ماجد سليمان: الكتابة الحقيقية هي الأدب والأدباء هم رسل التنوير

الأحد 2015/02/15
الكلمات لا تكفي إزاء مدون يجلد علنا بسبب الكلمات

يقف ماجد سليمان في سرده على حواف ما هو مباح، ملاطفا ما هو محرّم، لنراه أقرب إلى لاعب الخفة، إذ ينتقي موضوعاته بحيث يحيل في ما يكتبه إلى ما هو غائب، وكأن النص مجاز لاكتشاف ما لم يتناوله. الروائي السعودي من مواليد مدينة الرياض، وقد صدرت له مجموعة شعرية، وأخرى قصصية، ومسرحية، بالإضافة إلى ثلاث روايات آخرها “طيور العتمة” الصادرة عن دار الساقي، كان لـ”العرب” اللندنية الحوار التالي مع سليمان في حديث عن شؤون الكتابة والشعر والتغيّرات الثقافية التي تمرّ بها المنطقة.

ماجد سليمان يتنوع بين الأجناس الأدبية (شعر- قصة قصيرة- مسرح- رواية)، وكأنه يؤسس لمعالم جمالية خاصة به في كل نوع وعلى حدّ تعبيره فهو يثق بكل الأجناس الأدبية ويؤمن بدورها ويتناغم معها أثناء قراءتها مع ذلك نراه يعقب: “رغم انجذابي الكبير للرواية إلا أن للقصة والشعر والمسرحية تأثيرهما عليّ، في الشعر أبحث عن الموسيقى، النغم الذي لا أجده في النثر، هو نغم ممزوج بدقة الكلمة وروعة اختيار الصورة، في القصة أجتهد لالتقاط ما فات الكثيرين من أبناء السرد، أنظر من أكثر النوافذ الجريئة، مؤمّلا أنها نوافذ لم يفتحها غيري، ولم ير أحد منها ما رأيت، في الكتابة، لا أختار مطلقا، أترك ذلك للإلهام لأنه يجعل الفكرة تلحّ عليّ موحية بالشكل الهندسي أو الجنس الأدبي، لا معنى لكتابة بلا إلهام، لأنها تكون متكلفة جافة حتى لو استخدمت أرق الألفاظ، وأكثر الكلمات أناقة، الكتابة نبع جار بين القلب والروح يجريه الصدق وينقيه الخيال الخصب”.


عوالم غروتسكية


في روايته الأخيرة “طيور العتمة” نقف أمام سرد يكوّن عوالم غروتيسكية شديدة الوحشيّة، ترسم معالم السجن ووحشيته، يرى سليمان أن السجون تبقى مكانا هاما في ذاكرة البشرية، ويضيف متحدّثا عن علاقة الجسد بفضاء السجن وقدرته على الصمود “الجسد البشري الذي يحمل في رأسه عقلا كبيرا، مؤكد أنه سيلاقي من التعب والنصب جراء الفكرة الكبيرة في عقل صاحبه، بل سيشقى الجسد جراء تفكير هذا العقل وطول تأمله، وكثرة أوامره بالمضي في كل درب، لا تحفه سوى الألغاز″.

سرد يكوّن عوالم شديدة الوحشيّة

ويضيف سليمان أن الكتابة بحدّ ذاتها مواجهة سواء لعذاب جسدي أو نفسي أو حتى ذهني، هي أداة تفريغ وتنقية وضماد قوي يحتاجه كل متألم، ويقول “الكتابة الحقيقية هي الأدب، والأدباء هم رسل التنوير، الأدب عمل يطفئ ظمأ الروح ويمتص كل شقاء ذاقته النفس، وترتخي له عروق القلب، وينسيه السياط التي نكلت به، فالعاشق يبرئه الشعر، وتحقنه القوافي بالصبر، ولو أنها في المقابل تزيده لكنها لا تؤلمه بقدر ما تضمّده وتساعده، والحالم تغريه القصة وتجذبه خيوطها إلى معترك درامي فذ، فيجد نفسه في شخصية أو حدث قصصي يعرف ذاته من خلاله أو يرى معنى عذابه فيه، لا توجد كتابة ترضي القلب كالأدب، وهذا إيماني”.


