مئة عام ومدرسة باوهاوس المعمارية في ريعان الشباب

خلطة سحرية بين الحداثة والكلاسيكية سر صمود أفكار فالتر غروبيوس، وتأثير المدرسة امتد إلى فنون الرقص والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية.
الخميس 2019/01/17
تصاميم صريحة

مدرسة "باوهاوس" للفنون والحرف مدرسة ألمانية تطور فيها مذهب جمالي يحمل اسمها يعتمد على الربط بين الفنون الجميلة والفنون التطبيقية، وكان له تأثير كبير على مسار الفنون الحديثة والمعاصرة في العالم بأسره طوال القرن الماضي.

برلين - انطلقت الأربعاء الحفلات الموسيقية والمعارض والعروض الفنية في أكاديمية برلين للفنون بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس مدرسة “باوهاوس” الأسطورية للفن المعماري وسط جدل سياسي جديد سبق الاستعدادات لهذه الاحتفالات.

وتشمل الفعاليات التي ستتواصل إلى غاية 24 من الشهر الجاري أكثر من 500 معرض وفعالية في أنحاء المدن الألمانية تحت شعار “فلنعد التفكير في العالم”.

وتقول أنايماري غايغي التي ترأس أرشيف باوهاوس في برلين، “بالنسبة لنا تمثل هذه الذكرى محفلا لنقل فنون باوهاوس وأفكارها باعتبارها تتماشى مع القرن الواحد والعشرين”.

جدل قديم متجدد

أثناء الاستعدادات لاحتفالات المئوية ظهر جدل سياسي بشأن مدرسة باوهاوس في بلدة ديساو، مما هدد بإلقاء ظلاله على الاحتفالات، كما أن هذا الجدل يبدو أنه يعكس الماضي المضطرب لهذه المؤسسة.

وقام المسؤولون بمبنى المدرسة ببلدة ديساو التي أصبحت الآن مدرجة في قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي وتحولت إلى متحف، بإلغاء حفل موسيقي كان من المقرر إقامته في أكتوبر الماضي وتحييه فرقة موسيقية يسارية، وسط مخاوف من أن يصبح الحفل مرة أخرى هدفا لمحتجين ينتمون إلى التيار اليميني.

مونيكا غروتريس: مدرسة باوهاوس لا تعالج القضايا الجمالية فقط وإنما أيضا المسائل الاجتماعية والسياسية
مونيكا غروتريس: مدرسة باوهاوس لا تعالج القضايا الجمالية فقط وإنما أيضا المسائل الاجتماعية والسياسية

وكان أكثر من 120 عنصرا ينتمون إلى حركة النازية الجديدة قد تظاهروا أمام المبنى التاريخي للمدرسة قبل عام.

وأثار هذا الإلغاء انتقادات واسعة النطاق من جانب شخصيات فنية وثقافية في ألمانيا، والذين ذكروا أن القرار يعد استسلاما لنشطاء اليمين المتطرف.

ويرى الكثيرون أن قرار المتحف بإلغاء الحفل الموسيقي يثير الجدل بسبب الطريقة التي أغلق بها هتلر مدرسة باوهاوس في الثلاثينات من القرن الماضي، كما أنه تم إلغاء الحفل الموسيقي على خلفية ظهور حزب جديد مناهض للأجانب هو “البديل من أجل ألمانيا”.

وقالت وزيرة الثقافة الألمانية مونيكا غروتريس إن “مدرسة باوهاوس كانت تعالج ليس فقط القضايا الجمالية وإنما أيضا المسائل الاجتماعية والسياسية”، وبذلك أثارت الوزيرة الألمانية مسائل من المرجح أن يتم تداولها خلال أيام احتفالات هذا العام بذكرى تأسيس المدرسة.

وستتركز الاحتفالات في العاصمة برلين وديساو وفيمار، ومع ذلك تحتفل متاحف في مدن أخرى مثل هامبورغ وفرانكفورت بهذه الذكرى.

مسيرة متقطعة

مدرسة باوهاوس وتعني بالعربية “بيت البناء” أسسها المهندس المعماري الألماني والتر غروبيوس عام 1919 في فايمار في ألمانيا، وكان هدفه في ذلك يتمثل في “إقامة رابطة جديدة للحرفيين  دون أن يكون فيها تمييز طبقي يؤدي إلى خلق حواجز من العجرفة بين الحرفيين والفنانين”.

