مئة عام على الجريمة الكبرى.. في ذكرى المجزرة الأرمنية وباقي المجازر

الاثنين 2015/04/27

أغلق الزمن مئة عام على المجزرة التي ارتكبتها السلطات العثمانية بحق الأرمن في الرابع والعشرين من أبريل سنة 1914؛ وما يزال الجرح الأرمني ينزّف عبر كل هذه العقود، هذا أنه حتى اليوم لم ينصف الأرمن، ولم يعترف بما ارتكب بحقهم من إبادة جماعية كادت تؤدي إلى إبادة عرقهم بالكامل. والجدير بالذكر اليوم، أن غض النظر عن هذه الجريمة وغيرها من الجرائم أتاح للتاريخ أن يكرر نفسه مرات ومرات أخرى بحق شعوب وجماعات ثانية.

اليوم ترتكب مجازر في المنطقة بحق العديد من المجموعات، وتأخذ التصفيات أسماء شتى، وكل ذلك يجري على مرأى من العالم المحموم بفلسفة الديمقراطية وحقوق الإنسان. لم يحاكم المجرم فيما مضى، ولم يحاكم اليوم، وبقي الإنسان في هذه البقعة من العالم وحقوقه في مهب المجازر الجماعية المدونة ضد مجهول.

وككل مرة يزور فيها التاريخ ويتم التلاعب في أحداثه، طرأ على تاريخ المجزرة الأرمنية الكثير من التشويه والتلاعب، حتى أن العديد من السياسيين والمثقفين الأتراك كادوا أن ينكروا وقوع هذه المجزرة من أساسها. إلا أن الأرواح التي كتب لها النجاة، تمكنت على الرغم من هول ما شهدته من أن تروي ما حدث وتوثق للأجيال القادمة واحدة من أفظع المجازر التي ارتكبت بحق شعب بأكمله.

النقيب سركيس طوروسيان، واحد ممن قاتلوا في صفوف الجيش العثماني بنزاهة وبطولة، نال على إثرها العديد من شهادات التقدير من الباب العالي ومن قادته الضباط، ورغم ذلك خسر عائلته وأحبابه بالكامل، كما تروي مذكراته التي صدرت مترجمة عن دار رياض الريس للكتب والنشر 2014.

وأثناء خوض الحكومة التركية للحرب العالمية الأولى، وفي خطوة سبقت ارتكابها للمجزرة المروعة بحق الأرمن، يروي سركيس كيف أصدرت جمعية الاتحاد والترقي الحاكمة مرسوما يقضي بسلب الكنائس الأرمنية كلّها من القرابين الذهبية والفضية وتحويلها إلى عملة، وكيف صودر الغذاء المخزّن لدى الأرمن ووضع تحت تصرف الجيش. لقد كان مناخا ينبئ بما يحاك ضد الأرمن، وكان من الصعب على العقل أن يصدق أن تذهب الأمور إلى حدِّ الإبادة الجماعية، وفق تعبيره.

وفي الوقت الذي كان يقاتل فيه النقيب سركيس وباقي أقرانه إلى جانب الحكومة العثمانية ضد أعدائهم بصفتهم مواطنين في السلطنة، كان ذووهم وعائلة سركيس بالتحديد يبادون على يد القوات العثمانية مع باقي الأرمن.

ويورد سركيس شهادة في غاية المرارة لأحد الناجين من المجزرة، والذي أتيح له لقاؤه أثناء بحثه عن عائلته. يقول الناجي من المجزرة “في يونيو عام 1915 بدأت الأعمال الوحشية في ‘افريك’، أجبر جميع الأرمن الأقوياء على السير لأميال كثيرة إلى خارج المدينة.. أطلقت النار عليهم وقتلوا ورميت جثثهم في الغابات المحيطة.. ثم أخرج النساء والأطفال من منازلهم ونقلوا إلى أماكن مجهولة، وعلمنا أن أغلبيتهم ماتوا من الجوع وبفعل عوامل الطبيعة القاسية فيما مشوا وهم مرهقون يوما بعد يوم على طرق جبلية”.

قد يكون من حظ الضحايا، ضحايا المجازر الجماعية، أنه دائما هناك ناجون وشهود عيان، تقع على عاتقهم رواية تفاصيل الحكاية، وحمايتها من النسيان والاندثار.

