مؤشرات الغليان الشعبي في العراق

الأربعاء 2014/02/19

وسط أجواء من التذمّر الشديد والغليان الشعبي العارم انطلقت في إحدى عشرة محافظة عراقية بما فيها العاصمة بغداد مظاهرات حاشدة تطالب بإلغاء المادتين 37 و 38 من قانون التقاعد الموحّد الذي زجّ فيه البرلمانيون أنفسهم ليمرِّروا على الشعب فِرية الخدمة الجهادية ويطوِّعوا هذا القانون لمصالحهم الشخصية والحزبية الضيّقة متحدِّين الإرادة الشعبية والفتاوى العديدة التي أطلقتها المرجعيات السنية والشيعية التي تحرّم سرقة المال العام، ونهب أموال المواطنين بطريقة دنيئة مخالفة للأديان والشرائع السماوية والأرضية.

إن منْ يدقِّق في الشعارات التي رفعها المتظاهرون الغاضبون سيجدها متنوعة ولاذعة ولا يخلو بعضها من نفَسٍ تهكمي ساخر. ولعل أولى هذه الشعارات التي تردّدت ببغداد وبعض المحافظات العراقية هو الشعار الإيقاظي المحرِّض للجماهير إن “أكعد “انهض” يا شعب باكوك “سرقوك” نوّابك”، فكيف لهذا الشعب أن ينام وقد تحوّل نوّابه إلى سرّاق محترفين ينهبون أموال الشعب العراقي في رابعة النهار؟ حملت شعارات أخرى طابع التشكّي من قبيل “إلمَنْ “لِمَنْ” نشتكي ونشرح الحالة… نوّاب الشعب باكو “سرقوا” حلاله؟” وهو تساؤل مشروع مفاده أن الشعوب في كل البلدان الديمقراطية في العالم تتجه بالشكوى إلى برلمانيّيها الذين يمارسون دور المراقبين اليقظين والحرّاس الأمناء على الأموال العامة لا أن يتحولوا إلى لصوص محترفين، وانتهازيين، وصيادين في المياه العكرة.

البعض الآخر من الشعارات ينطوي على إرادة قوية وتصميم ثابت “نلغيها وعليّ الخدمة الجهادية”، وهنا تَستعمِل شريحة من العراقيين اسم الإمام علي “رض” كنوعٍ من القَسَم الذي يؤكدون من خلاله إصرارهم على إلغاء “الخدمة الجهادية”. ثمة شعارات صريحة مكشوفة لا تحتمل التأويل مثل “إرادة الشعوب أقوى من الطغاة” وهم يقصدون تحديداً الطغاة العرب الذين تساقطوا في بضعة أسابيع بين فارٍّ وقتيل ومخلوع ومحروق لأن إرادة الشعوب أقوى من إرادة أي حاكم مستبدٍ متجبِّر.

لجأت شريحة محددة من المتظاهرين إلى لغة الرياضيات التي لا تقبل الجدل فحاصل جمع “الراتب التقاعدي+ الفساد الإداري+ الخدمة الجهادية= الإرهاب” وهم يعنون إرهاب الدولة التي ركزّت اهتمامها على رواتب الرئاسات الثلاث والوزراء والنوّاب وذوي الدرجات الخاصة وتركت السواد الأعظم من العراقيين في مستوىً معاشي لا يُحسدَون عليه إذ يعيش نحو 35بالمئة منهم تحت خط الفقر، هذا ناهيك عن العدد المروِّع للأرامل والأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة الذين تعرضوا للإعاقة بسبب الحروب وعمليات الإرهاب والقتل المنظّم على أيدي المليشيات التي جلبتها الأحزاب الدينية من خارج الحدود.

البعض من المتظاهرين لا يحدّدون جهة رسمية مسؤولة بعينها، ولا يذكرون اسماً لهذا البرلماني الفاسد أو ذاك الوزير الفاشل وغالبيتهم من الأحزاب الدينية والكتل السياسية الكبرى التي تتستر على فسادهم وفشلهم وسرقاتهم لذلك يلوِّحون بشعارٍ طالما رفعوه في تظاهراتهم الاحتجاجية واعتصاماتهم المدنية مفاده: “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت”، لكن هل يستحي سياسيو العراق الذين جاؤوا بعد التغيير الأنغلو- أميركي؟ ولو كانوا يستحون فعلاً لما استغلوا قانون التقاعد الموّحد وزجوا قضية الخدمة الجهادية بين طيّاته علّهم يمررونها في غفلة من الشعب العراقي الذي أطلق شعاره في أكثر من مظاهرة جماهيرية وقال بلغة رياضية أيضاً إنّ “البيتزا + الكنتاكي = الخدمة الجهادية” وهذا يعني أن اللاجئين من الأحزاب الدينية تحديداً كانوا مرفّهين في بلدان اللجوء الأوروبية والأميركية ولا يأكلون سوى البيتزا والكنتاكي والفواكه المجفّفة أيضاً فمن أين أتتهم الخدمة الجهادية؟ وفي أية جبهة كانوا يقاتلون؟

