ماتيس وتيلرسون وماكماستر وهالي: الأربعة الكبار في فريق ترامب

عكست مجموعة من القرارات والمواقف التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبيل انتهاء مدة المئة يوم الأولى له في الحكم تحولات خصوصا على مستوى السياسة الخارجية، في تأكيد لدعوة بعض الخبراء من بينهم المحلل في مجلة شؤون خارجية ماثيو كرونيج إلى التأني في إصدار الأحكام على إدارة ترامب، بالنظر إلى الوضع الذي ورثته عن إدارة أوباما.
الأربعاء 2017/04/26
فريق المرحلة

واشنطن – يرى معارضو دونالد ترامب أن الرئيس الأميركي برهن خلال المئة يوم الأولى من حكمه على عدم قدرته على الحكم واعتماده على إجراءات تنفيذية أحادية غير متزنة، من ذلك حظر دخول مواطني سبع دول إسلامية إلى الولايات المتحدة الأميركية. ويؤاخذ المعارضون أيضا على ترامب تأخره في إعادة هيكلة مجلس الأمن القومي وفشله في إبطال نظام الرعاية الصحية “أوباما كير”.

في المقابل، يؤكد مؤيدو ترامب أن الوضع الذي تركه الرئيس السابق باراك أوباما يحتاج أكثر من مئة يوم لوضع خطوط إصلاحه، مشيرين في الوقت نفسه إلى أن دونالد ترامب، الذي ينهي يوم 29 أبريل 2017، مئة يوم في البيت الأبيض، حقق خلال هذه المدة الكثير، بل وفعل ما لم يتمكن أوباما من فعله على مدى سنوات وتحديدا في ما يتعلق بالسياسة الخارجية.

وما تحقق على مستوى تعديل بوصلة السياسة الخارجية أمر يعترف به حتى من عارضوا وصول ترامب إلى سدة الرئاسة، من هؤلاء وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر الذي قال إن رئاسة ترامب يمكن أن تمثل “فرصة غير عادية” للسياسة الخارجية الأميركية.

استوقف تصريح كيسنجر الباحث ماثيو كرونيج، الذي نشر في أحد أعداد مجلة شؤون خارجية “فورين أفيرز”، التي تصدر كل شهر عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، تحليلا مطولا رصد خلاله التطورات الحاصلة في الإدارة الأميركية خلال المئة يوم الأولى لترامب، الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية.

ابتدع تقليد المئة يوم الفرنسيون واتخذه الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت (1933-1945) كمقياس لتقييم أداء الإدارة الجديدة في فترتها الأولى وما تخلفه من انطباعات أولية بشأن سياستها وتوجهاتها.

ورغم أن ما يحدث خلال هذه الفترة التي تتجاوز الثلاثة أشهر بقليل نادرا ما يسهل الحكم على مدى فشل أو نجاح الرئيس الجديد، إلا أن الإطار العام الذي يأتي في سياقه هذا الرئيس قد يساعد على تحديد بعض ملامح ولايته، خصوصا عندما يأتي في فترة مضطربة.

عندما أطلق الفرنسيون تقليد المئة يوم كانت بلادهم تمر بفترة مضطربة. عاد نابليون بونابرت إلى الحكم من جديد في شهر مارس 1815 قبل أن يتكبد هزيمته النهائية وينتقل إلى منفاه الأخير بعد مئة يوم. أيضا روزفلت عندما أرسى هذا التقليد كان قد تسلم رئاسة الولايات المتحدة الأميركية وهي تنوء تحت وقع تداعيات أزمة الثلاثينات الاقتصادية التي ارتبطت بالانهيار المفاجئ لقيمة الأسهم ببورصة وال ستريت بنيويورك.

جاء هذا التقليد بعد أن عقد الكونغرس، بدعوة من روزفلت، جلسة استثنائية استمرت مئة يوم دون انقطاع. انتهت الجلسة في اليوم المئة وقد تم تمرير 15 قانونا تمكنت من خلالها الإدارة الأميركية من إعادة بناء النظام المصرفي المنهار بل ورسم ملامح السياسة الأميركية الاقتصادية الجديدة في ذلك الوقت والمسيطرة على العالم اليوم.

لم يكن الوضع آمنا عندما تسلم الشعبوي دونالد ترامب المشعل من أوباما، بل كان ذلك أحد أسباب وصوله إلى الرئاسة، ويؤكد الخبراء أنه لو لا الوضع الذي وصلت إليه السياسة الأميركية في عهد أوباما وقبله جورج بوش الابن، بالإضافة إلى الفوضى العالمية التي ارتبطت بالسياسات الأميركية خلال العقود الأخيرة ما كان ترامب وصل إلى البيت الأبيض.