التحق النقيب سركيس حوالي عام 1918 بالثورة العربية الكبرى التي انطلقت ضد السلطنة العثمانية، على إثر تغول هذه السلطنة وارتكابها للعشرات من الجرائم والانتهاكات ضد العرب والأرمن وغيرهم من القوميات التي كانت محكومة من قبلها، وقاد ستة آلاف جندي عربي ساعدوا في تحرير دمشق.

التقت في تلك الأثناء مصالح العرب والأرمن وتحديدا عندما أصبحوا “أقليات” من وجهة نظر تركيا العثمانية، تنتهك حقوقهم وتمارس عليهم صنوف من الذل والظلم، حتى وصلت إلى ذروتها في محاولة محو الهوية العربية عبر “تتريكها” من جهة، ومحاولة إبادة عرق بكامله بالنسبة للأرمن من جهة ثانية؛ وكانت الثورة العربية الكبرى والتحاق الآلاف من الشبان الأرمن بصفوفها، الفرصة التاريخية المواتية لرصّ الصفوف ومواجهة الطغيان.

وعلى الرّغم من الاختلافات الدينية والعرقية، إلاّ أنّ الأرمن والعرب، قاتلوا جنبا إلى جنب، بالقدر الذي احتضن فيه العرب في سوريا ولبنان وفلسطين النازحين الأرمن ووقفوا إلى جانبهم وقدموا لهم يد العون وذلك باعتراف العديد من المثقفين والكتاب الأرمن ذاتهم؛ فمن “دير الزور إلى حلب إلى جبيل، ومن القامشلي إلى دمشق إلى القدس، ومن الحسكة إلى القلمون إلى عمان ومواقع أبعد، فتح العرب –وكانوا مسلمين مؤمنين في معظمهم- أبوابهم لأمة مسيحية مدمرة. على حد تعبير مقدم كتاب سركيس.

بدت المسألة في تلك الأثناء وكأنها ثورة شعب واحد يسعى إلى التحرر من حكم الطغيان، فلم تكن الثورة العربية الكبرى سوى تجلّ لطاقات ورغبات هذه الشعوب في الانعتاق والحرية. وعلى الرغم من التزوير الذي أعمل في هذا التاريخ، ومحاولة تحويره، إلا أن المعاصرين ممن شاركوا في هذه الثورة، أثبتوا أنها كانت بدافع ذاتي، وأن الدور الذي أنيط “بلورنس العرب” ومن خلفه الأوربيون، لم يكن سوى اختزال لهذا التاريخ واختزال الفاعلين فيه.

ويقول سركيس في معرض شهادته “بعد يوم على دخولي دمشق، دخل باقي الجيش العربي بحمولاتهم وجاء وراءهم على جمل رجل اسمه خواجة المصاري، أي صراف الرواتب، وعلمت أن راكب الجمل هو النقيب لورانس”، ويتابع سركيس بأسلوبه المتهكم القول “لم يقم لورنس وفق معلوماتي بأي شيء للتحريض على الثورة العربية، ولم يؤدّ أي دور في التكتيكات العسكرية العربية. وحين سمعت به للمرة الأولى كان صراف الرواتب لا أكثر”.

وبقدر ما شعر العرب في تلك الفترة بخذلان من قبل ما سيصبح فيما بعد “الاستعمار الأوروبي” شعر كذلك الأرمن بخذلان من قبل السلطات الفرنسية، والتي وعدت وإلى جانبها السلطات الإنكليزية، بأن تكون ولاية كيليكيا التركية وطنا لهم، وتخلّوا عن هذه الوعود وانسحبت القوات الفرنسية من عديد المدن التي كانت تسيطر عليها مفسحة المجال أمام الأتراك لارتكاب المزيد من المجازر بحق الأرمن.

وحتى يومنا هذا، وعلى الرغم من مرور مئة عام على المجزرة الأرمنية والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، إلاّ أنّ العالم مازال يتلكأ في الاعتراف بها كمجزرة ارتكبت بحق شعب أعزل، وما يزال دم الأبرياء مثار جدل بين أمم العالم المتمدن: ذبح الأرمن أم لم يذبحوا؟

7