وتركز محور مبدأ المدرسة الجديدة آنذاك على أن “الشكل يتبع الوظيفة”، وأحد مفاهيم هذا المبدأ هو أنه حتى الأشياء المألوفة التي تستخدم في الحياة اليومية يجب أن يكون لها معلم جمالي.

وضمت هذه المدرسة فور تأسيسها مجموعة من الفنانين والحرفيين والمصممين بهدف خلق تواصل بين الشكل والوظيفة أي بين الجميل والتطبيقي.

وإلى جانب الدراسة العملية في الورش كان هناك منهج أكاديمي آخر، بمعنى أن العملية التعليمية لمدرسة باوهاوس كانت تعتمد على مدخلين؛ أحدهما يهتم بالدراسة والتجريب في المواد والتقنيات المتصلة بها، والآخر تدرس فيه الأشكال في المرسم.

وكان المدخل الثاني يعتمد في إستراتيجيته وتنفيذه منذ البداية على خبرات إبداعية، واعتمد أسلوب الدراسة بها على العمل الجماعي، وتعويد التلاميذ على الاسترخاء والتأمل في فترات معينة كانت ضمن برنامج دراسي ثابت لزيادة الإنتاج الفني.

الجمال في الأساسيات
الجمال في الأساسيات

واستقبلت المدرسة آنذاك أكثر من 200 طالب نصفهم من النساء تقريبا، كانوا يتعلَّمون إلى جانب الفنون الجميلة، حرفا يدوية كالتجارة والطباعة والدهان وتعشيق الزجاج وحياكة السجّاد والتعامل مع المعادن، وذلك في محاولة لكسر جدار الغرور بين الحِرْفة والفن.

ويرى العديد من النقاد أن باوهاوس لم تكن ذات طراز معين بحد ذاته بقدر ما كانت وسيلة فتحت إبداعا غير محدد الطراز أو الضوابط، كما أنها لا تدل على أسلوب بل على الوجهة الفنية، أي أن يصبح الفن في متناول الجميع، فكل أستاذ طور أسلوبه الخاص.

ومن هؤلاء الذين نالوا شهرة واسعة والتر غروبيوس وجوزيف ألبيرز وهربرت باير وماريان براندت ومارسيل بروير وليونيل فاينينغر وفاسيلي كاندينسكي وبول كلي و لازلو موهولي ناغي  ولوسيا موهولي ويللي الرايخ و وأوسكار شليمر.

وحولت مدرسة باوهاوس جمهورية فيمار آنذاك إلى مركز طليعي للفنون للتحول إلى حركة فنية أسرت بشكل سريع روح العصر وقتذاك، وانتشر تأثير المدرسة وامتد إلى فنون الرقص والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية.

وبعد مرور ستة أعوام على تأسيسها في فيمار اضطرت المدرسة إلى جمع محتوياتها والانتقال إلى بلدة ديساو المجاورة سنة 1925، وسط ضغوط من جانب الحكومة المحلية بقيادة التيار اليميني الجديد، وهي الحكومة التي وصفت الحركة بأنها ذات توجه عالمي ولا تعتمد الطراز الألماني، وزعمت بأن اليهود تسللوا إليها.

وفي ديساو قام غروبيوس بتصميم مبنى جديد للمدرسة أظهر فيه الخطوط العريضة والروح الفنية لفكر باوهاوس، ثم انتقلت مرة أخرى إلى برلين، وذلك سنة 1932 بعد أن أغلق النظام النازي الحاكم أبوابها بنفس الدعاوى التي كانت سببا في إغلاقها المرة الأولى.

ثم دفعت المضايقات بعد ذلك إلى إغلاق المدرسة في ألمانيا، واضطر الكثير من شخصياتها البارزة فيها بمن فيهم غروبيوس، إلى الهجرة والانضمام إلى حركة نزوح واسعة النطاق للصفوة المثقفة بألمانيا للعيش في المنافي.

واصطحبت هذه الشخصيات معها عند خروجها من ألمانيا مبادئ حركة باوهاوس في التصميم، وبدأوا في نشرها والبناء عليها في أماكن جديدة في مختلف أنحاء العالم بما في ذلك مدن شيكاغو وتل أبيب وموسكو.

