ماجد الأنصاري شاب غير عادي يفتح أبواب مستقبل السينما في الإمارات

السبت 2018/02/10
صاحب \"زنزانة\" الفيلم العربي الأكثر مشاهدة حول العالم

درس الإخراج، ثم لم يكتف به، فاتجه للتخصص في مجال الموسيقى، فدرس هندسة الصوت والإنتاج الموسيقي، وكان قد مال إلى هذا الاتجاه في عالم السينما بتأثير من زملائه الذين يعمل أغلبهم في عالم هندسة الصوت. لم يلبث أن أصبح واحدا من بين أشهر الشخصيات الفنية الإماراتية والعربية أيضا في وقت قياسي.

فيلمه هو الفيلم العربي الأول الأكثر مشاهدة في جميع أنحاء العالم، إنه ماجد الأنصاري صاحب “الزنزانة”، الفيلم الذي شغل أذهان مشاهدي شبكة نتفليكس الشهيرة، وحصد إعجاب جمهور كبير من جنسيات متعددة.

لم يكن مساره هذا غريبا. فهو من الأشخاص الذين يمتلكون موهبة حقيقية ويسعون بشتى الطرق إلى تنميتها بالعلم والعمل.

الفرصة الذهبية

تنقل الأنصاري في دراسته ما بين أميركا ولندن ومن ثم عاد إلى وطنه الإمارات، ليبدأ إلى جانب العمل الخاص الذي يقوم به في إنتاج صور متحركة وأفلام أخرى، التطوّع والتدرّب وصولا إلى المشاركة في برنامج “مواهب” في شركة “إيمج نيشن”، الأمر الذي اعتبره الأنصاري بمثابة فرصة ذهبية بالنسبة إليه. يقول عن ذلك “إنه لأمر رائع، فما توفّر لي في برنامج مواهب لم يتوفر للخريجين الموجودين في المدن العريقة سينمائيا”.

سافر الشاب الإماراتي خلال مشاركته في برنامج “مواهب” إلى عدة مدن سينمائية عالمية ليطلع على أهم الأعمال السينمائية على المستوى العالمي، وتعلم عن قرب كيفية الإنتاج السينمائي، وأدق تفاصيل العملية الإخراجية. وقضى فترة طويلة كمتدرب داخل مكاتب “بارتيسيبنت ميديا” الموجودة في مدينة لوس أنجلس الأميركية، وهو يعتبر أن تلك الفترة هي بداية دخوله إلى صناعة الأفلام بشكل احترافي.

في العام 2011 انضم الأنصاري رسميا إلى إيمج نيشن، الشركة الرائدة في الإنتاج السينمائي بمنطقة الخليج العربي، وكان حينها يقدم المساعدة إلى العديد من الإنتاجات السينمائية الدولية، وأيضا الإنتاجات الإقليمية، ومن بين الأفلام التي عمل بها فيلم “الوباء”، و”من ألف إلى باء”، و”جن”، و”ظل البحر”.

"زنزانة" يحقق الحلم السينمائي

تطوّع الأنصاري في لجنة أبوظبي للأفلام، وعمل في قسم الأفلام الوثائقية، وكان أول عمل قام به هو المشاركة في مؤتمر “ذي سيركل”، وهناك التقى بأهم الشخصيات في مجال صناعة السينما من جميع أنحاء العالم.

من أهم الأعمال التي قدمها الأنصاري هو إخراجه لفيلم “زنزانة” العمل الذي يُعتبر من أبرز المحطات في تاريخ السينما الإماراتية، وهو عبارة عن فيلم نفسي مليء بالإثارة تم تصوير مجمل مشاهده في الأردن، ويندرج تصنيفه تحت أفلام التشويق السينمائي، ويضم مجموعة من كبار الممثلين العرب على رأسهم النجم الفلسطيني علي سليمان، صالح بكري، علي الجابري، منصور الفيلي، الممثلة السعودية عهد، الممثلة الكويتية ياسة، وإياد حوراني.

تدور أحداث الفيلم داخل زنزانة في مكان مجهول بمكان ما في دولة عربية غير محددة. يجد بطله نفسه في ورطة، عندما يدخل عليه ضابط مجنون يكيل له التهم والشتائم ويهدده هو وعائلته، ويشن عليه حربا نفسية هي محور أحداث الفيلم.

