مؤشرات التنمية العربية تخدع البنك الدولي

ذكر تقرير حديث للبنك الدولي أن الاعتماد القديم على المؤشرات الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أخفى مستوى الإحباط والسخط بالمنطقة قبل أحداث الربيع العربي. وأشار التقرير، الذي حمل عنوان “التفاوتات والانتفاضات والصراع في العالم العربي”، إلى أن اندلاع الثورات، وخصوصا في بلد مثل تونس، شكل لغزا، فكيف لبلد احتلّ مراكز متقدمة وصورة إيجابية في مؤشرات التنمية العربية والعالمية في مجالات عديدة، يشهد مثل تلك الثورة الشعبية التي توسعت شرارتها نحو دول عربية أخرى، وتجر كامل المنطقة إلى وضع شديد التعقيد.
الخميس 2015/11/12
بعد الربيع العربي.. المحبطون باتوا أكثر إحباطا والفقراء ازداد فقرهم

واشنطن - تمثّل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لغزا، فالمنطقة كانت تحقق تقدّما مطّردا نحو بلوغ هدفي البنك المتمثلين في إنهاء الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك. وكانت نسبة الفقراء المنخفضة بالفعل آخذة في التراجع في جميع البلدان باستثناء اليمن. ولم تحقق المنطقة فقط الأهداف الإنمائية للألفية المتعلّقة بالفقر وإتاحة الحصول على خدمات البنية التحتية (لاسيما مياه الشرب والصرف الصحي، والاتصال بالإنترنت)، بل قطعت أيضا خطوات كبيرة نحو الحد من الجوع وخفض وفيات الأطفال والأمهات وزيادة معدلات الالتحاق بالمدارس.

لكن، في آخر عام 2010، اندلعت احتجاجات في تونس، ثم تطورت إلى ثورة ضدّ النظام في مطلع 2011، وسرعان ما أصبحت ظاهرة امتدّت إلى مصر واليمن وليبيا وسوريا، وبينما شهد الوضع في تونس ومصر، نوعا من الاستقرار الأمني، تحولت الاحتجاجات في اليمن وسوريا وليبيا إلى حرب أهلية مستمرة منذ أكثر من أربع سنوات. ولم تكن بلدان عربية أخرى بمعزل عن التأثر، لكنها بقيت ضمن الاستياء الشعبي.

ويعترف البنك الدولي في تقرير، صدر مؤخرا عن المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن مؤشرات التنمية القياسية عجزت عن رصد انفجار الغضب الشعبي أو التنبؤ به خلال عام 2011، وأن أحداث الربيع العربي فاجأته، وجلعت خبراءه يتساءلون عن أسباب هذه المعضلة، وهل كان التفاوت الاقتصادي أعلى كثيرا مما تشير إليه بيانات إنفاق الأسر المعيشية، أم هل كانت المظالم مرتبطة بعوامل أخرى، بخلاف التفاوت الاقتصادي، مثل تدهور نوعية الحياة بشكل عام، أو تنامي الفساد، أو انعدام الحرية؟

تراجع معدلات الرضى عن الحياة

توصّل خبراء البنك الدولي، في بحثهم عن إجابات على هذا اللغز، إلى وجود اختلاف بين التقارير المقدّمة للمنظّمات المعنية برصد تطورات المجتمعات وبين الواقع الذي يبطنه الرأي العام الشعبي؛ ففي حين أشاد كثير من المراقبين بما حققته دول المنطقة من معدّلات نمو مرتفعة قبل اندلاع أحداث الربيع العربي، أظهرت استطلاعات رأي المواطنين، في الوقت ذاته، تراجعا حادا في معدّلات الرضى عن حياتهم، وخاصة بين أفراد الطبقة المتوسطة.

وهناك الكثير من العوامل، التي تؤثّر على نوعية الحياة أو مستويات معيشة المواطنين؛ وتؤثر بالتالي على مستوى رضاهم عن الحياة، لكن لا يتم رصدها بشكل جيد في بيانات الإنفاق التقليدية. وتتعلق بعض هذه العوامل بجودة الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم والنقل والكهرباء والأنواع الأخرى من الخدمات الحكومية، ويشير بعضها الآخر إلى نوعية الوظائف المتاحة في البلاد.

الانتفاضات العربية لم تحقق التغيير المرجو، إذ تدهور الوضع في العديد من البلدان مع تحولها إلى حروب أهلية

وتتأثر نوعية حياة الناس تأثرا كبيرا بنوعية البيئة ونوعية المؤسسات والسلامة العامة ونزاهة النظام القضائي ومكافحة الفساد والاستقرار السياسي والاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، تلعب التوقعات بشأن المستقبل دورا في تقييمات الحياة، فقد تتغيّر التوقعات بمرور الوقت لأن الناس يقيسون رفاههم الشخصي بناء على “النموذج الأمثل” الذي يضعونه لحياتهم الشخصية وبناء على التغيرات في المجالات المهمة لسعادتهم على سبيل المثال، ومع تنامي الفساد تصبح مكافحته أكثر أهمية لنوعية حياة الناس.

