مئة يوم حاسمة تنتظر الحكومة التونسية

صراع صامت تعيشه تونس منذ أسابيع حول أداء حكومة يوسف الشاهد، وأسلوبها في إدارة البلاد الذي لم تعتده دوائر النفوذ السياسي، وهو ما عكسه التوتر بين رئيس الحكومة ووزير الداخلية لطفي براهم.
الأربعاء 2018/02/07
هل تجدي التبريرات

تونس - دخلت لعبة شد الحبال بين الإرادات المُتصارعة في المشهد السياسي التونسي، مرحلة مُتقدمة من الصراع مع بدء العد التنازلي للانتخابات المحلية المُقرر تنظيمها في السادس من مايو المُقبل.

ويفتح هذا الصراع الذي اتخذ أشكالا مُتعددة، على صفحة جديدة من الحسابات والمعادلات التي جعلت الحكومة التونسية برئاسة يوسف الشاهد أمام وضع مُعقد يُبقي جميع الاحتمالات مفتوحة.

وتشهد تونس منذ أسابيع صراعا بدا صامتا من حيث مفاعيله، وصاخبا من حيث أدواته، حول أداء حكومة الشاهد وأسلوبها في إدارة شؤون البلاد الذي لم تعتده دوائر النفوذ السياسي.

وتحول هذا الصراع الأسبوع الماضي إلى ما يُشبه الأزمة الحقيقية على خلفية ما جرى من سجالات حول طبيعة العلاقة بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير الداخلية لطفي براهم، وهي سجالات تواصلت وسط عودة لافتة للحديث عن احتمال رحيل الشاهد عن القصبة عبر إقالته أو استقالته.

وهذا الحديث عن رحيل الشاهد أو بقائه ليس جديدا، ومع ذلك أثار أسئلة كثيرة طرحتها هذه العودة، وأبعادها في سياق العملية السياسة الراهنة، والمسارات الجانبية المرتبطة بها، وخاصة منها الانتخابات المحلية التي أصبحت محور الاهتمام السياسي والحزبي في البلاد.

وبعيدا عن الاستنتاجات المُتسرعة التي تدور في أغلبها باتجاه البحث عن إجابات لا تخرج من دائرة الافتراضات التي تُمليها المقاربات المتباعدة أو المتناقضة، تكاد مُختلف القراءات تُجمع على أن المئة يوم القادمة ستكون حاسمة بالنسبة لمصير الشاهد بغض النظر عن عمليات الشد العكسي التي يصعب الحسم فيها.

ويستند هذا الإجماع إلى جملة من المؤشرات التي برزت خلال الأيام القليلة الماضية، منها تسريبات مدروسة في ارتباطها بهذه الحالة وموقعها داخل المشهد السياسي، تؤكد أن راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية، دخل في مقايضة حول رحيل الشاهد بالإبقاء على موعد الانتخابات المحلية دون تغيير. وتؤكد تلك التسريبات أن الغنوشي قد يكون رفع نهائيا يده عن دعم رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وأصبح لا يُمانع رحيله في هذه الفترة التي تستبق الانتخابات المحلية بنحو 100 يوم.

ويبدو أن رئيس حركة النهضة قد يكون عبّر عن هذا الموقف بشكل صريح خلال اجتماعه الأخير مع الرئيس الباجي قائد السبسي، وذلك في سياق عملية مُقايضة يتخلى بموجبها الغنوشي عن التمسك بالشاهد رئيسا للحكومة، مقابل التزام واضح بالإبقاء على تنظيم الانتخابات المحلية في موعدها أي السادس من مايو المُقبل.

واجتمع السبسي الخميس الماضي مع الغنوشي، حيث اكتفت الرئاسة التونسية في بيان لها بالقول إنه “تم خلال هذا الاجتماع استعراض جملة من القضايا الوطنية والإقليمية، كما تم التأكيد بالأساس على ضرورة انخراط الأحزاب السياسية في إنجاح الاستحقاق الانتخابي المحلي القادم”.

الشاهد يدرك أن الأسابيع القادمة ستكون حاسمة وهو ما يفسر إقراره بأن الحزام السياسي والحزبي الداعم له لم يعد كافيا

وتكشف هذه المُقايضة التي يؤكدها الفاعلون السياسيون في البلاد، استغلال حركة النهضة لصراع الإرادات الذي تعيشه البلاد، وتلاعبها في تحريك أحجارها التي باتت بحكم الأمر الواقع مجرد أدوات، ما أفضى إلى مشهد تخضع فيه تلك الأدوات للمُفاضلة السياسية على قاعدة حسابات ومعادلات حزبية.

ويجعل هذا التطور الجديد، يوسف الشاهد مكشوفا بعد أن ضاقت مساحة المناورة أمامه، وتقلص هامش التكتيكات التي أبقته في منصبه لغاية الآن رغم تتالي المحاولات الرامية لإزاحته. وتُشير المعطيات إلى أن الشاهد بات يُدرك أن الأيام والأسابيع القادمة ستكون حاسمة بالنسبة له، وهو ما يُفسر إقراره لأول مرة بأن الحزام السياسي والحزبي الداعم له لم يعد كافيا، وهو إقرار اعتبره مراقبون مؤشرا على بدء البحث عن الأسباب والمبررات للرحيل عن القصبة.

غير أن هذا الإقرار الذي يُفسر أيضا الشكل الظاهري من صراع الإرادات، لا يُخفي رهان الشاهد على إدراك القوى السياسية لأبعاد مُقايضة حركة النهضة التي تُريد من خلالها تحقيق أكبر قدر من المكاسب عبر الابتزاز المكشوف.

وتسعى حركة النهضة بكل ما في وسعها عبر تكتيكات مخاتلة للوصول إلى السيطرة على الحكم المحلي، بحيث تتمكن من تكريس أمر واقع جديد يصعب معه بعد ذلك تفكيك تغلغلها في النسيج السياسي للبلاد.

4