ماتت القومية العربية فبعث الإسلام السياسي

الاثنين 2017/06/05
اللعبة تتغير: من إلقاء إسرائيل في البحر إلى توقيع اتفاقية سلام معها

القاهرة - تمر اليوم خمسون سنة على هزيمة العرب في حرب 1967، فماذا فعلت بكم الحرب يا عرب؟ ندعوها نكسة، نسميها هزيمة، نتلطف فنقول “كانت كبوة جواد ما تلبث أن تُنسى”، لنقل ما نشاء.. إلا أن الحقيقة تظل أن عرب ما قبل 67 لم يعودوا هم عرب ما بعدها.

ما نتائج الهزيمة؟ كثيرة، أولها أن الفكر القومي العربي الوحدوي الذي ساد في ستينات القرن الماضي تلقى ضربة قاصمة، فلم نعد نسمع كثيرا شعارات مثل “الوحدة العربية” أو “الاشتراكية العربية” أو “تذويب الفوارق بين الطبقات” أو حتى “العدالة الاجتماعية”، وانقشعت كالغبار أسطورة “الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة”.

تبين للمواطن العربي أن هذه القومية الواحدة لم تكن إلا شعارا رومانسيا لا علاقة له بواقع الحال، وها هي العواصم التي ضجت إذاعاتها ذات يوم بالحديث عنه وترديده، كدمشق وبغداد، تعاني، وأما القاهرة فهاجعة تلعق جراح مشاكلها الداخلية من إرهاب وارتفاع في الدولار وأسعار السلع الأساسية.

النتيجة الثانية للهزيمة، كانت بداية بروز الفكر الإسلاموي المتطرف المفرط في الاستغراق في الماضوية والرغبة في العودة إلى الوراء، وكان هذا أمرا طبيعيا. وكشفت هزيمة يونيو فقدان الجماهير العربية ثقتها في الأنظمة التي تحكمها، وتبين لها أن الخطب الحماسية الرنانة شيء وما يجري على الأرض وفي ميادين القتال شيء آخر.

كان لا بد من إيجاد بديل فكري ووجداني مختلف، فوجدت الجماهير في الفكر الديني الحل المريح اعتقادا منها بأنه الحل المناسب، ونمت في عقول العامة من المواطنين العرب فكرة أن تخلي العرب عن دينهم كان سبب الهزيمة، ومن ثم فإن المخرج من المأزق هو العودة إلى الله وأن “الإسلام هو الحل”. وهكذا يذهب العديد من المحللين السياسيين إلى أن استيقاظ الفكر الإسلامي من رقدته كان أحد أسبابه ما جرى في حرب الأيام الستة.

أدت هزيمة 1967 إلى تراجع فكرة القومية العربية لصالح تيارات الإسلام السياسي التي –بدورها- استغلت الهزيمة بدهاء سياسي كبير، وبدأت في الترويج لفكرة أن القومية العربية خلت من المعين الروحي ولذلك لم تصمد أمام الاعتداء الإسرائيلي، وبالتالي فإن على الدول العربية التمسك بالإسلام بجانب السياسة لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل.

الاشتراكيون رأوا أن سبب الهزيمة عدم التطبيق الحقيقي المخلص للاشتراكية، والليبراليون قالوا إن غياب الديمقراطية واستبعاد الشعوب من عملية صناعة القرار هما السبب، بينما جزم المتدينون بأن السبب هو 'البعد عن الله'

وانتقل بعد ذلك استغلال هذه القيادات للهزيمة والتلاعب بفكرة القومية العربية إلى الترويج لفكرة الجهاد، حيث بدأت تلك التيارات تنشر فكرة مؤداها أن من الأسباب الرئيسية للهزيمة ضعف التدريب العسكري وغياب التسليح والتدريب الممنهج للجيوش العربية، وذلك أمر لا يمكن أن ينكره أحد، ولهذا فعلى الشباب المسلم الراغب في استعادة الأرض وهزيمة العدو أن يبدأ في التدريب العسكري ومعرفة كيفية استخدام السلاح.

سادت حالة من الشك بعد الهزيمة، خاصة أن الشعب المصري أدرك مدى الانفصال الموجود بين القيادة السياسية والعسكرية في عهد عبدالناصر، على الرغم من تأكيدات ناصر العديدة بأن القوات المسلحة المصرية جاهزة لأي عدوان بل وقادرة على أن “تسحق إسرائيل كالحشرة في أي وقت”، وعندما يسود الشك المطلق نفوس الناس فما البديل غير التعاليم الدينية.

كان من النتائج المهمة جدا لهزيمة يونيو تغير رؤية العرب –حاكمين ومحكومين- لطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، وأن ثمة ضرورة ملحة للتفكير بطريقة مختلفة.

ويعتبر بعض المفكرين العرب أن يونيو 1967، وليس مايو 1948، كان التاريخ الحقيقي لنشأة إسرائيل، حيث تدفق عليها المهاجرون اليهود من كل حدب وصوب، وانهالت عليها الاستثمارات الغربية، لكن الأهم من ذلك أنه بعد الهزيمة طرحت إسرائيل مقايضة الأرض مقابل الاعتراف، وهو ما تم تعديله في ما بعد إلى “الأرض مقابل السلام”.

