مات القذافي بيولوجيا ومازالت قوانينه تسير ليبيا

الخميس 2017/07/20

إن أي تطور حقيقي ينشده بلد من البلدان لا يمكن له أن يتحقق بشكل سحري أو عبر خيالات وأوهام وتصورات أو شعارات جوفاء لا علاقة لها بالواقع، دون أن يكون هذا الطموح مرتكزا على محفزات ومنظومات واقعية متجاوبة مع محيطه ومستجيبا لمتطلباته العاجلة والآجلة. وفي مقدمة هذه المحفزات والمنظومات “منظومة القوانين” التي من خلالها تمارس مؤسسات الدولة أعمالها وتحقق أهدافها.

وحين نتابع مسيرة البلدان التي استطاعت أن تحقق نهضة حقيقية وطفرة اقتصادية نجد أنها تلك التي اتخذت إجراءات جذرية في ما يتعلق بمدونة القوانين لديها. فقامت بمراجعات جريئة لها فعززت ما من شأنه الدفع بعجلة التنمية والاقتصاد إلى الأمام، وأزاحت تلك المتاريس القانونية المتكلسة التي رأت أنها ستعيق حركة تقدمها الطموحة وستجرها إلى الخلف وستعطل اندفاعها الإيجابي وستحبط مشاريعها الكبرى والصغرى على حد السواء. واستصدرت قوانين جديدة فاعلة ومؤثرة ومحفزة على التطور وإحداث النقلة الحقيقية في مسيرة الوطن والمواطنين.

أريد أن أعبُر من خلال هذه المقدمة إلى واقع العديد من القوانين والمؤسسات الرقابية في ليبيا، والتي لن نحتاج إلى بذل جهد أو وقت لنكتشف كم هي مكبلة ومعرقلة لكل طموح يتطلع إليه المواطن في ليبيا بعد أن أحكم الإحباط قبضته عليه.

وبدلا من أن تصبح تلك القوانين والمؤسسات الرقابية عونا ودافعا، أصبحت عقبة كأداء يصطدم بصلابتها وتحجرها كل طموح وتطلع إيجابي.

بدلا من أن تصبح تلك القوانين والمؤسسات الرقابية عونا ودافعا، أصبحت عقبة كأداء يصطدم بصلابتها وتحجرها كل طموح وتطلع إيجابي

إن بلدان العالم وهي تسابق الوقت والزمن حتى تكتمل نهضتها لا تتوقف عن مراجعة قوانينها وتشريعاتها، ولا تتردد في متابعة أعمال مؤسساتها الرقابية لمعرفة هل هي حافز للإنجاز على أكمل وجه، أم أنها تحولت إلى قيود وأغلال؟ فمثلا في مشروع إقامة وحدات سكنية لا يتجاوز إنجازه السبعة أشهر، نجد الإجراءات التي تحتمها القوانين والجهات الرقابية تصل إلى ضعف هذه المدة أو أكثر.

ولعلنا نسمع في دول العالم عما يعرف بسياسة الشبّاك الواحد وهو الذي يختصر جميع المعاملات أمام جهة واحدة تملك صلاحية الاعتماد وإعطاء التصاريح ومنح الأذونات بسرعة قياسية.

في ليبيا تجتهد الجهات الرقابية- ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية- وتبذل جهودا مضاعفة كي تعرقل وتكبل وتستغرق الوقت الطويل من المدة المخصصة لتنفيذ مشروع، وتتدخل في تفاصيل عطاءات ومشاريع وفي ممارسة رقابية سابقة عطلت الكثير من المشروعات قبل أن ترى النور وقبرت الكثير من الطموحات قبل أن يجني ثمارها الناس.

لسنا ضد هذه المؤسسات الرقابية فدورها حيوي وواجب للحفاظ على المال العام وتحقيق الشفافية ومواجهة الفساد، ولكن لا يعني هذا أن تتغول هذه المؤسسات وتتحول إلى مقبرة تدفن فيها المشاريع التنموية بأنواعها كافة ومشاريع المؤسسات والوزارات والشركات والأفراد، على المدى القصير والبعيد.

الكثير من المؤسسات تأثرت سلبا بسبب هذه القوانين المكبلة إضافة إلى الإجراءات السابقة لديوان المحاسبة والرقابة الإدارية، ومن هذه المؤسسات مصرف ليبيا المركزي والمحافظ الاستثمارية والمصارف التجارية ومؤسسة النفط.

ولدى هذه المؤسسات والجهات النية والقدرة على إقامة العديد من المشروعات الطموحة التي من شأنها أن تخفف من معاناة الناس وأن تخرجهم من دائرة الإحباط بعد أن يئسوا من أن يروا بوارق أمل في الأفق.

هذه المؤسسات والجهات التي أشرنا إليها اصطدمت بجبل من القوانين المعرقلة العقيمة وبصخرة من الإجراءات السابقة عن التنفيذ للرقابة الإدارية وديوان المحاسبة، فتعطلت المشاريع الطموحة التي كانت تعتزم إقامتها والتي ينتظرها المواطن بفارغ الصبر.

إن استنزاف المزيد من الوقت والجهد من خلال هذه الأكداس القانونية المعرقلة والإجراءات الرقابية المكبلة لن يقود إلا إلى المزيد من اليأس والإحباط والمعاناة لدى الناس في ليبيا.

إذا كنا نريد الخروج من هذا الواقع المتردي، وإن كنا جادين في التخفيف من معاناة المواطن وإحداث طفرة اقتصادية، علينا أن نسارع بإعادة النظر في جميع القوانين والتشريعات المعمول بها والتي سُنّت وصِيغت وصَدرت في عهد معمر القذافي.

فمن المفارقات أن الليبيين ثاروا على القذافي لكنهم أبقوا على جميع القوانين التي سنها ولم يفكِّروا في إلغائها أو مراجعتها، وهم يدركون أنها وليدة مرحلة تغولت فيها الدكتاتورية وطُوعت فيها القوانين لخدمة واستمرار ذلك النظام الدكتاتوري.

الليبيون ثاروا على هذه الدكتاتورية ومات القذافي موتا بيولوجيا، لكنه قانونيا وتشريعيا لا يزال حيا وموجودا وبقوة من خلال أكداس القوانين التي صاغها، والتي لا تزال تُحكِم قبضتها على سائر مؤسسات الدولة وتشكل المرجعية وتعيق حركة المجتمع.

إن الجهات التشريعية في ليبيا، التي خولها القانون ذلك بموجب اتفاق الصخيرات، مطالبة بأخذ زمام المبادرة وتشكيل لجنة وطنية لإعادة النظر في مدونة القوانين والتشريعات الليبية التي صدرت إبان حكم النظام السابق لاستصدار قوانين جديدة تستجيب لمتطلبات مرحلة ما بعد الثورة، وتتسق مع استحقاقات الحقبة التاريخية التي يعيشها الليبيون والتي تستدعي قوانين متطورة محفزة ودافعة للتطور وللتقدم لا معرقلة ومعيقة.

سفير ليبيا في تركيا

9