المتظاهرون يصرخون بالفم الملآن بأن المواطن العراقي البسيط هو الذي كان يجاهد داخل حدود الوطن متحملاً سنوات الحصار، والحروب المريرة، ووحشية قطعان المارينز الأميركية التي كانت تستعمل القوة المفرطة ضد المواطنين العراقيين المرابطين ضمن حدود الوطن. فمن هم المجاهدون إذن، أهم أكلة الكنتاكي أم الذين كانوا يشدّون الأحزمة على بطونهم الخاوية ويتضوّرون جوعاً على مرأى ومسمع العالم كله؟

تُحذِّر بعض اللافتات الكبيرة من تداخل الحق بالباطل، واختلاط الحابل بالنابل حيث استعاروا من الإمام علي مقولته الشهيرة “حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهّم أهل الباطل أنهم على حق” ولكي لا يتوهم السادرون غيّهم من أهل الباطل بأنهم على حق فلابدّ من تذكيرهم يومياً بما ينهبونه من أموال العراقيين نهباً منظّماً يريدون تقنينه رسمياً عبر هذه المؤسسات الشكلية المزيفة التي قال فيها العراقيون كلمتهم ووصفوها ببؤر الشر والفشل والفساد المنظّم الذي لم يعرفه العراق منذ آلاف السنين.

ففي الوقت الذي يدعو فيه المتظاهرون إلى تضييق الهوّة بين الأثرياء والفقراء يصرّ البرلمانيون ورؤساء كُتَلِهم على توسيع الفوارق الطبقية حيث نشأت طبقة ثرية حد التخمة فيما يقابلها على الطرف الآخر طبقة محرومة حد الفقر المُدقع.

لقد أمعن المتظاهرون بالسخرية والكوميديا السوداء حينما قام بعضهم برفع لافتات يطالبون فيها المتقاعدين من أبناء الشعب بالتبرّع إلى البرلمانيين والمسؤولين العراقيين ومساعدتهم “لأنهم يعانون من شظف العيش” حيث نقرأ في إحدى اللافتات التماساً يقول: “أخي المتقاعد الكريم ساهم بجزء من راتبك التقاعدي لمساعدة نوّاب البرلمان ولكم الأجر والثواب”. فيما ترتفع مكبرات الصوت بصيغة مجازية مؤلمة قائلة: “عطايا قليلة تدفع بلايا كثيرة” وما إلى ذلك من شعارات تهكمية لاذعة.

إن قراءة سريعة لهذه الحزمة من الشعارات المتنوعة تكشف أن البرلمانيين والساسة العراقيين يستخفون بإرادة الشعب العراقي ولا يعيرون بالاً للمرجعيات الدينية الموقرة التي اصطفت إلى جانب الشعب المحروم من أبسط الخدمات الإنسانية. كما أنهم ماضون في توسيع الهوّة بين الأغنياء والفقراء، ومصرّون على تكريس التمايزات وتعميق الفوارق الطبقية ولكنهم نسوا أو تناسوا بأن العراقيين مصممون هذه المرة على معاقبة السرّاق والفاسدين والفاشلين من خلال شعارين لا ثالث لهما، الأول يقول: “تلغونة لو نلغيكم هلمرّة ناوين عليكم”، والثاني يحثّ النواب على الرحيل الأبدي من العراق حيث يقول بصريح العبارة: “أيها النوّاب جهزوا تذاكر سفركم، لا مكان لكم بيننا بعد الانتخابات”. كما شدّد المتظاهرون على كشف كل الأسماء البرلمانية التي وقعّت قانون التقاعد الموّحد فلا مكان بين العراقيين لبرلماني يفضل مصلحته الشخصية أو الحزبية أو المذهبية على مصلحة الشعب، ولا مكان لسياسي يقدّم اسم مذهبه على عنوان الوطن الكبير، وصفة العراقي هي أكبر من كل العناوين والصفات الأخرى. وخلاصة القول إن العراقيين الأصلاء لن يعترفوا منذ الآن بسياسي عراقي ما لم يقل بصيغة القَسَم المقدّس إنّ دجلة أمي والفرات أبي والعراق هُويتي الوطنية وملاذي الوحيد.


كاتب عراقي

9