مئوية رولان بارث

السبت 2015/06/20

في سنة 1969، حل ناقد فرنسي بالمغرب ليلتحق بالتدريس في كلية آداب الرباط بالمغرب. كانت تسبقه شهرته الواسعة وأيضا أصداء وآثار أحداث 1968 التي شهدتها فرنسا. إنه رولان بارث، الرجل الذي سيطبع المشهد النقدي الفرنسي. لم تدم إقامة بارث بالرباط أكثر من سنة، غير أن الفترة تلك كانت كافية لخلق أثر كبير على جيل كامل من النقاد الشبان المغاربة وعلى بارث نفسه. وهو أثر ربما كان أقوى من أثر تدريسه بجامعة الإسكندرية سنة 1949، حيث لم يكن بارث ولا “جمهوره” بالجامعة المصرية مهيّأين لخلق حوار أكبر.

سيعود رولان بارث إلى تجربة إقامته القصيرة بالمغرب من خلال مذكراته “حوادث” التي ستنشر بعد وفاته، حيث يكشف بشكل ساخر عن النظرة الفولكلورية لمواطنيه الفرنسيين نحو المغرب وحيث يحاول رسم صورة مغايرة لهذا البلد. وهي صورة تحتفي بجانبه الإنساني وتُركز على قيمة اللقاء والحوار بين الأفراد والكتاب والمثقفين. رولان بارث سيعود إلى نفس التجربة أيضا من خلال مقاله “دَيْني نحو الخطيبي”، والمقصود الباحث المغربي المعروف عبدالكبير الخطيبي.

لم يكن رولان بارث يهتم فقط بالنقد الأدبي وبسلسلة النسب من حيث ارتباطها بولادة أو “بموت الكاتب” الذي احتفى به كتابه “الدرجة الصفر في الكتابة” انسجاما مع دينامية العلاقات التي تجمع النقد الأدبي وتضارب التأويل وأفق الانتظار. كان بارث يسعى فوق ذلك إلى تأسيس سيميولوجيا عامة وأيضا إلى بلورة أخلاقيات وشعرية للعلاقات. وفي جميع الأحوال كان بارث يملك دائما هذه القدرة المذهلة على مباغتة قارئه بتحليلاته التي تفاجئ أفق قارئه. تشهدُ عل ذلك حيوية المتن النقدي والتحليلي الذي أنتجه بارث على امتداد زهاء ربع قرن، أي منذ صدور كتابه الأساسي “درجة الصفر في الكتابة” سنة 1953 وحتى نشر كتابه “الغرفة المضاءة” سنة 1980، بالإضافة إلى ما صدر بعد وفاته.

تصادف السنة الحالية مرور مئة سنة على ولادة رولان بارث. وبالطبع لا تفوت فرنسا الثقافية، في ما يخص أعلامها الكبار، أن تحتفي بهذه المناسبة، خصوصا أن الأمر يتعلق باسم كبير ما زالت ظلاله تنعكس على المشهد النقدي داخل فرنسا وخارجها. في سياق ذلك، تصدر عشرات الكتب عن بارث، من ذلك كتاب يضمّ صورا ومراسلات غير منشورة للمؤلف عن دار سوي، وكتاب “صداقة رولان بارث” لفليب سولير، و”رولان بارث المعاصر” لمغالي نشترغال. بالإضافة إلى إطلاق موقع خاص ببارث، يضمّ على سبيل المثال أرشيفه الصوتي ومحرك بحث يُمكِّن من مساءلة أكثر من خمسة آلاف صفحة تكون أعمالَه الكاملة الصادرة عن دار سوي.

حضور رولان بارث الدائم يستمد جانبا من قوته من حيوية مجال السيميولوجيا، وخصوصا من سيادة ثقافة الصورة التي كان رولان بارث من أوائل المنتبهين إلى قوتها وإلى قدرتها على نسج بلاغتها الخاصة.

كاتب من المغرب

17