ميراث ترامب

يقول ماثيو كرونيج إنه لقياس مدى نجاح السياسة الخارجية لأي رئيس يجب مشاهدة ما حققه الرئيس الذي سبقه من نتائج وفي حالة إدارة ترامب نجد أن فرصتها ضعيفة.

ترك أوباما وضعا أكثر خطورة وسوءا في أوروبا وآسيا وفي الشرق الأوسط من ذلك الذي ورثه هو عام 2009، وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية تعيد روسيا رسم خارطة أوروبا تحت تهديد السلاح، وفي القارة الآسيوية صادرت الصين الأراضي المتنازع عليها من قبل حلفاء الولايات المتحدة.

ماثيو كرونيج: الرئيس دونالد ترامب ورث من الرئيس السابق باراك أوباما نظاما عالميا متداعيا

واتبعت إدارة أوباما سياسة “الصبر الاستراتيجي” مع كوريا الشمالية. ووفقا لتقديرات الخبراء، تمتلك مدينة بيونغيانغ الآن ما يصل إلى 21 صاروخا حربيا وهي في طريقها أيضا للحصول على قذائف نووية يمكن أن تضرب بها الولايات المتحدة.

وتبقى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أسوأ إخفاقات إدارة أوباما حيث أشرفت على تفكك المنطقة بالكامل وصعود تنظيم داعش، وفشلت في العراق وليبيا وسوريا واليمن. كما فشل أوباما في ردع إيران وصد دعمها للجماعات الإرهابية.

وعلى الرغم من أن الاتفاق قلّص من النشاط النووي لإيران، إلا أنه خلق مشكلة خطيرة للرؤساء الأميركيين المستقبليين الذين سيتعين عليهم معرفة ما يجب القيام به عندما تنتهي صلاحية هذا الاتفاق خلال عقد من الزمان.

تركت السنوات الثماني الماضية في كل منطقة من مناطق العالم الهامة للولايات المتحدة أعداء وحلفاء متوترين وفوضى عارمة. قد تكون البيئة الدولية الحالية أسوأ ما يمكن مواجهته لأي رئيس جديد منذ الحرب الباردة، ولكن ربما تسمح تلك الظروف لترامب بتحسين موقف الولايات المتحدة بشكل كبير.

ويرى كرونيج أن نجاح ترامب في أن يضع الأشخاص المناسبين في المناصب سيجعل إدارته قادرة على تصويب هذا النظام المتقلب.

ويضيف أن الكثير من التصريحات حول السياسة الخارجية المثيرة للجدل التي أدلى بها ترامب فور توليه الرئاسة تتناغم في الواقع بشكل كبير مع السياسة الأميركية. وإن كان ترامب قد كسر بعض التقاليد من خلال تصريحاته، فقد فعل ذلك في الكثير من الأحيان بدافع تعزيز الحاجة إلى التغيير.

لا يمكن للرئيس أن يتنبأ بجميع أزمات السياسة الخارجية التي سيواجهها، ولكنه بالطبع يستطيع أن يختار فريق العمل الذي سيقف بجانبه ويدعمه كما وعد ترامب خلال حملته الانتخابية، فقد جمع فريقا من “أفضل وأمهر” ما يمكن للولايات المتحدة أن تقدمه.

يأتي في المرتبة الأولى وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار الأمن القومي هيربرت ماكماستر الضابط العسكري الأكثر نفوذا من بين ضباط جيله، وهما ليسا فقط قائدين استثنائيين، ولكن لهما أيضا رؤية استراتيجية بعيدة المدى. أما وزير الخارجية ريكس تيلرسون فقد شغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل النفطية لأكثر من عقد من الزمان.

بالدوران حول طاولة مجلس الأمن القومي نتعرف على مجموعة أخرى من الساسة المتميزين نذكر منهم نائب الرئيس مايك بينس، والسفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هالي، ومدير المخابرات الوطنية دان كوتس، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو، وبريان هوك الذي عُيّن مدير إدارة السياسات في وزارة الخارجية وجون هانتسمان وهو حاكم ولاية يوتا السابق ومرشح ترامب كسفير في روسيا، حيث كانا من ذوي الخبرة ويحظيان باحترام كبير كموظفين للخدمة العامة.

لا ينفي ماثيو كرونيج أن فريق ترامب المميز، مثله مثل أي إدارة جديدة له بعض الأخطاء، من ذلك أنه عمل على موضوع حظر السفر إلى الولايات المتحدة بشكل غير منظم، وهو خطأ غير مبرر كان دافعه تعزيز أمن الحدود وإصلاح نظام الهجرة.

