مؤلف روايات وقصص تختطفه امرأة وتجبره أن يصبح شهرزاد

رواية "ليلة الألف ليلة أو ملك المشنوقين" للكاتب التونسي منصور مهنّي حكاية تحوّل الواقع إلى عجائب.
السبت 2018/11/17
بإمكان امرأة أن تحوّل رجلا إلى شهرزادها (لوحة للفنان ستار كاووش)

تبقى حكايات “ألف ليلة وليلة” العربية من أعظم المؤلفات الأدبية الخالدة، والتي مازال تأثيرها رغم مرور القرون كبيرا في مجال السرد خاصة، فمنها استلهم ماركيز واقعيته السحرية، ومنها استلهم الغربيون صورة الشرق، وفنيات التخييل. وأخيرا وليس آخرا يقدم الكاتب التونسي منصور مهنّي روايته “ليلة الألف ليلة أو ملك المشنوقين” بالفرنسية، وهو المتأثر فيها بسحر شهرزاد.

رواية “ليلة الألف ليلة أو ملك المشنوقين” هي الرواية الثانية للشاعر والروائي والأكاديمي التونسي منصور مهنّي، ويمكننا اعتبارها موكبا محتشدا من الرواة الآخذ بعضهم عن بعض بمقاليد السرد في جوقة بوليفينية، بعبارة باختين، منسجمة في اختلاف أصواتها وتضاربها وتنوعها وانتمائها إلى أزمنة عدة يُستعصى لها العدّ والحصر، ولا يدرك سرّ انتظامها ويحسن قيادتها وسياستها إلا قائد الأوركسترا، راوي الرواة وقناع المؤلف ويده الطولى في العالم التخييلي.

في دور شهرزاد

يمكننا اعتبار الرواية كذلك سيلا من الحكايات والشخصيات والأمكنة والعصور يتداخل بعضها في بعض ويتمازج، عليها تنفتح الأبواب ثم عليها تنغلق، سراديب هي ودهاليز نسير في مضائقها حينا تحيط بنا العتمة من كلّ جانب حتّى لنوشك أن نوقن بأنّ العالم قد ادلهمّت ظلماته من حولنا وأنّه قاب قوسين أو أدنى من جثومه فوقنا فما للهروب منه سبيل، ثم بفعل ساحر ماهر تنفتح من أحشاء الظلمة كوّة نور تتسارع إليها خطواتنا.

ليس من العجب إذن أن حملت هذه الرواية في الشطر الأوّل من عنوانها اسم “ليلة الألف ليلة“. ففي هذه العتبة الأولى من عتبات الكتاب غمزة من طرف خفيّ إلى الحوار السرديّ القائم في بنية النصّ مع النصّ المؤسّس، أمّ النصوص السرديّة: ألف ليلة وليلة. وقد ورد ذكر شهرزاد في ثنايا الرواية، وعاش فارس بطل الرواية وهو بين يدي الجاريتين في البيت العتيق المجهول موقفا مشابها لموقف شهرزاد بين يدي شهريار، إذ أجبر هو أيضا على أن يكون حكّاء. ومثل شهرزاد اتّخذت الحكاية مع فارس وجهين متناقضين: فإمّا أن ينجح ويعجب الجاريتين ومَن ورائَهما فيكتب له الخلاص ويمتدّ به حبل الحياة، وإما أن يفشل ولا يقع على ما يشدّ الألباب من القصّ فيسقط على رقبته سيف القصاص.

حكاية فارس الروائي امتدت ليلة طويلة هي في أغلبها إسراء ومعراج، تنقلت به أثناءهما فرس عجيبة فوق أماكن تونسية

بيد أنّ شهرزاد ظلّت تشتري النجاة ليلة بعد ليلة حتّى بلغت ليلة بعد الألف، أمّا فارس فقد كفته ليلة واحدة استوعبت الليالي الألف.

الليلة هي ليلة فارس الروائيّ، أمّا الليالي الألف فهي تلك الحكاية العجيبة الغريبة التي رواها فارس للجاريتين، حكاية انقلاب الحال بمملكة وملك وشعب وتفشّي الانتحار شنقا بين الناس حتّى امتلأت المقبرة المخصّصة للمشنوقين بمن وفد إليها من المنتحرين، ولم يظفر الملك بقبر بينهم إلاّ بشقّ الأنفس. وكان الملك قد انتحر هو الآخر وشنق نفسه بعد أن اكتشف سوء ما آلت إليه أوضاع مملكته، ووقف بنفسه على تعاظم مدى الفساد الذي لم يترك شيئا في الحياة وفي علاقات البشر وأخلاقهم إلاّ وقد شوّهه. وبانتحار الملك اكتسبت الرواية الجزء الثاني من عنوانها، “ملك المشنوقين“.

حكاية فارس الروائي امتدّت ليلة طويلة هي في أغلبها إسراء ومعراج تنقلّت به أثناءهما فرس عجيبة فوق شواطئ ومدائن تنتشر فوق الأرض التونسيّة وقد اقترن تاريخها بنساء تونسيّات مؤسّسات: صيادة، حمام الغزاز، لمطة وقرطاج. أمّا حكاية الملك والمملكة فلا مكان لها محدّدا يذكّر بمكان مرجعيّ معلوم، وقد امتدّت ثلاث سنوات (ألف ليلة) وانطلقت بوصول الحسناء الجميلة نور المكان إلى القصر ودخولها على الملك شاعرة تلقي قصيدة من ثلاثة آلاف بيت لم يستمع إلى أيّ بيت منها، فقد كان إلى إيقاع أنفاسها وضفائر شعرها أجذب، وببلاغة وجهها وسحر صدرها أعلق.

