مئة قطعة فرعونية تُعرض للمرة الأولى على الجمهور الفلورنسي

عالمة الآثار الإيطالية ماريا كريستينا غويدوتي: معرض "المومياء رحلة نحو الخلود" حدث علمي كبير.
الأحد 2019/07/28
نماذج من الثروة الفنية المعروضة التي تظهر للمرة الأولى إلى النور

تشغل البروفيسورة ماريّا كريستينا غويدوتّي منذ واحد وعشرين عاما ذات الموقع الذي شغله مؤسّس “المتحف المصري” في فلورنسا الآثاري الإيطالي الشهير إرنيستو سكياپاريلّي قبل مئة وخمسين سنة ونيف، وقد تكون الأولى في السلّم الزمني في شغل منصب إدارة مُتحف إيطالي. وهي تُعدّ اليوم من بين الأكثر اطّلاعا على التاريخ المصري القديم، ليس بفضل خدمتها الطويلة في هذا المتحف، بل أيضا بفضل مشاركتها في أكثر من 25 حملة آثاريّة استكشافيّة إيطاليّة أنجزتها جامعة پيزا في مصر، إلى مواقع في صقّارة وغرب طيبة وأسوان والفيّوم وغيرها من المواقع الآثارية المصرية، وبالإضافة إلى إدارتها للمتحف في فلورنسا، وعضويتها في اللجنة العلمية الآثاريّة التابعة لجامعة پيزا، فهي خبيرة في السيراميك والخزف المصريّين.

نشرت غويدوتّي العديد من البحوث والدراسات في الدوريات التاريخيّة والآثاريّة وأسهمت في تنظيم وإدارة العديد من المعارض المصرية في إيطاليا وفي العالم. وليس المعرض الحالي الذي نجول برفقتها في أرجائه والمُقام داخل “المتحف الآثاري الإيطالي القديم”، ومقر “المتحف المصري” في فلورنسا، إلاّ الأخير في سلسلة المعارض التي أقامتها غويدوتّي، إلاّ أنه يتميز عن المعارض الأخرى بكونه شهد مرحلة مخاض استمرّ لزمن طويل “منذ الدراسة العلمية التي أجرتها جامعة پيزا في عام 2000 للمومياءات المصرية المحفوظة في متحفنا وفي مستودعاته.

 ففي مستودعات المتحف الكثير والكثير ممّا لم يُشاهد إطلاقا”، وتُضيف غويدوتّي “بالضبط مثل هذا التابوت الذي لم  يعرض  للمشاهدة من قبلُ إطلاقا ولم يُدرس كما لم تُنشر صورةٌ عنه أبدا. لقد كان من بين الودائع المحفوظة في مخازن المتحف وتمت استعادته خصّيصا لهذا المعرض، إنّه عمل غير منشور، وبإمكاني القول، على سبيل المزاح بالطبع، إنّني أعَدْتُ اكتشافه من جديد لمعرفة قيمته الرائعة، أوَ لَيسَ مدهشا حقا!”.

هكذا تُخبرني د. ماريا كريستينا غويدوتّي، مديرة الجناح المصري بالمتحف الوطني للآثار في فلورنسا، وهي تجول معي في أقسام معرض «المومياء… رحلة صوب الخلود»، المُقام حاليا في المتحف الوطني الآثاري بفلورنسا ويستمر حتى الثاني من فبراير 2020، عن تابوت الكاهن باديموت “الذي يتميز بزخرفة غنية تميّز توابيت السلالة الحادية والعشرين والثانية والعشرين (1069 – 656 ق.م) وما يُميّز هذه القطعة من زخرفة جميلة، هي العُصّابة الحمراء التي تتشابك خطوطها على الغطاء الخارجي للتابوت وفي داخله، وهي أشرطة ترمز إلى الحماية“.

