ماثيو ماكونهي فنان ساحر يفعل كل شيء من أجل السينما

السبت 2017/02/25
ماثيو ماكونهي ممثل أسطوري يقهر الإيدز وينقب عن الذهب

عمان- يوصف بآخر عناقيد مبدعي هوليوود، لا يكترث بجماله الخارجي “الجذاب” على حساب تأدية الأدوار الصعبة والمركبة، هو الممثل الأميركي ماثيو ماكونهي الذي خسر الكثير من وزنه لأجل دور البطولة في فيلم “نادي دالاس للمشترين”، الذي حاز بفضله على جائزة الأوسكار. وليس خسران الوزن فقط ما يقوم به ماكونهي، حيث فعل العكس في فيلمه الجديد “الذهب”، وزاد من وزنه لدرجة أصبح له “كرش” وغيّر في ملامح وجهه، ليظهر في شكل مغاير عن الحقيقة.

يراهن ماكونهي على فيلم “الذهب” الذي أخرجه ستيفن جاهان، ليعود به للمقدمة، وهو المركز الذي فقده منذ فيلم “نادي دالاس للمشترين”، ومسلسل الجريمة الشهير “المخبر الحقيقي” في العام 2014، حيث أن بعض المراقبين يعتبرون أن ماثيو لم ينجح بالفترة الماضية في فيلميه “ولاية جونز الحرة”، و“بحر من الأشجار”.

إصرار بلا حدود

التاريخ السينمائي يذكر أن من بين المرشحين للأوسكار في الدورة التي حصل على الجائزة فيها ماكونهي، كان النجم ليوناردو دي كابريو عن دوره الرئيسي في "ذئب وول ستريت". ولمن لا يعلم فإن ماكونهي كان مرشحا بقوة لدى المخرج الكبير جيمس كاميرون لدور البطولة في فيلمه الشهير "تايتانيك"، لكن دي كابريو هو من جسده في النهاية

فيلم “الذهب” أظهر ماثيو بشخصية جديدة كليا عليه، من زيادة السمنة إلى التخلي عن “ابتسامة هوليوود”، حيث عدّل في أسنانه أيضا لتصبح غير متراصة بشكل متساو، وكان ‎ ماكونهي قد كشف أن نظام الحمية الغذائية الذي يتبعه يرتبط دائما بالدور الذي يقدمه، إذ عبّر عن ذلك في تصريحات لـ“أي أون لاين” قائلا “أذهب إلى ما يحتاجه الدور الذي أجسده، فلو كان في فيلم حركة أو لاعب كرة قدم أميركية، سأذهب إلى صالة كمال الأجسام وأرفع الأثقال”.

يجسد ماكونهي في الفيلم دور رجل الأعمال “كيني ويلز” الذي يحاول النهوض مرة أخرى في العمل، لينتهي به المطاف في غابات إندونيسيا، بغية البحث عن الذهب، ويشارك ماثيو في بطولة الفيلم كلّ من إيدجار راميريز، وبرايس دالاس، وكوري ستول، وهوارد، كما يشارك ماكونهي في إنتاج الفيلم.

الفيلم مقتبس عن القصة الحقيقية لفضيحة شركات بري أكس للتعدين بكندا في تسعينات القرن الماضي، وقام بكتابة سيناريو الفيلم كل من جون زيمان وباتريك ماسيت.

تم عرض الفيلم في بعض دور العرض بأميركا في الـ30 من ديسمبر 2016، حتى تسنح له الفرصة في المشاركة في موسم جوائز هذا العام، وبدأ عرضه بجميع دور العرض عالميا في 27 يناير 2017، ولا يزال موجودا في أغلب الصالات في أنحاء العالم، نظرا لنجاحه جماهيريا وتحقيقه إيرادات عالية جدا.

الممثل الأميركي الذي يبلغ من العمر الآن 48 سنة، بدأ حياته الفنية في عام 1993، عندما قام أحد زملائه في جامعة تكساس بتقديمه إلى المخرج الكبير ريشارد لينكلايتر صاحب فيلم “الصبا” الشهير، الذي اقترح عليه أن يطلّ في فيلم يدور في إطار المغامرات والكوميديا “في حالة ذهول وحيرة”، وهو العمل الذي لم يحقّق النجاح المطلوب آنذاك، ولكنّه أصبح فيما بعد من أهم الأفلام والإنجازات الأميركيّة، لأسباب كثيرة أهمها اختيار المخرج لينكلايتر في تلك الحقبة مجموعة من الممثلين المبتدئين الذين لم يكونوا معروفين، وأصبحوا اليوم من أهم النجوم العالميّين من حيث الأداء والمهارة، منهم بن أفليك وميلا جوفوفيش وأدم غولدبرغ وبالطبع ماثيو ماكونهي.