 وما إن انتهت حفلة إلقاء الشعر “التنكريّة” وانفرد الملك بغانيته، حتّى وقع في أحابيل ساحرته وحُصّل ما في الصدور، وأصبح لها زوجا وأصبحت له ملكة، وأخذت وأفراد عائلتها يبسطون سلطتهم على المملكة ويستحوذون على كلّ شيء فيها؛ أموال ونفوذ وحكم.

العجائبية والواقع

قصّة فارس ورحلته الليليّة هي التي بها تبتدئ الرواية وعليها تنقفل. فهي قصّة أمّ احتوت القصّة المضمّنة؛ حكاية الملك والمملكة والمشنوقين. لا يخبرنا راوي الرواة بمعلومات كثيرة عن فارس. فلا نعرف عنه إلاّ أنّه مؤلّف روايات وقصص يتّصل به ناشر شابّ ويستحثّه لأن يكتب له رواية سياسيّة تعرض “نضالا من أجل الحريّة ينتهي بسقوط إحدى الدكتاتوريّات وانتصار العراة على الأثرياء”، رواية تساير “روح العصر” وتجتذب “قرّاء مازالوا مأخوذين ببعض ما يجري من الأحداث”.

فارس كفته ليلة واحدة ليضمن نجاته
فارس كفته ليلة واحدة ليضمن نجاته

فيتذكّر فارس أنّ له مخطوطا ورثه عن أبيه يعود إلى كاتب لدى أحد الملوك كان يدوّن فيه حوليّات المملكة وأبرز أخبار أيّامها ولياليها قبل أن يشنق الملك نفسه ويتبعه كاتبه بعيد ذلك بيوم أو يومين. فيقرّ في نفس الروائيّ أن يتّخذ من هذا المخطوط منطلقا لكتابة رواية.

 وبينما هو كذلك إذ تجلّت له، وكأنّ الليلة ليلة القدر، امرأة في منتهى الحسن والجمال حضّته على أن يكتب ما يقوله له البحر، وأمهلته الليل بأكمله ليعرف اسمها وضربت له قبل أن تتبخّر موعدا وسط الليل على شاطئ المنصورة بقليبية. ومن هنا تبدأ الحكاية الغريبة.

يصل فارس هناك في الموعد المحدّد ويغريه الليل وبرودة الرمل وهدهدة الموج بأن يستلقي عاريا ويطلب النوم. ولم يكن ذهنه قد كفّ مع ذلك عن التفكير في اسم “المتجلّية”. وبينما هو كذلك إذ برزت المتجلّية أمامه على الشاطئ وأبرمت معه اتّفاقا يتوجّب عليه بمقتضاه أن يحزر اسمها مع بزوغ نور الفجر وعليها مقابل ذلك أن تمكّنه من نفسها. وما إن وافقها على عقدها حتّى انقلبت دابّة من ذوات الأربع وطلبت أن يمتطيها وتسري به ليلا وتنقله بين شواطئ الوطن القبلي ومدائنه.

في هذه الرحلة أخذ فارس يجري من اسم امرأة إلى أخرى، ومن فترة زمنية موغلة في القدم إلى فترة أخرى يستذكرها فيعرفها من جديد معرفة أصدق من معرفته الأولى لها وأوثق. فانتهى إلى اكتشاف أنّ الحقائق الكبرى في الكون مؤنّثة، وأنّ النساء هنّ منجبات المدن وبانيات الحضارات وصانعات التاريخ، بأمرهنّ وبأمر خيالهنّ وإرادتهنّ وحبّهنّ الحياة يجري البحر ويستقرّ البرّ. ذلك أنّ “أصوات النساء دائما هي التي تزيل النقاب عن أسرار الكون وخفايا حكاياتكم”. إلى أن وجد نفسه بين جاريتين مجبرا على قص حكاية “ملك المشنوقين”.

يمكننا تبيّن الصلة التي تعقدها الرواية بين التخييل والواقع، وبين الشهادة على لحظة تاريخيّة فارقة هزّت تونس شتاء سنة 2011، وبين إعادة خلق الواقع خلقا جديدا ورؤية ما لا يراه المؤرّخ والسياسيّ. ففي الرواية وفي حكاية “ملك المشنوقين” تحديدا، وقائع وشخصيّات كثيرة تذكّرنا بوقائع حدثت في تونس وشخصيات كان لها على البلاد والعباد سلطان.

ولكنّ الخطأ الأكبر هو أن ينجرّ القارئ في استسهال ومتعة أيضا، إلى مطابقة العالم الروائي مع العالم المرجعيّ التاريخيّ. فهو بذلك يسقط في الوهم المرجعيّ، ويغفل عن الاهتداء إلى أبرز ما يميّز النصّ الروائيّ من النصّ التاريخيّ: التحويل، والخلق الجديد للعالم المرويّ. ولذلك كانت الروايات أثرى أبعادا وأعمق دلالات من النصوص التاريخية والتأويلات السياسية والسوسيولوجية.

15