ثورة الكتابة


هل تكفي الكتابة للوقوف بوجه ما يحدث في المنطقة، أي هل يمكن لنص مهما كان جنسه الأدبي أن يقف بوجه شخص يمارس قطع الرأس أو مدوّن يُجلد علنا بسبب كلمات، يجيب ماجد سليمان “هي لن تكون كافية بالطبع لكنها تبقى بداية لكل تغيير، الكتابة الحقيقية ثورة، وقد غيّرت ما لم يغيّره السلاح، وما لم تغيّره الأغاني الوطنية، ولما لم تقدر عليه الخطب الرنانة على الإذاعات والقنوات، القصيدة الشبيهة بالرصاصة، ستمحو كل باطل حين يعيها كل سامع، الصرخة لا تكون صوتا فقط بل هي أداة استخدمتها النفس للإفصاح بشكل خاص عن الغضب وطلب التغيير، هي كذلك تجيء في ملامح شخصية روائية، أو حدث قصصي، تغلي من خلال ذلك كله حياة البشر”.

أما عن الممارسات القمعية والوحشية التي تشهدها المنطقة يضيف “الذي يمارس قطع الرأس أو من يَجلد علنا بسبب كلمات فهو أكثر الناس إقرارا بتأثيرها وخطورتها عليه، وهو أكثر الناس عداء لصاحب هذه الكلمة، وعليه إخماد صوتها لإدراكه الكامل بخطورتها على عرشه، وهذا ما يؤكد أنها تخيفه وتشغل ذهنه، وبالطبع سيكون مسارعا لحزّ رؤوس الشعراء والبلغاء والخطباء، وهذا موجود في التاريخ العربي منذ قرون”.


دم يترقرق


في روايته “دم يترقرق بين العمائم واللحى” نرى سليمان يقف بوجه السلطة والعرف الاجتماعي في محاولة لتفكيك طبيعة المجتمع العربي، ما موقفه من التغيرات التي تمرّ بها المنطقة التي خرجت من ساحة التأمّل إلى الساحات الفعلية لتطالب بما تريد؟ يقول: “الأدب الحقيقي غاضب دائما، حتى في حالة طلب الحبيبة، لولا ثورة الحب التي مرّ بها قيس بن الملوح على ظروف وقته لما وصلتنا قصائده، أتفق معك أن الساحات الفعلية شيء مختلف لكنها ليست وحدها، فساحة التأمل هي من دفعتها وكونتها ونظمتها ورسمت خطة سيرها، وأوقدت جذوة نارها، فالقصيدة كانت تحرّك الجيوش وتحرض على القتال والثأر، وفي عصر المدنية جاءت الرواية لتحوي كل شيء وتبلغ وتوجه وتنذر أيضا، حتى غدت ديوان العصر الشامل والحامل لمعاني المدنية والتحولات الكبرى التي لا تستطيع أيّ أنواع الكتابة الأخرى تحمّلها واحتواءها، اليوم يُفهم مجتمع بأكمله من خلال رواية واحدة خرجت من قاعه أو نزلت من سمائه، هنا جاء مجتمع بأكمله مطالبا بما يريد ولعل رواية البؤساء للفرنسي فيكتور هيجو خير مثال على ذلك”.