ومن بين الفنانين الذين هربوا من أعمال الرعب التي مارسها النظام النازي لودفيغ ميس فان دير روهه، والذي برز كشخصية شهيرة من حركة “باوهاوس″ واعتبر أستاذا للمعمار الحديث من خلال تصميماته للمنازل والمباني والأثاث، واستقر أخيرا في شيكاغو واعتبرها وطنه الجديد.

تحرير الفن المعماري

 كانت غاية المدرسة منذ بداياتها تحرير الفن المعماري من الصناعة وإحياء الحرفة من جديد، وذلك من خلال الابتعاد عن الزخرفة التي كانت ميزة الفن المعماري في أوروبا قبل القرن الماضي.

ويلاحظ أن مدرسة باوهاوس تجمع ما بين المدرسة التكعيبية والتعبيرية، وتركز على الأشكال الأساسية في استخداماتها الفنية الخطوط والمربع والمثلث والدائرة كما تركز على استخدام الألوان الأساسية الأحمر والأصفر والأرزق، بالإضافة إلى الألوان الحيادية، الأبيض والأسود وتدريجاتهما الرمادي، مع مراعاة وجود فراغ واسع، والابتعاد عن وجود بؤر بصرية محددة في اللوحة، كما تلح على الابتعاد عن الزخرفة.

وظهرت التصاميم بسيطة بجمالياتها حيث يعتبر غروبيوس أن الجمال يكون في الأساسيات وأن “هناك دائما اتصالا بين اللون والشكل”، أما التكوين المعماري فكان يعتمد الخطوط الواضحة والواجهات المصممة والملونة بالألوان الرئيسية أو المغطاة بإطارات معدنية زجاجية، وعناصر الفرش الثابتة منها والمتحركة، كما تلح على الابتعاد عن الزخرفة.

واعتبر العديد من الفنانين أن باوهاوس ليست مجرد مدرسة بل هي أيديولوجيا وتحول وقناعة جديدة في الفكر الفني والمعماري، ولعل من أشهر أقوال غروبيوس في هذا المجال هو “تبدأ العمارة عندما تنتهي الهندسة”.

وساعد المزج بين الفن وحرفيات البناء على إعادة تشكيل الأشياء المألوفة في الحياة اليومية الحديثة، ويتضح ذلك من خلال متحف برلين.

متحف برلين

عمارة بسيطة تطرد الزخرفة المعقدة
عمارة بسيطة تطرد الزخرفة المعقدة

يرتبط تصميم مبنى متحف باوهاوس في برلين ارتباطا وثيقا بمبادئ المدرسة ومضمون معروضات المتحف نفسه، ففي مدخل المتحف تعترض الزائر مقولة مؤسس المدرسة والتر غروبيوس مكتوبة باللغتين الألمانية والإنكليزية “المعماريون والمثاليون والرسامون، يجب أن يعودوا إلى أصالة الحِرف التقليدية ويبحثوا عن المعنى الفني المطلق من خلال تلك الروائع الفنية التي تركتها هذه الحرف، الحرفة صيرورة المبدع، والمبدع صيرورة الحرفة، وعلينا جميعا أن نعمل لبناء المستقبل الذي يجمع العمارة والفنون في لُحمة واحدة”.

ويحتوي المتحف في طابقه الأول على قسم خاص بالباوهاوس كاتجاه في الفن التشكيلي، والقسم الخاص بالباوهاوس كمدرسة بناء معمارية وصناعيَة، والقسم الخاص بأرشيف الباوهاوس من فنانين تشكيليين ومهندسي عمارة.

وفي طابقه العلوي الذي يحتوي على المقهى والمكتبة والمتجر تتضح الرسالة الاجتماعية للمدرسة، ألا وهي المزج بين الفنون الجمالية المجردة وبين الواقع المعيش للناس، رسالة تجعل الفن مفيدا بشكل ملموس للناس، وربط المعرفة الجمالية بالفائدة الاجتماعية والاقتصادية اليومية، في محاولة لكسر جدار الغرور بين الحرفة والفن.

