن لم يجد، ولن يجد، فأعتقد أنه بحاجة للاعتراف بأنه ضحية تزييف للوعي مورس عليه طيلة سنوات حتى أصبح يعتقد أن الطرف الآخر هــو من يحاول تزييف وعيه.

لنلتفت إلى الوسائل وقادة الرأي في إيجاز شديد. لاشك أن “دولة” الجزيرة الفضائية ومجموعة مما يدور في فلكها مارست منذ التسعينات بث رسائل مركزة لخلخلة المجتمعات العربية والسعودية على وجه الخصوص وتهيئته لمرحلة ثانية بدأت عام 2006 باستخدام بعض أكاديميي الداخل للتشكيك في خصومها مما أحال مجتمعنا، في بدايات الخريف العربي ثم في مرحلة ما بعد سقوط الحكم الإخواني في مصر، إلى مجتمع خصب قابل للتشظي. قادة الرأي الداعمون ينقسمون إلى واعظ أو إعلامي. الواعظ إما أن يكون باحثاً عن السلطة أو مندفعاً بحماس وحسن نية. الأخير يمكن أن يتراجع ويقر بخَطئه متى تبين له خطورة ما يفعله على وحدة الأرض والمجتمع.

قادة الرأي من الإعلاميين وخاصة الأكاديميين، الذين يسرحون ويمرحون في وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض الصحف والفضائيات المجاورة، يستخدمون باقتدار وتمكن نظريات التأثير الإعلامية بأنواعها المختلفة وأهمها “دوامة الصمت” التي تم استخدامها بشكل كبير في التشكيك في مصداقية وأهداف وسائل الإعلام التي تتماهى مع خطاب الدولة وفي تكوين رأي عام متنام (ووهمي) يدعم رسائلهم ويخلي الساحة لوسائل الإعلام التي يعملون بالتزامن معها لتعمل بحرية أكبر، بل وبثقة متناهية في وصول وقبول رسالتها فردياً، أولاً، ثم مجتمعياً، في مرحلة تالية، وذلك في إحياء فاعل لنظرية التأثير القديمة المعروفة بـ”الحقنة تحت الجلد”، والتي بدأ استخدامها مع بداية الخريف العربي ثم تم تكثيفها في مرحلة ما بعد حكم الإخوان.

وإذ تبدو الحاجة ماسة إلى مواجهة أمنية أو إعلامية سريعة وحاسمة فإنني أتوقع حدوث الأولى، وأكاد أفقد الأمل في الثانية لأن الإعلام السعودي الخارجي والداخلي لا أمل فيهما، من وجهة نظري وبما يعكسه الواقع الإعلامي، بعد أن تحول الخارجي منذ سنوات إلى مجرد مكتب للعلاقات العامة بينما ما زال مسؤولو الداخلي يلاحظون استخدام نظريات التأثير ذات القوة التدميرية الهائلة للنسيج المجتمعي، ثم يعودون بذاكرتهم إلى سنوات الدراسة الجامعية ويتساءلون “مرت علينا؟”.


كاتب سعودي

8