العمل الوطني يحمل معاني ثمينة لدى الأنصاري لذلك فقد تطوع في لجنة أبوظبي للأفلام، وعمل في قسم الأفلام الوثائقية، وهناك التقى بأهم الشخصيات في مجال صناعة السينما من جميع أنحاء العالم.

يبحث الأنصاري في فيلمه عن ذوات الناس، معتبرا أن مشاعر أسر الأشخاص لأنفسهم أقسى بكثير من الأسر الفعلي الذي يمكن أن يتعرضوا له، وحبكة الفيلم التي نسجت جيدا، تُبقي المُشاهد مترقبا لأحداثه، متابعا لتحركات أبطاله، متأهبا لما ستحمله اللحظة التالية من مفاجآت، ولعل حركات الكاميرا الانسيابية والمونتاج المحكم للقطات والمشاهد كانت العامل الأكبر في إنتاج فيلم لا يمل مشاهدوه منه على مدى 91 دقيقة.

“زنزانة” من نوع سينما الموقع الواحد، لأن كل أحداث الفيلم تدور في مكان محدد، واستطاع الأنصاري الابتعاد عن الوقوع في فخ الملل، حيث لعب الأنصاري على وتر تنوع التفاصيل في المكان، بحيث أصبحت كل تفصيلة منه وكأنها موقع تصوير سينمائي في حد ذاته.

كسر الأنصاري في السينما التي يقدمها حاجز وحدة اللهجات العربية. فنرى أن كل ممثل عنده يتحدث بلهجته، واستمعنا بتنوع كبير في هذا الخصوص، وعن ذلك تكلم ماجد في تصريح صحافي “جاء اختيار الممثلين عفويا، بصرف النظر عن جنسيتهم أو اللهجة التي يتحدثون بها، فجل تركيزي كان على أداء الممثلين لأدوارهم بشكل جيد، بدلا من محاولة التركيز على لهجة معينة”.

الكثير من النقاد السينمائيين العرب اعتبروا أن بطاقة نجاح الفيلم الذهبية، تجسدت في أداء النجم الفلسطيني علي سليمان لدور شخصية دبان، وتنويعه بين مشاعر الغضب والشر، وتعامله مع سجينه وبقية أبطال الفيلم.

اللافت أن سليمان مزج بين الأداء السينمائي والمسرحي في تمثيله وفقا لما تمليه عليه اللحظة، كالمشهد الذي رقص فيه على أنغام موسيقى المذياع مع شخصية عايدة، والذي يرى فيه النقاد واحدا من أفضل المشاهد التي لن تنسى في الفيلم.

اهتمام عالمي غير مسبوق

فيلم الأنصاري الأول شهد اهتماما كبيرا على نطاق واسع، وذلك مع انضمام عدد من شركات الإنتاج إلى فريق العمل، حيث انضمت شركة “بروليفيك إندبندنت ستوديو آي إم غلوبال” إليه، بعدما حازت على حقوق البيع العالمية للفيلم، وذلك عن طريق شركة “آي إم غلوبال آنثيم” المتخصصة بالأفلام الأجنبية، فيما انضمت شركة “سينيتك ميديا” لتستلم حقوق البيع في الولايات المتحدة.

شارك الفيلم في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية وعُرض في مختلف أنحاء العالم، وكان عرضه العالمي الأول ضمن مهرجان “فانتاستك فيست” في تكساس، إلى جانب مجموعة من أهم أفلام الرعب والتشويق والخيال العلمي، أما العرض الأول في أوروبا، فكان ضمن مهرجان “بي.إف.آي لندن” السينمائي.

بعد نجاحه الباهر، وقّع الأنصاري عقد رعاية وتمثيل مع وكالة “يونايتد تالنت إيجنيسي” لينضم إلى أبرز الشخصيات والمشاهير الذين تمثلهم الوكالة.

النقاد السينمائيون يعتقدون أن بطاقة نجاح فيلم “زنزانة” الذهبية، تجسدت في أداء النجم علي سليمان لدور شخصية دبان، وتنويعه بين مشاعر الغضب والشر.

