ماتت الأغاني ومات المغني

الجمعة 2014/03/07

ربما، كان على “أبو عرب”، المغني والشاعر الشعبي الفلسطيني الذي توفي أخيرا في مخيم “العائدين” بمدينة حمص السورية، أن يموت الآن وفي هذه اللحظة بالذات من عمر التراجيديا الفلسطينية، ولا أعني بالتراجيديا ما يحصل اليوم للفلسطينيين في سوريا من قتل وتشريد واعتقال وتجويع وحسب، إنما تراجيديا تمزق الهوية الوطنية الفلسطينية وتفتيتها وغياب الدور الذي لعبته منظمة التحرير الفلسطينية في ترسيخ الهوية الفلسطينية خلال العقود الماضية والمآل المأساوي الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية عموما، ليس منذ أوسلو فقط وإنما منذ هزيمة المنظمة عسكريا وسياسيا في صيف عام 1982 على إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان وخروج المنظمة من دول الجوار إلى تونس والبلاد العربية الأخرى البعيدة عن فلسطين.

لم أكن يوما من عشاق أغاني “أبو عرب” كما لم أكن من عشاق الدبكة وأنواع الفولكلور الشعبي الذي يقدم على المسارح؛ لكني استمعت إلى أغاني “أبو عرب” المسجلة ولم يصادف أنني قابلته أو كنت حاضرا في أي حفلة من حفلاته.

أغاني أبو عرب تنتمي إلى نوع الحنين المرّ إلى الوطن المفقود يساعدها في النشيج صوته الحزين، كما ترفعها الكلمات والرموز الوطنية المرتبطة بذاكرة المشرّدين من فلسطين إلى مراتب من الحزن الفلاحي الذي ظلّ طوال عقود النكبة يُذكر بأشجار التوت والليمون والتراب والحصان والبيت العتيق بلا أمل للعودة إلى هذا الفردوس الذي راح إلى غير رجــعة.

وقد تكون أغاني أبو عرب ماتت قبل أن يموت المغني؛ فجيل النكبة ما بعد رحيل الجيل الأول، لم يعد يرى في تلك الذكريات غير مجال للتفجع والبكاء والنشيج الذي لم يعد صالحا ليخلق نوعا من التواصل الحيّ مع الوطن كما عرفه الجيل الأول. وخاصة بعد أن رَضي الفلسطينيون، رسميا، بجزء من أرض فلسطين التاريخية.

ما أصاب اللاجئين الأوائل الذين تحكي لهم وعنهم هذه الأغاني خيبة ما بعدها خيبة وصاروا بعد جملة الحلول التي قدمتها اتفاقيات أوسلو، لاجئين للمرة الثانية.

في هذا الواقع الفلسطيني المتفسخ صارت أغاني أبو عرب نتاجا لواقع ماض حزين لكنه مرتبط بالمكان الأصلي، الذي تغير الآن ليصبح أكثر حزنا ونحن نرى شباب اللاجئين في مخيمات لبنان يعتصمون ويتظاهرون ويرفعون مطلبا واحدا لا غير وهو الهجرة إلى أي مكان آمن يقبلهم في بلاد أوروبا الواسعة.

كاتب ومخرج سينمائي من فلسطين

15