لكنه يرى أن الفريق كافح للإبقاء على مبدئه. ويبدو أن ترامب بدأ رؤية الصورة بشكل صحيح. يتغير العالم بسرعة ويجب على واشنطن التكيف مع تلك التغييرات إذا أرادت النجاح. وربما تماشي ترامب مع تلك التغييرات قد يحسّن من وضعه، ويضعه في مكان يسهل من خلاله الإشراف على إعادة تنشيط السياسة الخارجية الأميركية.

دعم الحلفاء

منذ تنصيب ترامب أظهرت إدارته أيضا دعما قويا لحلفاء الولايات المتحدة. وجعل ماتيس من سيول وطوكيو أول محطتين لزيارة أحد مسؤولي مجلس الوزراء. واستضاف ترامب رئيس الوزراء الياباني شينزو أبي لقضاء عطلة نهاية الأسبوع بقصر مار لاجا بفلوريدا في محاولة منه لتعزيز التزامه تجاه القارة الآسيوية.

أبدى ترامب اهتماما كبيرا بمبادرة التعاون مع روسيا، وسعى كل من بوش وأوباما إلى توثيق العلاقات مع بوتين، ولا شك أن المزيد من التعاون من الممكن أن يعزز من المصالح الأميركية. ومع ذلك، يتحمل بوتين مسؤولية ذلك البرود الذي اعترى تلك العلاقة في الآونة الأخيرة.

وأكد ترامب أنه لن يضغط من ناحيته لإنعاش تلك العلاقة من جديد، ووعد بدعم حلف الناتو وتعزيز الوضع النووي للولايات المتحدة. واستنجد بخصوم بوتين وعيّنهم في أهم مناصب مجلس الأمن القومي، على سبيل المثال عيّن فيونا هيل، الباحثة بمعهد بروكنغز بواشنطن، كمديرة البيت الأبيض لشؤون أوروبا وآسيا.

أما في الشرق الأوسط، فهناك مزيج من الترحاب والقلق. يتمثل الترحاب بسياسة ترامب الخارجية في حلفاء الولايات المتحدة كدول الخليج وإسرائيل. ولكن تظل إيران، العدو القديم للولايات المتحدة قلقة وحذرة.

وأشار ترامب إلى أنه سيطبق الشروط الصارمة للاتفاق النووي. وسيكافح النفوذ الإيراني المتصاعد في المنطقة. وبدأ ترامب بالفعل في متابعة وعده بشن حملة أكثر عدوانية ضد داعش. وبدأت إدارة ترامب بمراجعة السياسة الأميركية في آسيا تجاه كوريا الشمالية.

تستفيد واشنطن من التجارة الحرة، كما اعترف بذلك ترامب. في فبراير، على سبيل المثال، قال للكونغرس “أؤمن بالتجارة الحرة ولكن يجب أن تكون تجارة عادلة”. والواقع أن واشنطن لا يمكنها أن تجاري الصين والشركاء التجاريين الآخرين في لعبة التجارة، علاوة على ذلك، فإن المعاهدات التجارية القائمة منذ زمن، مثل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، تفتقر إلى أحكام تناسب المعاهدات الحديثة ومعايير التجارة عبر الإنترنت.

من شأن تحديث تلك الاتفاقيات أن يحمي بدوره الملايين من العمال الأميركيين. واشتكى قادة الأعمال في الولايات المتحدة في قطاعات متنوعة مثل الصناعات التقليدية والخدمات الراقية والتمويل والشحن، من أن أوباما باع مصالح تجارية أميركية في المفاوضات بشأن الشراكة عبر المحيط الهادئ لزيادة النفوذ السياسي الأميركي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

على الرغم من أن انسحاب الإدارة من الاتفاقية أفسح المجال للصين فإن تعهد ترامب بإعادة التفاوض حول الصفقات التجارية القديمة وإلغاء صفقات جديدة يمكن أن يمهد الطريق أمام نظام تجاري عالمي يعزز من المصالح السياسية والاقتصادية الأميركية في نفس الوقت.

بدأ ترامب بتصحيح فشل السنوات الثماني الماضية في كل مجال من المجالات للنهوض بوضع الولايات المتحدة بشكل يضمن لها مواجهة التحديات القادمة. ومع وجود ذلك الفريق الذي يمشي وفق خطة السياسات الحالية، ومع الالتزام بوضع استراتيجية أساسية يتم العمل على تنفيذها، يخلص ماثيو كرونيج إلى أن دونالد ترامب سيترك علامة في التاريخ الأميركي كما توقع كيسنجر.

6