       وليس تابوت الكاهن باديموت إلاّ واحدا من بين 100 قطعة كانت محفوظة في مستودعات متحف فلورنسا، يكشف عنها  للجمهور للمرّة الأولى في معرض خاص. تقول غويدوتّي ”لقد صُنع هذا التابوت من خشب ‘الجميز’، وعادة ما كانت التوابيت تُصنع بالخشب المصري فقط، وربما كانت بعض العائلات الثريّة تستخدم خشب الأبنوس أو أخشابا ثمينة أُخرى مستوردة، إلاّ أن غالبية التوابيت كانت تُصنع من الخشب المصري“.

وتُخبرني غويدوتّي، التي شغلت أيضا موقع المنسق العلمي لدراسة نفذتها جامعة پيزا عن مومياءات «المتحف المصري» بفلورنسا، بأنّ مشروع هذا المعرض “جاء في عام 2000 من فكرة وُلدَتْ لديّ بمناسبة دراسة نفذتها جامعة پيزا عن المومياءات المحفوظة في القسم المصري بالمتحف الوطني الآثاري في فلورنسا، وهي ما يزيد عن مئة قطعة، تنتمي جميعها إلى مجموعات متحفنا، وسيتمكّن الجمهور من إبداء الإعجاب بها ليكتشف ثراء ما هو محفوظ  لدينا في المستودعات“.

المصريون والآخرة

Thumbnail

تمّ اختيار القطع وتنظيم المعرض بشكل يسعى إلى توضيح العلاقة بين المصريين القدماء والحياة الآخرة بطرائق متعدّدة، ومن بينها قطعٌ ذات أهمية كبيرة، كتمثال الكاهن «حنات»، وهو من الأمثلة القليلة على التماثيل المُصمّمة للشخصيات البارزة. يرتدي الكاهن رداء فارسيا، وهو ما يشهد على الفترة التي خضعت فيها مصر للإمبراطورية الفارسية القوية (525-404 ق.م). ومن بين القطع رأس محنّط فُحِصَ بالتصوير الشعاعي المقطعي المُحَوْسَب، والذي سمح بإعادة بناء وجه الميّت المتوفّى في الفترة (656-332 ق.م)، إضافة إلى الصندوق الصغير الذي يضمّ مجموعة من «أوشابتي»، وهي الأدوات والتماثيل الصغيرة المرافقة لجنازة «نختامونتو» المتوفى في الفترة (1550-1070 ق.م).

ليس الموت نهاية بل هو انتقال إلى حياة أُخرى. يوضح المعرض المفهوم المصري لحياة الروح في الآخرة ومعاني جميع الأشياء والقطع التي كانت توضع عادة في المقابر مع المتوفى في مصر القديمة، تقول غويدوتّي ”لم يكن الموت بالنسبة للمصريين القدماء، يحدّد نهاية الحياة، بل كان لحظة انتقال إلى شكل آخر من أشكال الوجود يستمر في الحياة الآخرة“.

“وبالتالي، فإن المصريين القدامى لم يتحدثوا عن الموت، بل عن الحياة وحياة أخرى. وهذا هو بالضبط ما سعيت إلى إيضاحه من خلال هذا المعرض، والمفهوم الذي أردت تبيانه هو بالتحديد أنّ المصريين لم يعتبروا الموت نهاية للحياة، بل استمرارا لها، وبالتالي فهو انتقالٌ إلى حال أخرى وليس موتا، وهو أيضا ليس حياة ما بعد الموت، بل حياة تلو الأخرى، وهذا أمر أساسي، فالموت الآلي هو حياة أخرى وشكل آخر من أشكال الحياة“.

ما بعد الموت

إضافة إلى تشابه موجودات هذا المتحف مع متاحف مصريّة أخرى، فإنه بإمكان الفلورنسيّين الزهو بوجود عدد من القطع المصريّة الفريدة والنادرة بين جدران متحفهم المصري
إضافة إلى تشابه موجودات هذا المتحف مع متاحف مصريّة أخرى، فإنه بإمكان الفلورنسيّين الزهو بوجود عدد من القطع المصريّة الفريدة والنادرة بين جدران متحفهم المصري

كان المصريون يعتقدون بأنّ الروح، حتى تواصل حياتها، تحتاج إلى سلسلة متكاملة من الأمور والأشياء التي تسمح لها بالحياة في مرحلة ما بعد الموت، وقبل كل شيء، فالروح تحتاج إلى جسدها الخاص لتسكنه ثانية في الحياة الأخرى، ”بالضبط، لذا فقد كان من الضروري الحفاظ على الجسد من خلال تحنيط الجثة التي أصبحت مومياء“، كما تقول غويدوتّي.