بداية الأنصاري في إخراج مثل هذه الأفلام كانت موفقة جدا، وان استمر على هذا المنوال ودعمته شركات الإنتاج، فصناعة السينما العربية في المستقبل القريب ستكون في أيد أمينة.

فها هو مايكل غارين الرئيس التنفيذي في إيمج نيشن المنتجة للفيلم يقول إن “الاهتمام الكبير الذي يحظى به فيلم ‘زنزانة’ يعد دليلا واضحا على أهمية الفيلم والنوعية العالية للإنتاجات المحلية التي تقدمها إيمج نيشن، ولا شك أن كلّا من آي إم غلوبال، وسينيتك ميديا، ويونايتد تالنت إيجنسي، تمثل شريكا بارزا ساهم معنا في عرض الفيلم وتمثيل مخرجه الموهوب الأنصاري على المستوى العالمي”.

وصرح أيضا رئيس مجلس إدارة الشركة محمد المبارك بأنه فخور جدا بالتعامل مع الأنصاري، ووصفه بأنه “يمثل برهانا حقيقيا على نجاح الرؤية التي تمتلكها الشركة، إذ عمل بجد واستغل أهم الفرص العالمية وشق طريقه في عالم صناعة الأفلام”.

صناعة السينما في الخليج

يقول الأنصاري عن واقع صناعة السينما في الخليج العربي”عرفت من شباب تخرجوا قبلي أنهم عادوا إلى الإمارات ليجدوا اللاشيء في هذا المجال، في حين أن الفرص التي توفرت الآن لنا جميعا هي بالفعل مذهلة، وقد تم استثمارها في وقت قياسي جدا”.

ويضيف الأنصاري “بسبب أننا لا نزال في خطواتنا الأولى نجد الكثير من الناس الذين لم يدخلوا المجال السينمائي يخلطون في طبيعة عمل كل متخصص في مجال السينما، ومثال على ذلك أن البعض يخلطون في دور المخرج بحيث يعتبرون أن المخرج مصوّر، في حين أنه ليس مصورا أبدا وهذا الأمر قد يكون متوفرا عنده كشخص، بمعنى أنه ربما تعلّم التصوير كما تعلّم التمثيل وباستطاعته القيام بهذه الأدوار، إنما هو كمخرج ليس مصوّرا وليس ممثلا”.

يرى الأنصاري أن ما ينقص منطقة الخليج كما في العالم العربي هو السوق للأعمال التي يتم إنتاجها، فهناك ضعف كبير في التوزيع والتسويق. ومع ذلك فقد حصل المخرج الإماراتي على لقب “أفضل صانع أفلام عن العام 2015”، حين اختارته مجلة “فاراييتي” الأميركية ضمن شراكتها مع مركز السينما العربية في فعاليات الدورة الـ66 من مهرجان برلين السينمائي الدولي.

وعقب فوزه بالجائزة قال الأنصاري ضمن احتفالية أقامها مركز السينما العربية “يشرفني حقا حصولي على جائزة فاراييتي لمخرج العام. أتمنى أن تساعد هذه الجائزة في جذب الاهتمام إلى صناعة السينما في دولة الإمارات، وأن تمهد الطريق لتجارب جادة وغير متوقعة”.

الأنصاري يعتبر نفسه أنه لا يزال في بداية الطريق السينمائي، وهو يجب أن يتعلّم الكثير قبل أن يحدّد عنوانا جديدا لما سيقوم به في عالم صناعة السينما، لأن البناء يتطلب في هذا المجال تواضعا من أجل الاستزادة في العلم والخبرة، ويفضل المتابعة المستمرة لأدق التفاصيل، وإن وقع في الخطأ يسارع إلى التعلّم منه.

دخول الخليج العربي بقوة إلى عالم السينما يفتح الباب لتغير كبير سيطرأ ليس فقط على مستوى الفن السابع والشاشة الكبيرة، بل سيشمل نواحي كثيرة في حياة الخليجيين، ما سيدفع بقوة نحو تنمية الفكر والدخول الحقيقي للحداثة من بوابة الجديد لا من بوابة الشعارات التي أودت بالعديد من المجتمعات في مناطق مختلفة من العالم العربي، وبدلا من أن تكون تلك الفنون والعلوم بوابات للمستقبل، صارت نوافذ على الجحيم الذي تعيشه تلك المجتمعات.

12