مئوية أول مجامع اللغة العربية وفيلم وثائقي عنه

المجمع واجه الاحتلال العثماني وحمى اللغة العربية من محاولات طمسها من خلال فرضه اللغة التركية على البلدان العربية التي احتلها.
الثلاثاء 2020/01/14
المجمع العلمي العربي بدمشق أول مجامع اللغة العربية

احتفل مجمع اللغة العربية في دمشق مؤخرا بمئويته، وهو أول مؤسسة رسمية تعتني باللغة العربية التي حاول الاحتلال العثماني طمسها من خلال فرضه اللغة التركية على البلدان العربية التي احتلها، وكان المجمع أكثر الفاعلين في ترسيخ اللغة العربية والاعتناء بها وبالأدب العربي فيما يبقى التحدي مفتوحا أمامه في هذا الصدد مستقبلا.

دمشق – كان الشعور الوطني متأججا لدى الشعوب العربية بعد زوال الحكم العثماني عنها، فبعد نهاية الاحتلال العثماني لأجزاء كبيرة من الوطن العربي، واجهت الدولة العربية التي أعلنت في الخامس من أكتوبر من عام 1918 مشكلة كبرى تتمثل في طغيان اللغة التركية، والتي كانت اللغة الرسمية للدولة والمعتمدة في دواوينها وتعاملاتها اليومية.

لم يتوقف انتشار التركية على أجهزة الدولة بل طال كذلك الحياة اليومية، فقد كانت دارجة على ألسنة الناس بعد سياسة التتريك التي انتهجتها سلطات الدولة العثمانية في محاولة منها لمحو الهوية العربية من المنطقة. فكان أن ظهرت ضرورة وجود جهة علمية مؤهلة تؤكد وجود اللغة العربية في مفاصل الدولة. فأوجدت في ذات العام 1918 “الشعبة الأولى للترجمة والتأليف”.

مجمع عربي

 كان الهدف من “الشعبة الأولى للترجمة والتأليف” حماية الآثار العربية وتأسيس متحف خاص بها وكذلك العناية بالمكتبة الظاهرية في دمشق القديمة. ثم تحولت هذه الجهة إلى مجمع علمي في الثامن من يونيو عام 1919 ليكون التاريخ الرسمي لتأسيس أول مجمع للغة العربية في الوطن العربي وفي العالم. وكان باسم “المجمع العلمي العربي”.

 وقد ضم المجمع في حينه تسعة أعلام في اللغة العربية هم عبدالقادر المغربي، وعيسى اسكندر معلوف، وأنيس سلوم، وسعيد الكرمي، وأمين السويد، ومتري قندلفت، وعزالدين علم الدين التنوخي، وطاهر الجزائري، والرئيس المؤسس محمد كرد علي. وسرعان ما بدأ المجمع القيام بالأعمال التي وكل بها، فجمع خلال فترة آلاف الكتب لصالح المكتبة الظاهرية التي صار مسؤولا عنها وجمع الكثير من التحف واللقى التي تحفظ التراث وأصدر مجلة حملت اسمه.

ما فعله أعضاء المجمع في التعريب وتحويل اللهجة العربية التي كانت مستلبة من اللغة التركية كان عظيما

ثم أضاف المجمع إلى نشاطاته شكل المحاضرات الدورية الخاصة باللغة العربية وتمكينها، وكانت تقام كل أسبوعين يقدمها باحثون ومختصون سوريون أو عرب وكانت البداية مع العالم عبدالقادر المغربي وذلك في 17 أبريل 1921، واستمر إلقاء هذه المحاضرات حتى عام 1946.

ولم يكتف المجمع بذلك، بل احتفى بكبار شعراء العربية، فأقام مهرجانا شعريا للشاعر المتنبي عام 1936 وكذلك مهرجانا شعريا عن الشاعر والفيلسوف الكبير أبي العلاء المعري عام 1944 بمناسبة ألفيته. كما أن مجمع اللغة العربية بدمشق لم يكن حكرا على السوريين فحسب، بل كان فيه أعضاء عرب من أكثر من بلد عربي. كان منهم حافظ إبراهيم، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وأحمد تيمور، وإبراهيم المازني، ومصطفى صادق الرافعي، وعباس محمود العقاد، وطه حسين من مصر، ومن العراق معروف الرصافي، وجميل صدقي الزهاوي، ومحمد رضا الشبيبي. أما من تونس فكان هنالك الطاهر بن عاشور، وحسن حسني عبدالوهاب، ومن فلسطين خليل السكاكيني، وأسعاف النشاشيبي، وعادل زعيتر، ومن لبنان أمين الريحاني، وشكيب أرسلان ولويس شيخو، ومن السعودية حمد الجاسر.

فيلم احتفالي

بمناسبة مرور الذكرى المئوية الأولى عن تأسيس مجمع اللغة العربية بدمشق، أنتجت المؤسسة العامة للسينما بدمشق فيلما وثائقيا قصيرا بعنوان “عبق التاريخ” كتبه وأخرجه غسان شميط. قدم فيه عبر مسيرة سردية بسيطة تفاصيل عن حياة مجمع اللغة العربية وقد استضاف في الفيلم العديد من الشخصيات الفاعلة فيه. فتحدث رئيس المجمع محمد مروان المحاسني عن بعض الجوانب التاريخية له مستعرضا عددا من القامات الأدبية والعلمية الكبرى التي كانت أعضاء شرف في المجمع خلال مسيرته الطويلة كما قدم عدد من أعضاء المجمع مداخلات بينت تفاصيل عمله ونشاطاته البحثية والعلمية التي كان يقوم بها.

بدأ الفيلم بصوت الشاعر الكبير نزار قباني وهو يقدم القصيدة الدمشقية. ثم انتقل ليرصد بالوثيقة التاريخية البعض من المشاهد التي تتحدث عن منطقة بلاد الشام عموما أثناء الحرب العالمية الأولى والدمار الذي أحدثته.

 وانتقل الفيلم في جوانبه بين العديد من الأماكن التي كانت قد احتضنت المجمع؛ منها المكتبة العادلية في قلب دمشق القديمة، كما صور معظم زمنه في المبنى الجديد للمجمع الموجود بأحد أحياء دمشق الراقية.

 عن الأسلوبية التي اتبعها المخرج في الفيلم يقول مخرجه غسان شميط “في كل فيلم أحاول أن أقترب من الموضوع لأوصل الفكرة بطريقة مختلفة. في هذا الفيلم حاولت توظيف حيثيات مجمع اللغة العربية من خلال حياة محمد كرد علي، الذي أسس أول مجمع عربي للغة العربية. مسيرة حياة هذا المجمع مرتبطة تماما بحياة البلد من البداية إلى النهاية. وله علاقة بالوطن ولا يمكن فصله عن التاريخ السياسي له وأعضاؤه من الناس الذين كان لهم دور سياسي هام في سوريا ولم يكن دورهم لغويا فحسب. وما فعلوه في التعريب وتحويل اللهجة العربية الدارجة التي كانت مستلبة من اللغة التركية كان عظيما”.

ويضيف شميط “الأعضاء لهم دور كبير في الإصدارات العربية والنهضة التي حققت بالثقافة عموما وليس باللغة فحسب. حاولنا الإضاءة على كل مراحل حياة المجمع. وفي الفيلم معلومات جديدة لم نكن نعرفها سابقا. الفيلم مفيد ليعرف الناس معلومات هامة عن أول مجامع اللغة العربية في تاريخها”.

14