مئة سنة بعد الحرب العالمية الأولى وتستمر التهديدات

الجمعة 2014/07/04

العراق يتخبط في الفوضى وأفغانستان تتبع نفس المنوال والحرب الأهلية السورية في أوجها والمناطق الممتدة من ليبيا في الغرب إلى باكستان والهند في الشرق مليئة بقنابل موقوتة مرشحة إلى أن تنفجر لتتسبب في صراع كبير.

لنفترض مثلا أن أعضاء طالبان باكستان يتصورون أن هجمة أخرى من نوع هجمة مومباي ضد الهند يمكن أن تتسبب في حرب يمتلك فيها كلا المتحاربين أسلحة نووية. من المؤكد تقريبا أن باكستان ستخسر هذه الحرب، وهو ما قد يجعل حركة طالبان باكستان تصل إلى الحكم بإسقاط حكومة نواز شريف الضعيفة، وهو أمر شبيه بما يجري في العراق حسبما يبدو.

العشرون من يوليو هو آخر أجل للمرحلة الحالية من المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة 5 زائد واحد (الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي). وإذا لم يتم تمديد هذه المحادثات أو لم يتم التوصل إلى حل في خصوص قدرة إيران على معالجة الوقود المستعمل سوف لن يبقى أمام الغرب إلا خيار واحد وخطير جدا وهو الضربة العسكرية. وبالفعل يمكن أن تكون إسرائيل في وضع تقوم فيه بضربة استباقية مما يجبر الولايات المتحدة على التعاون معها.

وإذا كان هذا يبدو من نوع أفلام الرعب أو المغامرات علينا استقراء التاريخ لنتبين رجاحة هذه الاحتمالات. لقد وصلنا إلى وضع شبيه قبل قرن من الزمن بالضبط، فمنذ مئة عام وبالتحديد في الثامن والعشرين من يونيو اغتيل الأرشيدوق النمساوي المجري فرديناند فرانز وزوجته الحامل قرب جسر في سراييفو من قبل فوضوي بوسني- صربي يبلغ من العمر تسع عشرة سنة اسمه غافريلو برينسيب.

بعد أسابيع قليلة من الحادثة اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكانت الأسباب وراء تلك الحرب كثيرة ومعقدة. بالطبع يلوم البعض على ألمانيا تحت حكم فيلهالم الثاني لإعطائها الإمبراطورية النمساوية المجرية صكا على بياض للتعامل مع صربيا على الدوام على إثر اغتيال ولي عهدهم. لكن لا ننسى أن شخصيات الحكام وغياب الرقابة والتوازن بين السلطات في حكومات بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا كانت مكونات قوية لإحداث ما يسمى بالحرب الكبرى، وهي التي سماها الرئيس الأميركي وودرو ويلسن خطأ “الحرب التي ستنهي كل الحروب".

بعد قرن من ذلك التاريخ من المستبعد أن تنشأ حرب عالمية عن الفوضى والأهوال في هذه المناطق التي تشكو من عدم الاستقرار والأخطار، بيد أنه لا يمكن استبعاد حدوث حروب إقليمية في أشكال متعددة. ومثلما تعلّم الغرب من التجربة الأفغانية والعراقية، تعجز أفضل الجيوش والقوات البحرية على هزم أعداء بلا جيوش ولا قوات بحرية ولا جوية.

إن التهديدات المتأتية من الجهاديين أو المتطرفين من مصادر عدة بما في ذلك الانقسامات بين الشيعة والسنة والانجذاب التراجيدي إلى شكل من أشكال الإسلام الأصولي والمنحرف والعنيف هي تهديدات معدية. هذه الحركات الأيديولوجية التي تزيد الحكومة الفاشلة في تفاقمها (والدليل الواضح هو عدم كفاءة نوري المالكي وتكبّره وغباؤه) لا تحتاج قوات عسكرية كبيرة لتحقيق أهدافها. الآن تجد إدارة أوباما نفسها أمام الخيار التافه والمرفوض لاستخدام القوات الأميركية في العراق أو عدم فعل أي شيء تقريبا لرد المجازر التي ترتكبها الدولة الإسلامية في العراق والشام. وبغض النظر عما يفعله أوباما فإن المخاطر كبيرة ومن المستحيل التكهن بالنتائج الملائمة.

وبالعودة إلى سنة 1914 عندما كانت القارة الأوروبية “تمشي وهي نائمة نحو الحرب” طغت الدعابة السوداء على مقر القيادة العسكرية في برلين، وكانت العبارة الشهيرة في تلك الفترة هي الآتية: "في كي دورساي في باريس ينظر إلى الوضع على أنه خطير لكن ليس حرجا بعد، لكننا نحن نعرف أكثر في برلين حيث نعلم أن الوضع حرج لكنه غير خطير بالكامل".

وبعد قرن هناك الكثير من الأرشيدوقات المحتملين. وما يجعل الوضع مخيفا أكثر هو توفر كمّ هائل من الرصاصات بالتوازي مع وجود الكثير من القتلة المحتملين. وما يخيف أكثر هو عدم الحاجة إلى إطلاق رصاصة نحو أرشيدوق معين للتسبب في اندلاع أزمة أو صراع، وهذا واقع جديد يؤكده إقدام بائع خضر تونسي يائس على إضرام النار في جسده ومن ثم تحفيز "صحوة عربية".

إن مجرد إحداث تشويش لم يعد كافيا، لكن هل سينصت أي واحد في السلطة إلى ذلك؟ وهل سيتولى أي واحد القيادة؟ إذا كانت الأجوبة بالنفي فإن الرشاش الأتوماتيكي من نوع بريتا 9 مم الذي استعمله برينسيب لاغتيال الأرشيدوق سيستبدل بفتائل أكثر خطورة بكثير تصل إلى حدّ الكارثية من أجل إطلاق شرارة صراعات كبرى وطويلة الأمد.

رئيس مجموعة كيلوان التي تقدم الاستشارة للزعماء في الحكومات والأعمال.

وهذا المقال مأخوذ من كتابه الذي سيصدر هذا الخريف تحت عنوان “حفنة من الرصاصات: كيف يهدد اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند السلام اليوم“.
6