مات رستم غزالة: من التالي

الاثنين 2015/04/27

لا يحتمل النظام السوري أي شكل ولا أي مستوى من المعارضة، ولو كانت من داخله، أو من قلب بيته، فهذا نظام تأسس على الطاعة العمياء، وعلى فكرة أن هذه “سوريا الأسد إلى الأبد”، إذ لا مواطنين فيها، وإنما أتباع أو رعية، أو بالتعبيرات الحديثة مجرد “جماهير”، ليست لها أي حقوق، أي أن شغلها فقط أن تصفق للرئيس، وأن ترفع صوره، وأن تهتف بحياته.

منذ البداية تأسّس هذا النظام على القمع المطلق والعاري، وعلى الاستئصال والمحو، لا يشبهه في ذلك إلا النظام البعثي الآخر، أي نظام صدام حسين، ونظام معمر القذافي، وربما أن ما يميزه عن هذين، فقط، أن ذراعه الطويلة جعلته يمارس سطوته على لبنان، أيضا.

مناسبة هذا الكلام الطريقة الغامضة والمريبة والمهينة التي انتهت بها قصة رستم غزالة، الذي كان واحدا من أهم أدوات النظام الأمنية البشعة، والذي كان اسمه يلقي الرعب في قلوب اللبنانيين، وضمنهم الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان. وبديهي أنه لا توجد رواية حقيقية في كل ما نشر حول هذا الموضوع، لأن الرواية الأصلية تحدثت عن خلاف “شخصي” بين اللواء غزالة واللواء رفيق شحادة، رئيس شعبة المخابرات العسكرية، وقيام مرافقي شحادة بضرب غزالة ضربا مبرحا، أدى إلى الإضرار به؛ فبعد ذلك اختفى اللواء غزالة نهائيا من الصورة، إلى حين الإعلان عن وفاته (يوم الجمعة الماضية).

معلوم أن هذه ليست القصة الوحيدة، إذ قبل ذلك بسنوات تم الإعلان عن انتحار اللواء غازي كنعان (عام 2005)، الذي كان حاكما للبنان، ثم وزيرا للداخلية في سوريا، وهي الرواية التي لقيت تشكيكا كبيرا، لاسيما مع ما عرف عن كنعان قربه (وعبدالحليم خدام نائب الرئيس السوري الأسبق) من رفيق الحريري، الذي كان تم اغتياله في ذلك العام أيضا في بيروت. وكانت قصة الانتحار هذه بدأت مع محمود الزعبي، رئيس وزراء سوريا (1987 – 2000) بعد إجباره على تقديم استقالته، لما عرف عن معارضته نقل السلطة إلى بشار (الأسد الابن)، إذ قيل أن الزعبي أقدم على الانتحار في منزله بعد وصول دورية أمنية لأخذه إلى التحقيق.

بين هذه القصص تبرز حادثة “خلية الأزمة” التي قضى فيها اللواء آصف شوكت صهر الرئيس واللواء هشام الاختيار مسؤول الأمن القومي واللواء حسن تركماني رئيس الأركان واللواء داوود راجحة وزير الدفاع، والتي جرى التعتيم عليها في خضم الصراع السوري الجاري، وإخراجها بطريقة مريبة، إذ تم فيها التخلص من حلقة مهمة من القادة الأمنيين.

قبل غزالة وكنعان والزعبي وشوكت والاختيار ثمة كثير من القصص تتعلق بشخصيات بهذه الدرجة أو تلك من الأهمية، في الحياة السياسية السورية، تم إخفاؤهم في السجن أو بالقتل، هذا ينطبق على رئيس سوريا الأسبق نور الدين الأتاسي، واللواء صلاح جديد، الذي كان رئيسا للجنة العسكرية في حزب البعث، ويوسف زعين رئيس وزراء سوريا في الحقبة قبل الأسدية، فهؤلاء تم تغييبهم في السجن، لأكثر من عقدين، ولم يخرجوا إلا بعد أن استفحل المرض العضال بأجسادهم، حيث توفي الأتاسي في 1992، وبعده توفي جديد في 1993.