 وتُضيف ”غالبا ما يتم التعامل مع موضوع المومياءات في عصرنا من خلال منظور السحر، فهو، بلا شك، موضوع مُلفّع بالغموض وبأجواء تُثير الرعب أحيانا، ما ساعد على انتشار أفكار غير دقيقة حول المومياءات المصرية، إلاّ أنّ هذا المعرض يسعى إلى دحض ذلك وعرض عملية تحنيط الأجسام من الناحية العلمية بطرائق واضحة ومفهومة ومثيرة للاهتمام والفضول، والتعريف أيضا بمقدار المعارف العلمية والتقنيّة التي ميّزت المصريّين القدماء بالذات في مجالات تشريح الجثّة البشرية والحيوانية وفي مجالات الحفظ والتحنيط“.

“ينتظم المعرض في جزئين: الأول مخصص لمفهوم بقاء الروح وتحنيط جثة المتوفى، أمّا الجزء الثاني فقد خُصّص للأشياء التي رافقت الشخص المتوفى في القبر. وقُسّم هذا الأخير إلى جزئين، حيث يتم عرض الأدوات ذات الوظيفة الجنائزية المحضة، وقطع كان المتوفّى يستخدمها في حياته اليوميّة، كالملابس، والحُلي، وبعض قطع الأثاث، وقد قمنا بترميم بعض الحلي، كبعض القلائد المعروضة هنا والتي عُثر عليها داخل القبور، باستخدام مفردات أصلية“.

روزيليني وشامبليون

يعد هذا المعرض الثاني على الصعيد الإيطالي والعاشر عالميا وتُعد مجموعة «المتحف المصري» في فلورنسا الثانية في إيطاليا بعد مجموعة المتحف المصري في تورينو. وتشكلت بشكل أساسي خلال القرن التاسع عشر، في أعقاب الرحلة الفرنسية التوسكانية الشهيرة التي قام بها آثاريان شهيران، هما الإيطالي إيپوليتو روزيلّيني والفرنسي جان فرنسوا شامبليون.

 ففي عام 1828 غادرت أول بعثة علمية إلى مصر بغرض رئيسي هو توثيق الآثار المصرية، والتي أماطت التنقيبات حولها اللثام عن كمية هائلة من الاكتشافات الهامّة للغاية، توزّعت كميّات كبيرة منها ما بين متحف اللوفر ومتحف فلورنسا.

وتقول مديرة المتحف ”يعتبر متحفنا اليوم ثاني متحف في إيطاليا، بعد المتحف المصري الشهير في تورينو بالطبع، وعلى الصعيد العالمي تم تصنيف المجموعة المصرية في فلورنسا كعاشر مجموعة“، وتُضيف ”عندما غادر روزيلّيني وشامبليون إلى القاهرة في رحلتهما المشتركة، كان شامبليون قد تمكّن من فك أسرار اللغة الهيروغليفيّة منذ ست سنوات، وهو ما سهّل مهمة العالِمين في التعرّف على العديد من الأسرار، وتمكّنا من جمع كميّات هائلة من الاكتشافات الأثرية التي تُثري الآن متحف اللوفر في باريس متحف فلورنسا.

إلاّ أنّ المتحف الحقيقي في فلورنسا ولد في عام 1856 أي بعد مرور 12 عاما على موت روزيلّيني، ونشأت المجموعة بفعل عملية الجرد والإحصاء لكامل الموجودات المصرية، وصارت مُتحفا بالمعنى الحقيقي في عام 1880 عندما كُلّف عالم المصريات الشهير إرنستو سكياپّاريلّي، والذي تولّى في ما بعد منصب مدير المتحف المصري في تورينو، وأسّس المتحف في موقعه الحالي على الطراز المصري، وهو اليوم واحد من المتاحف القليلة التي بقيت على غرار المتاحف المصرية المُقامة في القرن التاسع عشر“.

