"مائدة يوغرطة" معلم سياحي تونسي يشكو الإهمال

تعتبر مائدة يوغرطة الواجهة السياحية لمحافظة الكاف، فهي مشهد سياحي جميل يطل من أعلى قلعة السنان التابعة للمحافظة، لكنها تحتاج إلى عناية أكبر حتى تكون لائقة ومناسبة لاستقبال زائريها.
الاثنين 2016/03/07
مخبأ القائد الأمازيغي

تونس- تقف “مائدة يوغرطة” شامخة في أعلى مرتفعات الكاف شمال غرب تونس، وتحديدا في مدينة تدعى قلعة السنان على الحدود التونسية الجزائرية، في موقع يوحي بالعظمة في عيون أهالي المنطقة.

وعلى ارتفاع أكثر من 1170 مترا عن سطح البحر ومساحة تمتد على 80 هكتارا، تتواجد هذه الصخرة الضخمة على شكل طاولة، وهو ما جعل سكان المنطقة الأوائل يطلقون عليها “مائدة”.

أما اسم “يوغرطة” فهو نسبة إلى قائد مملكة نوميديا، الذي احتمى بهذه الصخرة طيلة عام من قبضة الرومان، فيما اعتبر أهالي المنطقة أيضا أن كل ما يحيط بالصخرة من سهول وهضاب جاء على شكل فواكه تزيّن هذه الطاولة.

ونوميديا، مملكة أمازيغية عاصمتها سيرتا (مدينة قسنطينة الجزائرية حاليا)، يرجح أنها تأسست سنة 202 قبل الميلاد، وامتدت من غرب تونس الحالية إلى جزء من المغرب الحالي، أي إلى وادي ملوية وجزء من ليبيا الحالية حتى حدود إقليم برقة، وتعتبر من أشهر الممالك القديمة للأمازيغ وأكثرها قدما.

وظلت هذه المائدة صامدة للآلاف من السنين، حيث لم تؤثر فيها العوامل المناخية بل زادتها خصوصية من خلال نحت جوانبها، كما بقيت أيضا بنفس آثارها ومعالمها من مغارات اختبأت فيها جيوش يوغرطة النوميديّة وخزانات مياه، ودرج من الحجارة يسهل الصعود والنزول إليها ومنها. وبمجرّد تسلق مائدة يوغرطة، فإنه يصبح من السهل إلقاء نظرة من على سطحها على المدن الحدودية، سواء من جهة تونس أو الجزائر.

أحد المستثمرين يرغب في تطوير المنطقة، لكنه يواجه مشاكل روتينية عطلت عمله مثل أخذ تصريح للبناء من قبل وزارة الثقافة

وقال يوسف الزغلامي، الناشط بالمجتمع المدني في مدينة قلعة السنان، “القائد يوغرطة لفظ معناه كبير القوم. ولد عام 160 قبل الميلاد وأقام في هذه المنطقة سنة بعد محاصرته من قبل القائد الروماني ماريوس، ثم قبض عليه بعد حرب طويلة بخيانة من زوج والدة يوغرطة ملك موريتانيا بوكوس”.

ولم يتمكن ماريوس في بادئ الأمر من الوصول إلى القائد النوميدي يوغرطة، باعتباره كان متحصنا بهذه القلعة الجبلية، التي تضم خزانات مياه سواء للدواب أو للإنسان، وفيها مساكن نوميدية تعود إلى أكثر من ألفي سنة، فضلا عن المعبد ومقام لأحد الأولياء الصالحين، وهو دليل على تعاقب العديد من الحضارات على هذه المنطقة الجبلية”.

ويتابع الزغلامي، “هو جبل شاهق منحوت من جميع النواحي، وكأن يد الإنسان هي من نحتته، لا يمكن الصعود إليه إلا عبر ممر ضيق جدا، وهو عبارة عن درج متكوّن من 150 درجة”.