صفقة قبول الحكم الشمولي

يشير البنك الدولي إلى أن انخفاض مستويات الرضى عن الحياة في بلدان المنطقة النامية خلال الفترة التي سبقت اندلاع انتفاضات الربيع العربي لم يعكس عدم الرضى عن مستوى التفاوت في الدخل أو معدل نمو الدخل لدى أفقر 40 في المئة من السكان. فمعدل الفقر المطلق كان منخفضا وكان مستوى التفاوت في الدخل متوسطا وآخذا في التراجع خلال العقد الأول من القرن الحالي. وفي المقابل، ارتبط الشعور بالتعاسة بانخفاض مستويات المعيشة واستشراء الفساد وغياب العدالة.

وكانت هذه المظالم عبارة عن أعراض لمشكلات هيكلية عميقة في البلدان العربية واعتمد نظام الحكم الشمولي، الذي كان سائدا في بلدان المنطقة النامية قبل الربيع العربي، على الجمع بين الممارسات القمعية وعقد اجتماعي أُطِلق عليه في بعض الأحيان “صفقة قبول الحكم الشمولي” الذي كان يقدم منافع مثل الخدمات المجانية كالتعليم والرعاية الصحية ودعم الطاقة والمواد الغذائية وضمان التعيين بالقطاع العام، وذلك في مقابل الدعم السياسي. وكشفت انتفاضات الربيع العربي تصدعات هذا النموذج، من العجز الضخم والمتنامي في الموازنة والحسابات الخارجية إلى ضعف المؤسسات التي ابتليت باستشراء الفساد وانتشار ممارسات التربح التي أعاقت نمو القطاع الخاص.

ورغم أن الشعوب العربية تحدثت بصوت عال وواضح لتعبر عن المظالم التي تؤثر بشكل رئيسي على رفاهها. فالانتفاضات العربية لم تحقق التغيير المرجوّ، إذ تدهور الوضع تدهورا كبيرا في العديد من البلدان مع تحوّل الانتفاضات إلى حروب أهلية، والمهم أن الكثير من العوامل التي أدت إلى تعاسة المواطنين قبل الربيع العربي مازالت قائمة حتى الوقت الراهن، فقد توقف الإصلاح الاقتصادي خلال المراحل الانتقالية ببلدان الربيع العربي، ولذلك استمرت المعوقات الهيكلية التي كانت موجودة في السابق. وأدت الحروب الأهلية الدائرة في سوريا والعراق وليبيا واليمن إلى محو سنوات من مكاسب التنمية وخلق أوضاع من المعاناة والتشرد على نطاق واسع لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية. وفي العديد من البلدان، انهارت الخدمات الحكومية وسيطرت الجماعات الإرهابية على مساحات كبيرة.

الحروب الأهلية الدائرة في سوريا والعراق وليبيا واليمن تؤدي إلى محو سنوات من مكاسب التنمية وخلق أوضاع من المعاناة والتشرد

استمرار حلقة الاضطرابات

تعقيبا على التقرير، قال شانتا ديفاراجان، كبير الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي “عشية اندلاع أحداث الربيع العربي، كان العالم العربي مكانا يفتقر إلى السعادة لأسباب مختلفة… فالعقد الاجتماعي القديم لإعادة توزيع الثروة مع اختفاء أصوات المواطنين لم يعد مجديا، خاصة بين أفراد الطبقة الوسطي، قبيل أحداث 2011. كان المواطنون يريدون إسماع أصواتهم، كانوا يريدون فرصا حقيقية، وتقدما اقتصاديا”.

ويضيف ديفاراجان “بعد أن اندلعت انتفاضات الربيع العربي، بدت بلدان كثيرة معرضة للسقوط في الفوضى. وما لم يبذل المجتمع الدولي جهودا لإنهاء الصراعات بالمنطقة ومساعدة بلدانها على تجديد العقد الاجتماعي، فإن مستقبل المنطقة على المدى البعيد قد يقتصر على استمرار حلقة الاضطرابات السائدة الآن، ويزيد من حدتها ضعف الأداء الاقتصادي”.

وقالت إيلينا يانتشوفيتشينا، الخبيرة الاقتصادية بالبنك الدولي إن “الوضع مازال يتفاقم في المنطقة… ورغم أن المظالم وحدها لا تؤدي إلى حروب أهلية، فإن الانتفاضات التي تحركها المظالم يمكن أن تنمو وتتطور إلى حروب أهلية في المجتمعات التي تشهد استقطابا على أسس عرقية أو طائفية. ومما يزيد من مخاطر الصراع ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب ووفرة الموارد الطبيعية”.

6