مؤشر السعادة العالمي يغضب العرب من الأمم المتحدة

لا شكّ في أن الأمم المتحدة تجانب الصواب حين تقول إن ترتيب أغلب الدول العربية على قائمة مؤشر السعادة في العالم شهد تراجعا ملحوظا، ولا خلاف حول تنصيفها لدول “الربيع العربي” في ذيل قائمة أكثر دول العالم سعادة، لكن أيضا يُمكن ملاحظة تعارضها مع الواقع في بعض الأحيان، نظرا لاعتماد هذا الاستطلاع “مؤشر السعادة في العالم” على معايير مادية بحتة، تُطبق على دول العالم بأسره دون النظر إلى اعتبارات الاختلاف بين الغرب المتقدم المستقر إلى حدٍّ ما، والشرق النامي المضطرب بشكل كبير.
الخميس 2015/05/07
مصريات سعيدات رغم الإحباط واليأس

القاهرة – عرّف الروائي الروسي الشهير ليو تولستوي السعادة‏ ‏بأنها ‏تكمن في تملّك‏ ‏ثلاثة‏ ‏أشياء،‏ ‏شيء‏ ‏تعمله‏ ‏وآخر‏ ‏تحبه‏ ‏وثالث‏ ‏تطمح‏ ‏إليه؛ ووفقا لهذا التعريف حدّدت قائمة “السعادة السنوية” التي أصدرتها مؤخرا منظمة “حلول التنمية المستدامة” التابعة للأمم المتحدة، الشعب الإماراتي كأكثر الشعوب العربية التي تملك هذه المقاييس الثلاثة، بينما افتقدها الشعب المصري الذي حل في الترتيب الـ135 من بين 158 دولة، ولا يتقدم عربيا سوى على نظيره السوري.

وحسب ما ذكرته المنظمة في تقديمها، فإن القائمة تعتمد على قياس مجموعة من المؤشرات لتحديد مدى سعادة الشعوب، منها متوسط الدخل الحقيقي للفرد، ودرجة الحرية السياسية التي يتمتع بها ومستوى الدعم الاجتماعي في بلده، مثل التعليم والصحة، وغياب الفساد وانتشار العدل، بالإضافة إلى معايير أخرى كالصحة الجيدة والأمن الوظيفي والأسرة المستقرة. وجاءت سويسرا في المركز الأول عالميا بعدما تمكّنت من إزاحة الدنمارك التي تصدرت الترتيب في الأعوام السابقة، وشهد ترتيب أغلب الدول العربية تراجعا ملحوظا، حيث تراجعت السعودية مرتبتين لتحتل المركز الـ35، بعد أن كانت في المركز الـ33، كما تراجعت مصر 5 مراكز (من 130 إلى 135)، واحتل الأردن المركز الـ82 متأخرا 8 مراكز عن ترتيبه في مؤشر العام السابق.

الأشخاص السعداء هم من يتمتعون بصحة جيدة ويكونون أكثر إنتاجا، ولديهم الكثير من العلاقات الاجتماعية

مصداقية مشكوك فيها

من أبرز الملاحظات حول هذا المؤشر أنه حدّد معايير قياس السعادة في الدول الـ158 التي شملها، لكنه لم يذكر شيئا عن العيّنات التي خضعت للقياس في كل دولة، سواء عن الأماكن التي تعيش فيها (مدن أو قرى) ومستويات تعليمهم ودخولهم.. إلخ، وهو ما قد يدفع البعض للتشكيك في مصداقيته.

من المشكّكين جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية، الذي اعتبر المؤشر مجافيا للحقيقة، خاصة فيما يتعلق بالترتيب المتأخر لبعض الدول في التصنيف مثل مصر، وتقدم دول تشهد صراعات دموية مثل العراق وليبيا والصومال، متعجّبا “كيف يضع التقرير دولا لا يجد مواطنوها شربة ماء ولا وجبة غذاء في تصنيف متقدم عند ترتيب الدول السعيدة”.

وأشار سلامة، في تصريحات خاصة لـ”العرب”، إلى أن غياب المعلومات عن العيّنات التي اعتمد عليها ممثلو المنظمة يوصمها سلامة بالقصور، فمن الممكن أن يكونوا قد التقوا مواطنين يعيشون في مناطق نائية ليس فيها خدمات على مستوى مثالي، وهناك مناطق في دول عربية عدة، منها مصر، تشكو قلة الخدمات الصحية والترفيهية، وبعض مواطنيها يعتبرون ذلك نوعا من الازدواجية في تعامل الحكومات مع المواطنين، وأحيانا يعتبرون ذلك فسادا وظلما وفي أحيان أخرى لا يستطيعون الشكوى، فيضعون ذلك في خانة تدني الحرية في التعبير عن المشكلة.

