ماجدة نصرالدين.. الخفة في تجلياتها

التشكيلية اللبنانية تجد متعتها في اللعب من خلال الرسم بمفردات غير متاحة دائما، حيث يلتقيها المرء ليتعلم من براءة أن يكون العالم مرئيا من خلال عيني طفل.
الأحد 2019/05/26
رسامة لبنانية انتصرت على غربتها بالرسم

تفضل أن تضع بينها وبين الرسم المتقن مدرسيا مسافة يمكن أن تُرى بالعين المجردة. ليس مهما بالنسبة لها أن تفعل الشيء نفسه دائما. لذلك تراها تعبث بأسلوبها حين تتخلى عنه عائدة إلى الوراء كما لو أنها لا تزال في بدايات تعرفها على الرسم.

يلذ لها أن تكون مشروع رسامة. وهو ما ينعكس على طريقة تعاملها مع لوحاتها.

لوحتها هي مشروع لوحة. هناك ما لم ترسمه بعد. ما رسمته من غير أن ترى ضرورة لعرضه على الآخرين. علاقتها الغامضة بالرسم تدفع بها دائما إلى الشك في قيمة ما تفعله. بالنسبة لها فقد لا تصلح متعتها ميزانا وهي منصفة في أن تمتنع عن عرض الكثير من تفاصيل أسفارها الحالمة على الورق.

سلسلة من التجليات

اللبنانية ماجدة نصرالدين الرسامة التي يلتقيها المرء ليتعلم من براءة أن يكون العالم مرئيا من خلال عيني طفل تجد متعتها في اللعب من خلال الرسم بمفردات غير متاحة دائما. إنها تستخرج تلك المفردات من سطح اللوحة. ليست لديها رغبة في محاكاة شيء أو استعارته. إنها تستجيب لفعل الرسم باعتباره قوة تهبها طاقة استثنائية.

هناك ما يسحرها في إقامة دورات لتعليم الأطفال الرسم. ما الذي يتعلمه الأطفال منها؟ ما الذي تتعلمه من الأطفال؟ سؤالان يمكن النظر إليهما في حالة نصرالدين باعتبارهما سؤالا واحدا.

تعليم الأطفال هو نفسه التعلم منهم. صحيح أنها لم تصل إلى مفهوم “الفن الخام” غير أن بعض تجاربها ينطوي على طابع تجريبي لا يمكن الحكم عليه إلا من خلال التخلي عن الطريقة التقليدية في النظر.

ستكون عملية معرفة ما الذي ترسمه نصرالدين صعبة إذا ما بحثنا عن الموضوع. فهي تؤلف لوحاتها ارتجالا. تلعب الصدفة دورا كبيرا في صنع الشكل النهائي للوحة.

“هل انتهيتُ؟” يمكن للفنانة أن ترجئ الإجابة على ذلك السؤال إلى أن تبدأ العمل في إنجاز لوحة جديدة. لذلك فإن النظر إلى واحدة سيكون ناقصا ما لم تحضر اللوحات التي تشكل سلسلة متلاحقة من التجليات البصرية.

عودة إلى الطبيعة

[ يد نصرالدين تحذف وتضيف. غير أن عينها الخيالية تظل تراقب المشهد. ودوماً هناك ما يزيد وما ينقص.
يد نصرالدين تحذف وتضيف، ودوماً هناك ما يزيد وما ينقص

ولدت عام 1968 بالقماطية، إحدى قرى جبل لبنان. أنهت دراستها للرسم عام 1993 في كلية الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية. بعدها انتقلت للعمل والإقامة في الشارقة وأقامت أول معارضها الشخصية هناك عام 1995 وكان بعنوان “مرايا مهشمة”. ومن ثم أقامت معرضين بعده. الاول عام 2003 بعنوان “مدن بلا أرواح” والثاني عام 2004 بعنوان “حوار بين الماضي والحاضر”. معرضها الرابع أقامته في بيروت عام 2012 وكان بعنوان “يوم احتضنني الوطن”. “فن رسم البومة” هو عنوان معرضها الشخصي عام 2019 وهو تجربة على شيء من الغرابة، غير أنها الغرابة التي تكشف عن جزء غامض من شخصية الفنانة. ذلك الجزء وإن كان يتعلق بشغف من نوع ما بالطبيعة فإنه يكشف في الوقت نفسه عن طبيعة علاقة الفنانة بالرسم.

لا تجد نصرالدين حرجا في أن تخصص معرضا لطائر البوم. ولأنها تحب ذلك الطائر وتفضله على سواه من الطيور ولا ترى فيه نبوءة شؤم فإنها تضع الرسم في خدمته. إنها ترسمه لتعلن عن شغفها الاستثنائي. وهي عن طريقه تسعى إلى اكتشاف ما فاتها من أسرار الرسم. معرضها الذي خص ذلك الطائر بمديحه هو محاولة من أجل أن يلتقط الرسم أنفاسه في منطقة مريحة.

