مؤنس الرزاز وإلياس فركوح يتبادلان الرسائل والكوابيس

ثمة متعة في قراءة الرسائل المتبادلة بين الأدباء، أو بينهم وبين أصدقائهم وذويهم، لا تقل عن متعة قراءة مذكراتهم، لما تكشفه من أسرار وخفايا، وبوح بالمشاعر والمواقف والآراء الشخصية يندر أن تجدها في كتاباتهم الإبداعية التي تهيمن عليها المخيّلة، أو الصنعة الأدبية.
الثلاثاء 2016/05/17
حميمية وأسرار

حفل تاريخ الأدب في العالم منذ القدم بنماذج كثيرة من الرسائل التي تدخل في ما يُعرف بـ”أدب الرسائل” تنطوي على جماليات أو بلاغة تعبيرية وتقنيات فنية ترقى إلى مستوى الإنتاجات الإبداعية من ذلك مثلا الرسائل المتبادلة بين هنري ميللر ودي اتش لورانس، الرسائل المتبادلة بين فرانس كافكا وصديقه ماكس بروت، رسائل الحب والتأمل المتبادلة بين مي زيادة وجبران خليل جبران، الرسائل المتبادلة بين غسان كنفاني وغادة السمان، الرسائل المتبادلة بين محمد سعيد الصكار وغائب طعمة فرمان وبلند الحيدري وهادي العلوي ورشدي العامل.

وكذلك الرسائل المتبادلة بين كل من مصطفى صادق الرافعي، نازك الملائكة، أنور المعداوي، فدوى طوقان، بدر شاكر السياب، عبدالرحمن منيف وبين أصدقائهم ومعارفهم وذويهم. وثمة رسائل أخرى وصلتنا من التراث العربي والإسلامي ذات محمولات فلسفية وصوفية وأدبية واجتماعية، مثل رسائل إخوان الصفا، ابن عربي، الجاحظ، التوحيدي… إلخ.

أدب التحدي

ورغم أن أدب الرسائل لم يختف مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، عبر الإنترنت وأجهزة الهاتف النقال، إلا أنه شهد تغيرا كبيرا في شكله ومضمونه، وأصاب أصحابه، بنوع من الحذر في إظهار المشاعر، كما يقول الناقد جابر عصفور، لأن أي شخص بإمكانه أن يتسلل إلى صناديق البريد الخاصة بالكتّاب، عبر عمليات القرصنة العديدة التي تجري، ما يجعل هناك حالة من غياب الحميمية القديمة التي كانت موجودة في الرسائل الورقية.

وقد يكون شيوع الرسائل الإلكترونية أحد أسباب إحجام الأدباء في السنوات الأخيرة عن إصدار كتب تتضمن رسائلهم الورقية. ومن هنا فإن إقدام الروائي الأردني إلياس فركوح على إصدار كتاب “رسائلنا ليست مكاتيب”، متضمنا رسائله المتبادلة مع صديقه ومواطنه الروائي الراحل مؤنس الرزاز، مبادرة تعيد الاعتبار لهذا اللون الأدبي.

استذكار واستبصار

في هذه الرسائل، كما جاء في تقديم الناقد فيصل درّاج ما يُعلن عن مفارقة حزينة وجميلة، وما يُخبر عن استذكار واستبصار حميم متميّز، يواجه عبث الزمن القاسي بكتابة متجددة. يأتي حزن المفارقة من رحيل أحد الطرفين. جاء الموت إلى مؤنس مبكّراً وقيّده إلى الصمت.

وتصدر جمالية الرسائل عن فضيلة الوفاء، التي جعلت إلياس فركوح يحمل ضجيج الحياة إلى صديق غادره؛ إذ جسّد بالكتابة المسافة الموجعة بين زمنين وأخبر، على طريقته، عن قوة الكتابة التي تصرخ، وتهمس، وتحاور، وتشاكس، وتستقر فـي موقع محاصَر بالاحتمالات.

قوة الكتابة الصارخة

ويضيف الناقد درّاج أن الصديقين تبادلَا استضافة الروح، فكتبا وتحاورا، واحتفظ كلّ منهما بموقع يخصّه، بملاحظات تصوّب النظر، إنْ أوغلَ فـي الحلم أو عاجله التجريد. وإذا كانت الصداقة من وحدة هدف يصوغه نَظَران؛ فإن جماليتها من اختلاف النظرين المتكاملين، اللذين يتقاسمان قِيَما مشتركة، واجتهادا لا يُختزَل إلى صيغة مفردة.

كتابة وثيقة

في كتاب “رسائلنا ليست مكاتيب”، الصادر عن دار أزمنة، ودار مجاز في عمّان 2016، ما يشهد على كتابة– وثيقة، تستعيد زمنا مضى، تواجهه بحاضر تقهقر عنه إلى تخوم الانقطاع تقريبا. لم يكن ما كان مثاليا، لكنه قابل للتحمّل، ولا يُفصح عن كارثة. كان مؤنس يتحدّث عن الأمل والنشوة “رسالتك بعثت فـيّ أملا ضاعف من نشوتي”. (غرة مارس 1977)، قبل أن يتحدّث إلياس، بعد ثمانية وثلاثين عاما، عن عالم غاضت إنسانيته “العالم يتصحّر يا أخي كلّ يوم. يحتشد بجموع الضِباع ويصخب بعواء الذئاب، دولا، وفِرَقا، وأحزابا، وأديانا ملَفَقة”.

حلمَ المثقفان الأردنيان المتميزان بوطن يطرد الضجيج الكاذب ويستضيف السكينة. استضاف كلّ منهما الآخر، ولا يزال، نافرين من “كواتم الصوت”، هاجسين “بأحلام صغيرة” مستحيلة التحقق، لا مكان لها فـي متاحف الكوابيس، ولها بعض المكان في أرجاء الكتابة.

احتضن الكتاب، كما أعدّه إلياس فركوح، سيرتين مجزوءتين؛ سيرة ذاتية ثقافية لجيل من المثقفين العرب صالحَ بين الغضب والأهداف النبيلة، وحصد رمادا يحرق العيون. وسيرة أخلاقية- إبداعية لأديبين مختلفين، تحتفي بذات المبدع وتزهد بالشعارات الفارغة، وتعطي الكتابة تعريفا لا يُلحق بها الإهانة.

14