وبحسب الناشط، فمائدة يوغرطة تعتبر ذات رمزية كبرى تكمن في أنها منطقة ثرية أساسا بالتراث إلى اليوم، وهو باد على أهلها سواء من خلال الشعر الملحن أو من خلال اللباس والسكن”.

ومن جهته، قال طارق النصايبي كاتب عام جمعية يوغرطة (إحدى الجمعيات التي قامت بأنشطة على مائدة يوغرطة)، “نرغب في المنع التام لدخول الحيوانات للرعي بهذه المنطقة، فضلا عن تنظيف المغارات الموجودة بالمائدة حتى تكون مناسبة لاستقبال الأنشطة، إضافة إلى تهيئة الموقع مما يخلق فرص عمل بسيطة لأهالي المنطقة”.

وأضاف، “قامت جمعيتنا في 2013 بنشاط يحمل عنوان ‘مائدة يوغرطة تراث وأصالة’، أحضرنا فيه خيما ومعارض لحرفيين، وكانت هناك عروض فروسية وملتقيات ثقافية. لقد كان بالفعل يوما متنوعا على المستوى الثقافي والحضاري والتاريخي، أعطى لمحة أخرى عن تراثنا”.
معلم تاريخي تحول إلى مرعى للأغنام

وعن كيفية تطوير المعلم قال النصايبي، “قدمت الجمعية دراسة بسيطة لوزارة الثقافة، التي وعدتنا بدورها بالمساعدة في إعادة تأهيل المغارات. ومن جانبها تعهدت البلدية أيضا بالمساعدة، ونحن بصدد العمل على تحفيز سكان المنطقة للتطوع من أجل جعل هذا المكان أجمل”.

وبحسب النصايبي، “هناك أحد المستثمرين يرغب في تطوير المنطقة المحيطة بالمائدة، لكنه يواجه مشاكل روتينية مثل أخذ تصريح للبناء من قبل وزارة الثقافة، لأن المنطقة قد تكون تضم آثارا ذات قيمة تاريخية كبرى”.

مقداد إسعاد رئيس جمعية يوغرطة للاندماج المغاربي قال إن “مائدة يوغرطة معلم يجمع بين التاريخ والموقع الجيواستراتيجي والأحداث التي عرفتها المنطقة الحدودية، وهي معلم فريد من نوعه في أفريقيا يستحق أن يحظى بالاهتمام ليصنف تصنيفا عالميا من قبل اليونسكو، وهو ما نعمل عليه في جمعيتنا”.

وأضاف إسعاد أن “الحدود الجزائرية التونسية مليئة بالرموز بدءا بمنطقة غار الدماء من ولاية جندوبة بالشمال الغربي، والتي تركزت فيها القيادة العامة للجيش الجزائري في حرب التحرير، مرورا بساقية سيدي يوسف التابعة لولاية الكاف، التي سقط فيها ضحايا من الجزائريين والتونسيين خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وصولا إلى سبيطلة من ولاية القصرين وسط غرب البلاد، ذات التاريخ الكبير، والتي كان فيها مقر القيادة الجزائرية في ثورة التحرير(من 1954-1961) ضد الاستعمار الفرنسي الذي احتل البلاد سنة 1830”.

وواصل رئيس جمعية يوغرطة للاندماج المغاربي حديثه قائلا “نحن نعمل على استغلال هذه الرمزيات للتقريب بين الشعوب من ناحية، ونسعى إلى حث السكان والمستثمرين والسياح على تثمين هذه الطاقة وتحويلها إلى عوامل حياة كريمة لأهالي المنطقة من ناحية أخرى”.

وأضاف “المكان ساحر وجميل ومليء بالرمزية التاريخية، حتى أن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة اتخذ فيه قصرا محاذيا لمائدة يوغرطة، لما يوحي به المكان من علو وعظمة”. ووفق رئيس الجمعية، فإن “مسألةَ التقدم بملف إلى اليونسكو بغاية إدراج هذا المعلم على لائحة التراث العالمي يحتاج إلى إجراءات طويلة ودعم من أطراف عديدة من بينها الجمعيات والمؤسسات الحكومية”.

20