معادلة الحياة والفن

الموضوع لم يكن إلا ذريعة للرسم. هذا ما يفعله الرسامون دائما. غير أن الرسامة قررت هذه المرة أن تصف بشيء من الشاعرية علاقتها الحميمة بذلك الطائر وهي علاقة تحتل جزءا من حياتها. لا بد أن يتذكر المرء هنا الكاتبة السورية غادة السمان وولعها بطائر البوم.

أهمية ذلك المعرض تكمن في أنه المناسبة الأولى التي تظهر نصرالدين من خلالها رغبتها في العودة إلى الرسم. بالرغم من أنني كنت أتوقع أنها ستقيم معرضا لرسومها التي نفذتها بالحبر على الورق. تلك الرسوم التي سبق لي شخصيا أن رأيتها في مرسمها.

عين خيالية تظل تراقب المشهد
عين خيالية تظل تراقب المشهد

تبدو نالله منسجمة مع غربتها. فهي منذ 1995 تشترك في المعارض الجماعية التي تقام في دولة الامارات المتحدة، سواء من خلال بينالي الشارقة أو من خلال المعارض التي تقيمها جمعيات فنية وثقافية واجتماعية متعددة. غير أن صورتها التي علقت بخيالي يوم التقيتها أول مرة لا تمت كثيرا إلى ذلك الانسجام. تلك صورة مختلفة فيها الشيء الكثير من الطفولة وقدر لا يستهان به من الحزن.

إنها صورة المرأة المقتلعة التي تسعى إلى خلق توازن في حياتها من خلال المرأة الفنانة. لقد استندت نصرالدين على الفنانة التي تقيم في أعماقها لتنقذها من شعورها الساحق بالغربة. وكما أرى فإن الحياة التي رمتها خارج بيئتها وهبتها الرسم طوق نجاة فصارت من خلاله ابنة يومها الذي يتجدد في نهار، صارت الفنانة بسبب طول الإقامة تفكر فيه بالطريقة التي يفكر بها أبناء البلد فيه. 

غير أنها لا تنتمي في فنها إلى أي من الحاضنتين. فهي ليست لبنانية وهي في القوة نفسها ليست إماراتية. يهبها فنها هوية شخصية خاصة. إنها ابنة ذلك السؤال المعذب الذي يظل قلقا “مَن إين وإلى إين؟” ومن يتأمل لوحاتها لا بد أن يصطدم بجدار الحيرة. وهو الجدار الذي قفزت عليه ماجدة نصرالدين حين قررت الانحياز إلى حياتها.

لقد انتصرت الفنانة لحياتها من خلال الفن. تلك معجزة ما كان من الممكن أن تقع لولا الإيمان والثقة بالفن.         

يمكن النظر إلى تجربة نصرالدين من جهة نفيها للأشكال. فأنت لا ترى في لوحات الفنانة علامات أو إشارات تعينك على فهم شيء مما يجري. لا تستعير الفنانة من الواقع خرائط طرق، يتمكن المتلقي من خلالها من الوصول إلى المعنى. فهي لا تروم الوصول إلى معنى بعينه. ما يحدث حقيقة هو أشبه بعمليات التنقيب عن الآثار. الفنانة تنقب في سطح اللوحة بحثا عن أثر جمالي ضائع. حين تعثر عليه يكون ذلك بمثابة حدثها. شيء هو أشبه بالخلاصات. تضع الفنانة الوقت كله في خدمة ساعتها.

كل لوحة هي ذكرى

تحذف يدها وتضيف غير أن عينها الخيالية تظل تراقب المشهد. هناك ما يزيد وما ينقص. الميزان لن يكون عادلا دائما. غير أن العين الخبيرة لا تخطئ. الفنانة ترى حياتها كاملة وقد استدرجت إلى ما تحت سطح اللوحة لتكون مرجعا جماليا. يمكننا أن نرى بعد ذلك ما يظهر من تلك الحياة. من لحظات حزنها ومن لحظات فرحها. لقد صنعت نصرالدين من لوحاتها مكائد صغيرة، من خلالها اهتدت إلى الضائع من حياتها. لقد حققت بخفة فكرة أن تكون موجودة داخل عملها من غير أن ترهق المتلقي بذكرياتها. كل لوحة تستدرج متلقيها إلى مكان في ذاكرة الفنانة.    

ماجدة نصرالدين هي نوع من الفنانات اللواتي يتطلب النظر إلى أعمالهن استعدادا للمشاركة والتفاعل مع ذكريات، تكمن لذة الشعور بها في غموضها. إنها فنانة بارعة في صنع الأحلام. وهي تمر خفيفة كما لو أن شيئا لم يقع.  

9