لكن جمال سلامة لم ينف وجود أسباب حقيقية لتراجع معظم الدول العربية في مؤشر السعادة مقارنة بالسنوات السابقة أو بالدول الأوروبية، أبرزها تدني أداء اقتصادياتها، سواء في الدول التي تعرف بدول الربيع العربي التي شهدت تقلّبات سياسية واقتصادية أدت إلى غياب الاستثمارات وتوقف العديد من القطاعات الإنتاجية، نتيجة غياب الأمن وانتشار ظاهرة الإرهاب، وتعطل أكثر من قطاع اقتصادي حيوي.

أو حتى بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي التي تأثرت اقتصادياتها بالتراجع المخيف في أسعار النفط خلال الشهور الأخيرة، ما أدى إلى تأخر ترتيبها في مؤشر العام الحالي رغم تصدرها قائمة الدول العربية الواردة فيه.

نتائج التقرير غير واقعية، كما يراها مجدي بدر، أستاذ علم اجتماع الأسرة، الذي قال لـ”العرب” إن الشعب المصري على سبيل المثال من أكثر شعوب العالم مقاومة للكآبة، وسعيا وراء السعادة، سواء الحقيقية أو الوهمية، لذلك يصعب تصور احتلال مصر لهذه المكانة المتأخرة للغاية. في الوقت نفسه فإن سعادة المصريين، ومختلف الشعوب العربية، تتمثل في اقتصاد قوي وسياسة متوازنة وأمن دائم، وهناك بعض من الرضا عن هذه الأمور في الوقت الحالي.

جمال سلامة: تدني الأداء الاقتصادي سبب تراجع ترتيب أغلب الدول العربية

لكن مجدي بدر اعترف بأن بعض وسائل الإعلام ساهمت في شعور بعض المصريين بالتعاسة، بعد أن دفعتهم ليعيشوا أحلام التغيير إلى الأفضل، من أموال وأوضاع اجتماعية واقتصادية ودولية مرموقة، وهو ما جعلهم يشعرون بالخداع واليأس الذي يولّد التعاسة بمرور الوقت.

وقد روّج الإعلام خلال ثورة يناير عام 2011 لقرب دخول مصر قائمة الدول الأكثر ثراء في العالم، بعد استعادة المليارات من الدولارات التي نهبها كبار المسؤولين ورجال الأعمال في نظام مبارك، وإطلاق مشروعات عملاقة تساهم في ارتفاع الدخول للمواطنين واختفاء البطالة والفقر من مصر، وغيرها من الآمال التي لم تتحقق، وهو مثال ينطبق في الكثير من جوانبه على التونسيين أيضا.

المفارقة أن المصريين رأوا في التقرير مناسبة للسخرية من أوضاعهم المعيشية التي تزداد صعوبة، بينما استغله بعضهم للهجوم على النظام السياسي الذي أخفق من وجهة نظرهم في تحقيق السعادة لشعبه.

مفهوم السعادة

أحمد منصور، أستاذ علم الاجتماع، أكد لـ”العرب”، أن الخوف من المستقبل في ظل تقلبات سياسية محلية ودولية، من أكثر العوامل التي تصيب باليأس، لكن ما يعاب على التقرير أنه لم يراع تمثيل الشعوب في أغلب الدول العربية، التي يتمتع بعضها بقدرة مذهلة على التأقلم مع الظروف السيّئة.

وواصل أستاذ علم الاجتماع بدوره التشكيك في نتيجة التقرير. واعتبر أنه من المريب أن تحتل دول تعيش في أتون الصراعات المسلحة مراكز متقدمة عن دول تتمتع ببعض الاستقرار الأمني والسياسي، فقد جاءت ليبيا التي تعاني من حرب أهلية في المرتبة 63 ونيجيريا التي تخوض صراعا مسلحا مع جماعة بوكو حرام المتطرفة في المرتبة 78 والصومال التي تعيش فوضى منذ سنوات طويلة في المرتبة 91.

وقال أحمد منصور “مفهوم السعادة نسبي ويبدو أن الاستطلاع استند على معايير غير معنوية”، مضيفا أن بعض الدول العربية تحتاج إلى تغييرات جوهرية في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تمر بها، وسط غياب الأمن والاستقرار، حيث ينتاب الإنسان شعور بعدم قدرته على التحكم في حياته اليومية، مع ضرورة وحتمية التوزيع العادل للأجور، حتى لا يشعر المواطن بالتمييز الذي يصيبه بالاكتئاب وفقدان السعادة المادية.

وأوضح منصور أن الأشخاص السعداء هم من يتمتعون بصحة جيدة ويكونون أكثر إنتاجا، ولديهم الكثير من العلاقات الاجتماعية، بالإضافة إلى مشكلات صحية ونفسية أقل.

7