في العام 1996، بدأت الأمور تصبح أكثر جديّة بالنسبة إلى ماثيو مع المخرج المبدع جويل شوماخر الذي اختاره لفيلمه “حان موعد القتل”، لأداء دور محام يدافع عن رجل أسود متهم بجريمة قتل في أثناء حقبة عنصرية في تاريخ أميركا، وشاركته حينها البطولة النجمة ساندرا بلوك، وبفضل أداء ماكونهي الرائع في هذا الفيلم، أصرّ عليه المخرج ريشارد زيميكيس للمشاركة في فيلم الخيال العلمي المثير “اتصل” في العام 1997 إلى جانب الممثلة القديرة جودي فوستر، ومن ثمّ اختاره المخرج العبقري ستيفن سبيلبرغ ليلعب دوراً مهما في فيلم “أميستاد”، برفقة كوكبة من نجوم هوليوود منهم أنتوني هوبكنز ومورجان فريمان ونايجل هوثورن. من أهم أعمال ماكونهي السينمائية فيلم “اثنان من أجل المال”، مع المخضرم أل باتشينو الذي تناول عالم المراهنات المثير في بطولة كرة القدم الأميركية، وكان الفيلم من إخراج براندون لانغ.

المتمرد

ارتبط ماكونهي بقصة حب عنيفة مع الممثلة الإسبانية بينلوبي كروز

خاض ماكونهي تجربة الإخراج السينمائي التي لم تنل النجاح الكافي ليقوم بتكرارها، وكانت من خلال فيلم “المتمرد” الذي لعب فيه دور البطولة أيضا وعرض في العام 1998. تعامل مع أهم مخرجي هوليوود أمثال روان هوارد في فيلم “أي د تي في”، وجوناثان موستو في فيلم “يو-571”، ونجح في الأفلام التي اتّخذت الطابع الكوميدي الرومانسي، كما في فيلم “مخطط الزواج” إلى جانب جنيفر لوبيز، وفيلم “كيف تخسرين رجلا في 10 أيام” مع كي هدسون، و“الفشل في الإطلاق” بمشاركة سارة جسيكا باركر، وفيلم “أشباح صديقات الماضي” رفقة الممثلة جنيفر غارنر.

ولكن يبقى لكل ممثل سينمائي دور يكون هو الأبرز في حياته الفنية، ويعلق بذاكرة الجمهور أكثر من شخصيته الحقيقية أيضا، فـ”رون وودروف” الدور الذي جسده ماثيو في فيلم “نادي دالاس للمشترين” يعد الأشهر في مسيرته، ونال عنه جائزة الأوسكار في العام 2014، وجائزة الغولدن غلوب لأفضل ممثل درامي، بالإضافة إلى جائزة أفضل ممثل من نقابة ممثلي السينما، فضلا عن فوزه وترشيحه للعديد من الألقاب الأخرى.

خسر ماثيو من أجل هذا الدور حوالي 47 باوندا من وزنه، حيث يكتشف في الفيلم إصابته بمرض نقص المناعة المكتسبة “الإيدز”، وأنه على وشك الموت خلال شهر، في البداية يعيش رون في حالة من الإنكار ممزوجة بالغضب، ويكون غير قادر على تحمل تكلفة الدواء، لذلك يقرر بذل كل السبل المتاحة من أجل إنقاذ حياته.

وسيذكر التاريخ السينمائي أن من بين المرشحين للأوسكار ذاك الحين، النجم ليوناردو دي كابريو عن دوره الرئيسي في “ذئب وول ستريت”، الفيلم الذي شارك فيه ماكونهي بدور ثانوي. ولمن لا يعلم فإن ماكونهي كان مرشحا بقوة لدى المخرج الكبير جيمس كاميرون لدور البطولة في فيلمه الشهير “تايتانيك”، لكن دي كابريو هو من جسده بالنهاية.

ضد الإيرادات

كثيرة هي الأفلام التي قام ببطولتها ماكونهي والتي تحقق الآراء الايجابية بعيدا عن العوائد المالية في دور العرض السينمائية، ومنها فيلم “الطين” الذي عرض في العام 2012، وقدم دراما على مستوى جميل من الإبداع والابتكار بعيداً عن الإسفاف الذي قد يلحق الأذى بأفلام مشابهة، حيث اجتمع طاقم مميز لصنع فيلم شبه مثالي خال بشكل واضح من الأخطاء، وروى لنا قصة جميلة بالإضافة إلى بعض التشويق. “الطين” من إخراج جيف نيكولاس الذي قام بكتابته أيضا، وهو ثالث أعماله السينمائية بعد فلمي “يتخذ ملجأ”، و”قصص بالرجم”، ليثبت هذا المخرج بذلك امتلاكه لنظرة خاصة و إبداع استحوذ عليه ليكرسه في مجال صنع الأفلام الدرامية القوية.