ونجد في هذا القسم تصاميم لغرف نوم منزلية وصالات جلوس، ولأبنية كبيرة ولقطعِ أثاث منزلية ولأوان مطبخية ولمصابيح منزلية، بنيت على طراز مدرسة باوهاوس، حيث الخلط بين الفن والهندسة المعماريَّة والديكور الخارجي والتصميم. وتتميّز التصاميم هذه بالصراحة والوضوح وسهولة الفهم، وبالمراعاة الدقيقة لوقت البناء، والتكلفة الاقتصادية، ونفقات اليد العاملة، والدقة في استخدام مواد البناء، واقتصاد الفراغ المأخوذ من الفضاء، ككرسي برشلونة للمعماري والمصمم فان دير روهي (آخر مديري الباوهاوس).

ويلاحظ في المباني السكنية التشابه والتوحد، وغياب السطوح المستمرة والمتصلة، وعدم وجود محور واحد للبناء، علما أن مدرسة باوهاوس هي أول من ابتكر فكرة البناء مسبق الصنع، وذلك من أجل تشكيل لغة معمارية عالمية موحدة، والتأسيس لعمل معماري إنساني جماعي يتميز بالعطاء المتجدد. ونلاحظ في هذا القسم أيضا فيديوهات تعرِض الكيفية التي يتم فيها تعليم الطلاب في مدرسة باوهاوس على الاسترخاء الجسدي والهدوء النفسي، وذلك من أجل التحرير من الضغوط النفسيَّة، وبالتالي تعميق الإدراك الحسي وتفجير الإبداع.

انتشار واسع

إبداعات تتجاوز حدود ألمانيا
إبداعات تتجاوز حدود ألمانيا

تلقي فعاليات الاحتفالية المئوية الضوء على كيف عكس تطور هذه الحركة الفنية تاريخ ألمانيا الحافل بالاضطرابات.

وتم إحياء أمثلة رائعة لفن العمارة الحديثة ليكتشفها الزائرون، الذين يجولون في ألمانيا خلال الذكرى المئوية، مثل “هاوس شمنكه” من تصميم هانز شارون في بلدة لوباو بولاية سكسونيا، وهو واحد من 100 موقع مدرج ضمن قائمة جولة باوهاوس، إضافة إلى مبان من الطوب بأسلوب تعبيري في هامبورغ، ومجموعة منشآت أخرى في ديساو.

ومن المقرر افتتاح متحف جديد في 6 أبريل 2019 في مدينة فايمار، حيث سيضم أقدم مجموعة من تصاميم باوهاوس حول العالم وعرضها في المعرض الحديث بتصميم عصري حديث.

وستعرض في المتحف 13 ألف قطعة من إبداعات باوهاوس بينها تصاميم ورسومات وصور فوتوغرافية ومصابيح وغيرها.

ومن المقرر افتتاح متحف باوهاوس الجديد في 8 سبتمبر في ديساو، وهو عبارة عن بناء متقن مع عوارض خشبية عائمة وغلاف زجاجي، على مساحة تبلغ 1600 متر مربع من تصميم شركة “غونزاليس هينز زابالا” الإسبانية.

ولم تقتصر الاحتفالات بإبداعات باوهاوس على ألمانيا فحسب، وإنما سيتم الاحتفال في 8 بلدان من ضمنها الصين واليابان وروسيا والبرازيل، ويمكن مشاهدة حصيلة هذه الرحلات في “بيت ثقافات العالم” في برلين بدءا من 15 مارس إلى 10 يونيو 2019.

أفكار وإبداعات باوهاوس لا يتم إحياؤها في المتاحف وعلى المسارح فقط، فمنذ عام 2016 تقدم باوهاوس أفكارها بطريقة جذابة للشباب في المدارس أيضا، حيث يعمل وكلاء الباوهاوس بالتعاون مع مدرسين ومهندسين معماريين وغيرهم من الخبراء الذين يزورون المدارس في فايمار وديساو وبرلين.

تأثيرات باوهاوس نراها واضحة اليوم من خلال المزج بين العديد من أنواع الفنون البصرية والصناعية والتركيبية وحتى الموسيقية في العمل الفني الواحد. والمفارقة هنا أنّ تيّار باوهاوس الذي أراد أن يجعل الفن في متناول الجميع أصبح مرادفا للقطع الفنية باهظة الثّمن، ولا سيما في مجال التّصميم.

20