ماتريوشكا العربية.. تموت واقفة

الجمعة 2013/10/11

ما زالت المرأة العربية، وخاصة في بعض مناطق الصراع الساخنة، تدور في دوامة أدوارها المتعددة من دون هوادة.

وهي إذ تمارس واجباتها الاخطبوطية داخل وخارج المنزل فإنما تتجاوز بذلك حدود قدرتها البشرية على التحمل، بسبب تشعب الأدوار وتفرعها ودرجة المشقة التي تتكبدها فيها.

وكان علماء النفس البشرية في أجزاء مختلفة من العالم المتحضر، أعترضوا في عقود سابقة على ما وصفوه "بعدم إنصاف المجتمع للمرأة العاملة".. المجتمع الظالم الذي يشدد عليها الخناق ويطالبها بلعب دورين متكاملين في آن واحد كربة منزل وعاملة، مشددين على أن العمل بدوام كامل مع وجود أطفال صغار، أمران لا يتفق وجودهما مع التوازن الجسدي والنفسي للكائن البشري.

لكن علماء النفس هؤلاء لم يتصوروا بأن تتناسل أدوار المرأة في مجتمع ما إلى ما لا نهاية من الواجبات داخل البيت وخارجه.. بمفهوم بعيد تماماً عن النمطية المعتادة التي كانت تحصرها في قوالب اجتماعية معينة؛ تهيمن عليها صورة الأم وربة المنزل أوسيدة المجتمع، في أحسن الأحوال،الغارقة في اهتماماتها النسوية والأنثوية.

المرأة العربية في السنوات الأخيرة، لعبت أدواراً جديدة في شكلها ومضمونها وصارت تغير أقنعتها يومياً لتتناسب وهذه الأدوار، خاصة إذا كانت من دون معيل؛ كأن تكون فقدت الزوج أو الأب أو الأخوة الذكور في كوارث حربية أو خلفتهم وراءها معتقلين في سجون الداخل إليها لا يشبه الخارج منها، أو تلك التي ما زالت تحتفظ بأشلائهم الممزقة في إحدى زوايا المنزل الرطبة بعد أن أقعدهم المرض بسبب حادثة عمل أو زلة لسان.

لا تهم الأسباب؛ فالنتائج الكارثية تحيل أيامها إلى سلسلة من المشقات، فهي تستيقظ قبل أن يتسنى لها النوم لتستأنف عملاً تركته من دون إتمام في آخر ساعات الليل.. فإعداد طعام الفطور تسبقه عادة محاولة الإجابة على سؤال مشروع: هل يمكن أن تتحول فضلات الأمس إلى فطور مناسب للصغار الجائعين دوماً؟ وهل ستتجرأ على الذهاب للمخبز المجاور لهدر آخر قطعة نقدية وشراء بعض الخبز؟.. هل سيذهب الصغار إلى المدرسة بملابس كاملة وكافية لتدرأ عنهم قسوة الشتاء؟.. هل ستترك الكائن المريض وحيداً من دون طعام أو دواء طمعاً في ساعات إضافية من العمل خارج المنزل؟.. هل ستنجح في الاحتفاظ بعملها الإضافي؟.. هل ستسابق الزمن لإعداد وليمة طعام لحساب مطعم في الشارع المقابل، وهل ستحصل على أجورها المتأخرة هذا اليوم أم ستريق ماء وجهها بالسؤال من دون جدوى؟ هل سيجد الصغار طعاماً عند عودتهم من المدرسة؟.. كيف ستنقل أواني المياه الثقيلة من الحنفية الوحيدة التي تعمل في الشارع المقابل؟.. متى ستقوم بأعمال المنزل المتراكمة، في الساعة الأخيرة من النهار أم الساعة الأولى من الفجر؟.. هل ستقطع المسافات الطويلة مشياً على الأقدام لعيادة مريض أوزيارة سجين؟ هل ستواصل ساعات العمل بالسهر خوفاً من المجهول الواقف خلف الباب؟

وهكذا، تتعثر فتنكفئ لتصبح وحيدة ومجبرة على تبديل الأقنعة في كل ساعة، لتساير الواقع اليومي المرير وتصارع من أجل بقائها وأسرتها.. وهي إذ تعيش هذا الواقع فإنها تشبه كثيراً ماتريوشكا؛ الدمية الروسية المصنوعة من الخشب التي تخفي في داخلها دمى صغيرة بأحجام متناقصة.. إلا أن ماتريوشكا الروسية أو بابوشكا؛ كما يحلو للبعض تدليلها، دمية باسمة تحمل نقوشاً بألوان مفرحة وترتدي زي المزارعة الروسية الوادعة، الذي يجعلها مقصد جميع السياح حين تسنح لهم الفرصة لزيارة روسيا.. فالدمية الروسية، سيدة ذات وجاهة وقيمة وهي تمثل صورة الأم وسيدة الأسرة التقليدية، التي يحلو للبعض أن يحتفظ بها كتذكار من رحلة سياحية سعيدة.

أما ماتريوشكا بنسختها العربية.. فهي لا تجتذب السياح ولا تصلح لتزيين الطاولات في قصور الأثرياء.. لأنها دمية أحادية اللون لا تحمل نقوشاً ولا تتقلد ملامح باسمة.

ماتريوشكا العربية، تستيقظ في الصباح ككائن جسدي واحد ثم تبدأ تدريجياً بكسر قالب الدمية والخروج في أشكال متتابعة لممارسة أدوار مختلفة، تزداد تعقيداً مع تتابع دوران عجلة الصراعات السياسية؛ فتخوض في مجالات مهنية جديدة وغير مسبوقة وتتعرض للعديد من التحديات في المنزل والعمل.. وهي إذ تفقد توازنها في كثير من الأحوال وانسجامها مع محيطها القاسي، بعد أن تطول مدة تعرضها للمشقة، فإن هذا يجعلها مستهدفة بشكل متزايد للاصابة بالأمراض النفسية المستعصية إضافة إلى الأمراض الجسدية أو ال"نفسجسمية"، كما هو التعبير الدقيق الذي درج علماء النفس على تبنيه في مثل هذه الحالات المستعصية.

المهم، أن ماتريوشكا قلما تعترف بذلك.. فتجّملها بالمرض يعني ضياع مزيد من الفرص في دوامة الصراع من أجل البقاء، ولهذا فقط تموت بابوشكا العربية، في أحيان كثيرة، وهي واقفة.

21