أما خارج مؤسسة السلطة، وفي ما يتعلق بالمعارضة، فإن نظام الأسد تعامل مع خصومه بطريقة قاسية جدا، إذ تم الحكم على أحزاب عديدة بالاستئصال نهائيا، بقياداتها وكوادرها وأعضائها. هكذا تم، مثلا، اعتقال كل من وصلت إليه يد النظام الأمنية من قيادات وكوادر وأعضاء كل من الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، وفي مقدمتهم رياض الترك، وحزب العمل الشيوعي السوري، إذ تعرض المئات وربما الألوف من منتسبي هذين الحزبين إلى السجن في ظروف صعبة وقاسية لفترات تتراوح بين 10 و20 عاما، وهذا ينطبق على المنتسبين إلى جماعة الاخوان المسلمين، التي دخلت في صراع دام مع النظام في مطلع الثمانينات، مع الفارق أن الحزبين الأولين كانت معارضتهما سلمية، وتقتصر فقط على إبداء الموقف.

ولعل هذه القسوة التي اتسمت بالروح الاستئصالية هي التي أدت إلى بث الرعب في قلوب السوريين، ما جعل من الثورة أمرا مستحيلا، ما يفسر مشاكل الثورة السورية وتعقيداتها ونواقصها، فهي انطلقت من نقطة الصفر بالنسبة إلى التجربة السياسية والحزبية والنضالية.

وكما قدمنا فإن سطوة نظام الأسد الاستئصالية شملت، أيضا، الفلسطينيين واللبنانيين. فالفلسطينيين تعرضوا إلى ذات القمع، وحتى فصائلهم ظلت تخضع لعلاقات السيطرة، لم يخفف منها إلا الهامش الذي تتيحه القضية الفلسطينية، وطريقة الزعيم الراحل ياسر عرفات في العمل والمناورة، علما أن قصة القرار الفلسطيني المستقل كانت أشهرت من قبل أبي عمار، وحركته فتح، في وجه النظام السوري، الذي كان يريد السيطرة على الورقة الفلسطينية، وبالنتيجة فإن هذا التجاذب بين فتح والنظام السوري أدى إلى قيام النظام بطرد ياسر عرفات من دمشق عام 1983، واعتقال معظم كوادر حركة فتح في سوريا، ودعم الحركات الانشقاقية الفلسطينية، إلى درجة تشجيعها على خلق بدائل عن منظمة التحرير، وعن حركة فتح.

في لبنان كانت الصورة بالغة القساوة، فقد أحكم النظام الأمني السوري قبضته على لبنان، منذ دخول جيشه (1976)، هكذا بات محمد غانم، ثم غازي كنعان، ثم رستم غزالة بمثابة حكام سوريين في لبنان، يتحكمون بكل شاردة وواردة فيه، مع كل ما يسم ذلك من علاقات الابتزاز والفساد والتخريب.

هكذا تصادمت إرادات كثير من اللبنانيين مع النظام السوري، ونتيجة ذلك فقد غصت السجون السورية في البقاع أو في سوريا بآلاف المعتقلين أو الموقوفين اللبنانيين، لسبب أو لآخر، كما جرى تخريب الحياة السياسية والحزبية في لبنان. وفوق هذا وذاك، فإن الطبقة السياسية اللبنانية تعرضت للتهديد، وبالتالي تعرض بعضها للاغتيال. هكذا تم اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط (1977)، وبعده مفتي الجمهورية اللبنانية حسن خالد، ورينيه معوض الرئيس اللبناني الأسبق (1989)، ثم الرئيس رفيق الحريري (2005) مع الوزير باسل فريحان، وقد ضمت الاغتيالات أيضا سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم ووسام الحسن.

طبعا يمكن تسجيل اغتيال كل من حسين مروّة وسهيل طويلة وخليل نعوس وحسين حمدان (مهدي عامل)، وهم من قادة الحزب الشيوعي اللبناني في نفس الإطار أيضا، بحكم تقاطع المصالح في كل الاغتيالات المذكورة بين النظام وحلفائه.

على ذلك فإن موت أو اغتيال رستم غزالة يطرح السؤال عن من التالي؟ أو إلى متى؟

كاتب سياسي فلسطيني

8