النقد الإيجابي الذي تلقاه هذا الفيلم كان هائلاً، ولاقى استحسان المشاهدين ولكن بنسبة أقل، والمفاجأة الكبرى كانت بأرباحه التي بلغت 28 مليون دولار، وتعد مقدارا ضئيلاً، نظراً للآراء الإيجابية الهائلة التي حصدها الفيلم لمدة طويلة، ولكنها بالرغم من ذلك كانت جيدة نظراً لميزانيته الضئيلة التي بلغت 10 مليون دولار. لم يتوقف نجاح ماكونهي على عالم السينما بل امتد إلى الشاشة الفضيّة الصغيرة، حيث حقق مسلسل الجريمة والإثارة “المحقق الحقيقي” بجزأيه الأول والثاني، نجاحا مذهلا ونال نسبة مشاهدة عالية.

عاشق بينلوبي كروز وترامب

رون وودروف” الدور الذي جسده ماثيو في فيلم “نادي دالاس للمشترين”، يعد الأشهر في مسيرته

ارتبط ماكونهي بقصة حب عنيفة مع الممثلة الإسبانية بينلوبي كروز، خلال فيلم “صحارى” الذي جمعهما في العام 2005، لكنّ العلاقة لم تدم طويلا، وسرعان ما انتهت. خلال حواره الأخير مع برنامج “أندرو مار شو” المذاع على شبكة بي بي سي، صرح ماكونهي برأي مغاير عن آراء الكثير من ممثلي هوليوود المعارضين لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث قال “في الحقيقة لم يعد هناك من خيار الآن، إنّه رئيسنا رغم كل ما يجري، حان الوقت لاحتضان الرجل والتصالح مع فكرة وصوله إلى البيت الأبيض”.

وأضاف النجم الهوليوودي “حتى هؤلاء الذين يعارضون مبادئ ترامب بشدة، ويرفضون الأشياء التي قالها وفعلها، لا يهمّ إذا كنتم اختلفتم معه في الفترة السابقة على طول الخط، حان الوقت للتفكير في كيفية البناء لأنه رئيسنا خلال السنوات الأربع المقبلة على الأقل”. ومع انتشار رأيه هذا، غصت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات التي انقسمت بين مؤيدة ومعارضة، وخصوصا بعد تسليط شبكة “بريت بارت” الإخبارية الضوء عليه، واصفة ما قاله ماكونهي بالرسالة الواقعية.

في هذا السياق، لفتت صحيفة الإندبندنت البريطانية أنّ ماثيو يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن السياسة في أدائه كشخصية عامة، مفضلاً استثمار جهوده في مؤسسة “حافظ فقط على يفين” المعنية بتمكين الطلاب لقيادة حياة نشيطة ومثمرة، واتخاذ خيارات صحية لمستقبل أفضل. ولذلك فإن من أشهر الأعمال الإنسانية التي قام بها ماكونهي، تلك التي جاء عقب إعصار كاترينا، عندما تبرع بثمن سيارته للضحايا، وقال حينها “السيارة تعتبر رفاهية كبيرة بالنسبة إليّ، وأنا قررت التخلي عنها لمساعدة أناس كثيرين يحاربون من أجل البقاء”.

خلال تتويجه بجائزة الأوسكار، أفصح ماكونهي عن أنه يحتاج في كل يوم إلى ثلاثة أشياء، الأوّل هو شيء يؤمن به وهو عبارة عن مثال أعلى. ويقول إنّه يتطلّع دائماً إلى اللّه، ولا يهمّ ما هي هذه القوة العظمى التي تؤمن بها، والتي تقودك إلى النجاح، كما أنّها ترافقك في كل مراحل حياتك من نجاح وفشل، وتشكّل لك نوعا من الأمل لمتابعة مسيرتك.

الشيء الثاني الذي يحتاجه ماثيو ماكونهي هو العائلة، فهو يعتبر أن الصدق شيء من الصعب إيجاده وحين نجده علينا التمسّك به، ويشدّد دوما في لقاءاته الصحافية على أن العائلة هي الشيء الصادق الوحيد في الحياة وهي من تحوّلنا إلى الأفضل، كما أنّها أكثر من يدعمنا في نجاحاتنا ومن يقف إلى جانبنا أثناء انهيارنا، وأضاف ماكونهي أنّ الله اختار هذه العائلة لنا لسبب معيّن لذا يجب أن نقدّرها. أمّا ثالث الأشياء فهو شخص يلاحقه، فيرى ماكونهي أنّه لطالما لاحق الشريحة الأكبر منه بعشر سنوات، وبهذه النصيحة يقول لنا إنه من الصعب الوصول إلى الكمال، ولكن حين نتطلّع إلى أنفسنا ونحاول الوصول إلى أفضل نسخة منّا، حينها لا توجد حدود لقدراتنا.

14