قطع فريدة

Thumbnail

بالإضافة إلى تشابه موجودات هذا المتحف مع متاحف مصريّة أخرى، فإن بإمكان الفلورنسيّين الزهو بوجود عدد من القطع المصريّة الفريدة والنادرة بين جدران متحفهم المصري.

تقول غويدوتّي ”لدينا عددٌ من القطع النادرة، بإمكاني الإشارة إلى ثلاثة أشياء على وجه الخصوص: أوّلها هو كوب للشرب بفتحة مربّعة، وهو أحد إثنين من نوعه في العالم، ويتواجد الآخر في متحف اللوفر. جميع الأكواب المصرية القديمة التي اكتُشفت حتى الآن دائرية الفتحة ومستديرة؛ ثم لدينا عربة مشهورة جدا، وهي الوحيدة التي يُعتقدُ أنّ ملكيّتها في العالم تعود إلى مواطن عادي وليس لفرعون أو لشخصية هامّة.

ففي متحف القاهرة ثمة عربات عادت ملكيّتها إلى الفرعون وإلى مقرّبين من السلطة والأثرياء، مثل عربة توت عنخ آمون، وما إلى ذلك. إلاّ أنّ العربة المحفوظة لدينا، هي الوحيدة التي كانت تعود إلى مواطن عادي، وهي عربةٌ بسيطة للغاية وربّما كان صاحبها يستخدمها في رحلات الصيد، وتتميّز برشاقتها وأناقتها. كما أودّ أيضا الإشارة إلى جزء من منحوتة النقوش البارزة التي قُطعت إلى نصفين. للأسف الشديد، وتقاسمها كلٌ من روزيلّيني وشامبولين، كما كان مُعتادا في ذلك الوقت، أي تقاسم المكتشفات في النصف. ولحسن الحظ أن مثل هذا التقليد الغريب المعادي للآثار لم يعد قائما منذ زمن طويل“.

تشغل البروفيسورة ماريّا كريستينا غويدوتّي منذ واحد وعشرين عاما ذات الموقع الذي شغله مؤسّس “المتحف المصري” في فلورنس الآثاري الإيطالي الشهير إرنيستو سكياپاريلّي قبل مئة وخمسين سنة ونيف، وقد تكون الأولى في السلّم الزمني في شغل منصب إدارة مُتحف إيطالي.

 وهي تُعدّ اليوم من بين الأكثر اطّلاعا على التاريخ المصري القديم، ليس بفضل خدمتها الطويلة في هذا المتحف، بل أيضا بفضل مشاركتها في أكثر من 25 حملة آثاريّة استكشافيّة إيطاليّة أنجزتها جامعة پيزا في مصر، إلى مواقع في صقّارة وغرب طيبة وأسوان والفيّوم وغيرها من المواقع الآثارية المصرية، وبالإضافة إلى إدارتها للمتحف في فلورنس، وعضويتها في اللجنة العلمية الآثاريّة التابعة لجامعة پيزا، فهي خبيرة في السيراميك والخزف المصريّين.

نشرت غويدوتّي العديد من البحوث والدراسات في الدوريات التاريخيّة والآثاريّة وأسهمت في تنظيم وإدارة العديد من المعارض المصرية في إيطاليا وفي العالم. وليس المعرض الحالي الذي نجول برفقتها في أرجائه والمُقام داخل “المتحف الآثاري الإيطالي القديم”، ومقر “المتحف المصري” في فلورنس، إلاّ الأخير في سلسلة المعارض التي أقامتها غويدوتّي، إلاّ أنه يتميز عن المعارض الأخرى بكونه شهد مرحلة مخاض استمرّ لزمن طويل “منذ الدراسة العلمية التي أجرتها جامعة پيزا في عام 2000 للمومياءات المصرية المحفوظة في متحفنا وفي مستودعاته. ففي مستودعات المتحف الكثير والكثير ممّا لم يُشاهد إطلاقا”، وتُضيف غويدوتّي “بالضبط مثل هذا التابوت الذي لم  يعرض من قبل”.

13