بعد 67 تدافعت الدول العربية المتاخمة لإسرائيل لتوقيع اتفاقيات الصلح المنفردة، (مصر/ إسرائيل وقعتا اتفاقية كامبد ديفيد)، (الأردن/ إسرائيل وقعتا اتفاقية وادي عربة)، (الفلسطينيون / إسرائيل وقعا اتفاقية أوسلو).. وبدأت سوريا سلسلة من المفاوضات طويلة عقب مؤتمر مدريد في أكتوبر 1992، لم تنته إلى توقيع اتفاق سلام كما كان متوقعا، وباتت فكرة “سنلقي بإسرائيل ومن وراء إسرائيل في البحر” في خبر كان.

في كتابه “رؤية سياسية للخارجية المصرية”، قال بطرس بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، إن “هزيمة 1967 أثرت على رؤية الدول العربية لعلاقة الشرق الأوسط بإسرائيل، وبدأت تلك الدول تدرك أنه يجب التوقف عن النظر إلى الشرق الأوسط ككتلة إقليمية واحدة في التعامل مع إسرائيل، بل يجب أن تدرك كل دولة أن علاقتها مع إسرائيل تحكمها ظروف وملابسات مختلفة، فعلاقة مصر مع إسرائيل تختلف عن علاقة الأردن بإسرائيل وسوريا وإسرائيل وفلسطين وإسرائيل، فلكل بلد مساره المختلف الذي يجب أن يتبعه ليصل إلى حلول مرضية مع إسرائيل”.

كانت هزيمة 1967 وراء تراجع الدور الإقليمي لمصر، ولا تزال تداعياته حتى هذه اللحظة. كما أدركت الدول العربية أنه من الصعب للغاية فصل العالم الخارجي عن قضايا الشرق الأوسط، لأن العالم الخارجي له مصالح متشعبة في تلك المنطقة ولن يرضى أن يتخلى عنها مهما حدث، لذلك إذا رامت الدول العربية الوصول إلى حل في الأزمة الإسرائيلية فعليها تقبل الأمر الواقع وإدخال العالم الخارجي كطرف في الحل السياسي، مع اليقين بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حليفتها إسرائيل مهما حدث.

سادت حالة من التوجس العربي بعد الهزيمة إزاء الدخول في حروب غير مدروسة لمساعدة الدول العربية الأخرى، على غرار تدخل عبدالناصر في اليمن على مدار خمس سنوات ما أرهق الجيش المصري واستنزف موارده المالية والبشرية وكان من أبرز عوامل الهزيمة في ما بعد، فالأنطمة العربية أدركت أن لأي تدخل عسكري عواقبه الوخيمة التي يجب دراستها مسبقا حتى لا تتورط كما سبق وتورط نظام ناصر.

واقتنعت الأنظمة العربية بعد الهزيمة أيضا بأن الحروب ليست قاصرة على الجوانب المادية التي تمتلكها القوات المسلحة، وإنما الأهم الأسلوب العلمي في إدارة تلك الموارد المادية للجيوش وضرورة التوظيف السليم للتشكيلات والوحدات العسكرية، بالإضافة إلى أهمية تطوير الأساليب المخابراتية لمواجهة العدو، وهذا ما كان غائبا عن الأمة العربية في أزمة 1967.

على الصعيد الاقتصادي، جاءت الهزيمة المرة كصدمة نبهت الأنظمة العربية إلى ضرورة تدارك أوضاعها الاقتصادية المتدهورة وتعمل على تعديلها، لكن المفارقة أنه بعد أزمة النفط عام 1973، وبعد أن جنت الدول العربية مكاسب كبيرة جراء ارتفاع سعر النفط، تغيرت استراتيجية الدول الغربية الاقتصادية إلى العكس مع الدول العربية، وسعت بشتى الطرق إلى إدماجها في النظام الرأسمالي الغربي عن طريق إقراضها باستخدام البنك الدولي وصندوق النقد، بالإضافة إلى فتح الباب على مصراعيه ليستورد العرب جميع السلع الاستهلاكية الغربية في محاولة لتصدير نمط المعيشة الغربي إليهم.

نتيجة أخرى للهزيمة لا يمكن أن يغفلها متابع وهي ارتباك العقل الأيديولوجي العربي بمختلف تجلياته في تبرير الانكسار، فالاشتراكيون رأوا أن سبب الهزيمة عدم التطبيق الحقيقي المخلص للاشتراكية، والليبراليون قالوا إن غياب الديمقراطية واستبعاد الشعوب من عملية صناعة القرار هما السبب، بينما جزم المتدينون بأن السبب هو “البعد عن الله”.

وهكذا أحدثت الهزيمة صدمة حضارية في الذهنية العربية كلها، وراح كل فصيل يلقي بالتبعة على الآخر.. وهو ما نعانيه حتى اليوم، ويبدو أنه سوف يستمر معنا طويلا.

كاتب مصري

8