ماء الوجه الحضاري

الأربعاء 2015/09/02

مثلما كان دائما ثمة ضحايا من أطفال ونساء وشيوخ في الأزمات والحروب والنكبات.. ربما صار لزاما علينا أن نقنع أنفسنا بأننا في عصور الانحطاط.. فنسلم بأن الثقافة هي الضحية الأولى والحلقة الأضعف في هذه المعادلة الصعبة بين التخلف والتحضر.

فها هو العراق بلد الحضارات الذي أنجب المبدعين والعلماء اكتفى أصحاب القرار فيه اليوم بألا يكون له سوى خمسة مراكز ثقافية في العالم بأسره.. وحين ثار الشعب الأبي من مثقفين وبسطاء وانتفضوا هاتفين نعم للإصلاح ولا للمفسدين.. جاءت أولى قرارات الإصلاح بأن تغلق المراكز الثقافية.. ذلك الوجه الحضاري الذي يمثل العراق في العالم ويبيـّض صورة العفن الذي استشرى في حكومة المحاصصة والطائفية وتقسيم الغنائم والبلاد.. ولم يلتفت أحد للمليارات المهدورة وللعقود الوهمية والموظفين الوهميين ومافيات النهب.. وأصبحت هذه المراكز الثقافية هي أسّ البلاء وهي التي أودت بعراق الخيرات إلى الإفلاس!

المراكز الثقافية الخمسة اليتيمة في العالم تغلق بأمر من وزير الثقافة العراقي بحجة التقشف ومحاربة الفساد.. ولكن البلد اليوم مليء بالفاسدين المتربعين على رأس السلطة.. وكم أخشى أن يقترح أحد أن يغلق العراق برمته بحجة محاربة الفساد.. وأن تلغى المدارس والجامعات وأن يتوقف بناء المستشفيات وإعادة إعمار البلد بحجة التقشف.

بهذا المنطق أغلق وجه العراق الحضاري الذي احتضن المبدعين والفنانين وكرّم العلماء والأطباء العراقيين الذين غادروا أرض الأهل والأجداد بحثا عن بلاد أكثر أمنا ومجتمعات تكرمهم لعلمهم واجتهادهم وإبداعهم ولا تكرمهم لولاءاتهم وانتماءاتهم أو طائفتهم وديانتهم! فهل كانت تلك عقوبة لكل المثقفين الذين قالوا لا بوجه من سرقوهم باسم الدين؟.. تذكرت الوالي العثماني الذي ضاق ذرعا بحرّ آب اللهّاب ببغداد.. وإذ قالوا له إنه حرّ ينضج التمر قال لهم: اقطعوا أعناق النخيل!

كم أشعر بالمرارة مثلما يشعر كثير من المثقفين والمبدعين في الخارج.. وهم يحاولون أن يُظهروا عكس ما تروّج له نشرات الأخبار والتقارير الصحفية التي تصفنا بالتخلف.. ولا تظهر سوى السلبي من بلد حكمه طاغية ودمرته حروب وحصار واحتلال.. لتأتي في النهاية أحزاب دينية تصرّ على أن تعيده إلى عصور ما قبل النهضة!..

وبالحديث عن تلك العصور.. يحدثنا التاريخ عن محمد علي باشا الكبير الذي حكم مصر من 1805 إلى 1848 فأرسل البعثات وعاد بمواطنيه ليترجموا ويواكبوا ما وصل إليه الغرب.. وراح يبني المدارس ويخصص من ميزانية الدولة الحصة الأكبر للعلم والمعرفة والتنوير.. وحين خلفه عباس باشا الذي كان ذا ميول دينية متشددة.. وجد أن كل ذلك لم يكن أكثر من (فرنَجة) وتشبه بالغرب.. فألغى البعثات وأغلق المدارس.. وسمح لعلماء الدين فقط أن تكون لهم الكلمة المسموعة وليس لذلك الشباب المتعلم الواعي القادم بعلوم الغرب وتطوّره.. ولولا أن خلفه محمد سعيد باشا الذي كان أكثر تنوّرا لذهبت أدراج الرياح كل جهود محمد علي للنهضة ببلده.

فهل وصل بنا الحال إلى هذا الدرك؟.. وهل أصبح إلغاء الثقافة هو الحل الذي سيقضي على الفساد ويرفد ميزانية الدولة المنهوبة بتوفير بضعة قروش تنعش اقتصاده من جديد؟

شخصيا أجد في هذه المراكز شباكا صغيرا يعكس وجها حضاريا لبلد الحضارات.. فلماذا لا يريدون لنا أن نحفظ ماء وجهنا الحضاري؟

21