مائدة رمضانية منتهية الصلاحية

الثلاثاء 2017/06/13

لا أحد يمكنه إنكار ما يصحب استعداده لاستقبال شهر رمضان من انتظارات لا تقف عند إحياء البعض من الشعائر الدينية، بل تتجاوز عند الأغلبية إلى التحرّق شوقا لإمتاع النفس بصنفين من الموائد الرمضانية إحداها رصت بما لذ وطاب والأخرى جهزت بما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

وأجمل ما في هذه الانتظارات أنها فرصة سنوية لاجتماع عائلي تغيب مظاهره في الكثير من الأسر العربية بسبب تضارب أوقات أفرادها بين الدراسة والعمل.

وحرصا من كافة العاملين بالقطاع الإعلامي وفي إطار تسابق محموم على الحصول على حق الضيافة وإكرام الصائمين، عمل فنانو وأصحاب قنوات وإذاعات الدول العربية تقريبا دون استثناء على الفوز باستضافة اللمة العائلية الرمضانية.

في المقابل، لعن الكبير والصغير المثقف والأمي المنفتح والمتشدد جل المواد وقلب المائدة التلفزيونية بكل ما فيها وعلق الصيام، واستغفر وردد في السر والعلن: اللهم إني صائم.

واحترق صانعو المائدة التلفزيونية الرمضانية بدعوات العائلات العربية التي خابت انتظاراتها، وعلقوا بين المحاكم والغرامات المالية، والالتزامات الإدارية وغرقوا على مسارح المنصات الاجتماعية بكل أصناف النقد والثلب والشتم.

للأسف هذا ملخص القراءات الآنية للمشهد التلفزي الرمضاني، الذي تحالف مع الواقع العربي لإغراق الأسر في المزيد من الانشطار إلى شظايا صغيرة تغمض كل منها عينا على عالم من الفوضى الفكرية وعلى تساؤلات وجودية تبحث عن إجابات تراعي السن والجنس والانتماء والأخلاق المتفق عليها بين المجموعة البشرية المتعايشة في ما بينها على نفس الرقعة التربية أو الممتدة على بعد أميال غير بعيدة من حيث العادات والأعراف والدماء العربية.

وبدل أن تنظر المجتمعات العربية من كاميرا التصوير للمستقبل دفعت أبناءها للتدافع في طوابير انتظار طويلة أمام آلة العودة بالزمن، علها تقتطع لحظات جميلة مع العائلة تتسمر تضحك تتبادل الآراء وتتقاسم مشاعر التأثر والانفعال التي تفرضها المشاهد المتواترة على الشاشة الصغيرة في انسجام مع الاجتماع العائلي دون تحسب لطارئ لفظي انفلت دون وعي صاحبه أو بوعي كرس له كل قواميس التلاعب بالكلمات وحركات الأجسام.

الواقع أن المواد المبرمجة لشهر رمضان هذه السنة وإن كانت لا تختلف كثيرا عن بقية السنوات الأخيرة، لم تحترم الذوق العائلي وكشفت في جلها عن قراءة مغلوطة لا للواقع فحسب بل لإمكانيات المتقبل الذهنية، إذ تفتقت العقول الغضة عن ذي قبل ولم تعد تائهة عن قراءة ما بين السطور.

ورغم لجوء الفضائيات إلى “الصفير” للتغطية على تلك الألفاظ، إلا أنها تبدو واضحة مع قراءة حركة الشفاه، فالمجتمعات العربية أنتجت جيلا قادرا على فهم واقعه دون زيف وفك شفراته وتتبع إشاراته البكماء المسكوت عنها في أدراج مكاتب المخرجين واستخراجها للعلن، والضغط على الجهات المعنية لفرض العقوبات اللازمة بتهمة الاستخفاف بالاجتماع العائلي المقدّس.

وبدل تقاسم الغنائم واحتساب عدد كراسي الضيوف المبجّلين وجدت المائدة التلفزية الرمضانية نفسها ضيفة شرف بالمحاكم وملزمة بدفع الغرامات والهدايا، حيث فرضت أصوات العائلات المستنكرة التي كسرت طابوهات التشدّق بعبارات المفاخرة والتباهي بالمنتوج المحلي على العديد من الجهات تحركا سريعا لاحتواء هذا الانفلات الأخلاقي الذي أجاز التبجح ببث مخزون من الألفاظ البذيئة التي رددها ضيوف برامج المقالب المفبركة أو ممثلو المسلسلات والسلسلات الفكاهية.

في النهاية أثبت كل فرد أن حجم انتظاراته لا يمتّ لواقع الشاشة الصغيرة بصلة، وأنّ وعيه بمشاكل مجتمعاته أكبر بكثير من زيف كاميرا مسترزقة تبحث عن مشاهد فارق الحياة منذ زمن بعيد.

كاتبة من تونس

21