الروائي السعودي يؤسس لحضوره على الساحة الأدبية، ويبحث عن هويته السردية الخاصة


الكتابة والمرأة


يرى ماجد سليمان أن الكتابة عن حالة المرأة هي ضرورة ملحة وطلب في تغيير وضعها وهذا هو مبدؤها، وبقدر أقل هي أيضا إعلام بأن هناك من الرجال من هو متألم لأجلها ومشغول بها كونها تكوينه الأسري والاجتماعي، ويضيف “قد لا تأخذ الأم والأخت حقا في مجتمع ما برح يصغي لأصوات خانعة للموروث المتعصب والمتحيز لقناعة القبيلة والقرية والحي، وأعراف لم ينزل الله بها من سلطان، حيث استطاعت هذه الأصوات إقناع السذج من المجتمع أن ذلك من دين الله مستندين على أدلة لا أصل لها ولا داعم لحقيقتها، لذا تكون الكتابة هنا تغييرا نفسيا على الأقل في حالة ضعفت كل محاولات أنصارها، ليخرج للرجل صاحب العقل السليم والمبدأ الكامل في ما يشبه صك براءة ممّا يحصل للمرأة من بخس وتقصير، كان أقوى من نضاله وجهاده”.

يُشار أحيانا إلى نوافل في أسلوب سليمان السردي، كالحكم والأبيات الشعرية كما في “عين حمئة”، كذلك نرى أنه استخدم في “طيور العتمة” تكنيك الكراسات، هل يحاول ماجد سليمان أن يصل إلى تقنيته السردية الخاصة، أم أن الحكاية التي يريد أن يقولها هي التي تحدّد أسلوب السرد، يجيب: “أعشق التنوّع المقرون بالجودة، لا أقبل أبدا أن أكون نسخة مشوهة من غيري حتى لو كلفني ذلك تمزيق أوراقي كلها، التقنية السردية بصمة تخصك وحدك، أُشبهها بعلامة الجودة الملصقة على المنتجات ذات المستوى العالي، هنا أريد لعملي أن يأتي بهيّا زاهيا بخصوصيتي، مطمئنا لحلته التي اخترتها له قبل أن يهبط إلى المشهد الأدبي”.

الكتابة نبع جار بين القلب والروح


صوت الشارع


يستبعد سليمان كلمة مثقف لأنه يرى أنها ليست ذات تحديد واضح ويفضل استخدام “الأديب” كمسمى أوضح وأكثر تنوّرا من غيره، ويضيف “إن لم يكن الأديب صوت الشارع فلا قيمة لما يقدمه ويكتبه، الأديب العضوي يبقى محل تهمة دائما، وقد شهدت المنطقة العربية تكالب التيارات المتشددة والديكتاتورية عليه، واصفة كل ما يقوم به بأنه مؤامرة وعداء، لو كل أديب أعان نفسه وأقرانه على نفس الهدف لما صارت الثقافة العربية في قبضة التيار المتشدّد، أيّا كان شكله، التسلط حاضر أيضا في الأوساط الثقافية ليس حكرا على التيارات الأخرى، مشكلتنا في مثقفينا أنهم يبحثون عن السلطة داخل المشهد الثقافي والأدبي، تجد هذا يريد أن ينعت برئيس الرابطة الفلانية، وذاك يريد أن ينعت بالناقد الفذ، وهذا يريد أن ينعت بالمفكر العبقري، مسميات استهلاكية واستعراضية لا تُحدث أثرا ولا تحرث أرضا للأدب والثقافة، بل إن بعض الأدباء أهمل مشروعه الأدبي وتمسك بمسمى (ناقد) ظنا منه أنها مهنة السلطة، من شدة ما تغلبت عليه حاسة التسلط على الآخرين، وغالبا ليبرّر بذلك إفلاسه الأدبي، لذلك تدهور المشهد الثقافي عربيا، ومع كل هذه الخيبات الثقافية أحيّي الأدباء الحقيقيين الذين ابتعدوا عن المشهد وانشغلوا بإبداعهم القائم على صوت الشارع″.


ظلامية وقسوة


تشهد الشاشات الآن ظلامية وقسوة جسدية تفوق قدرة الكتابة على التخييل، وكأننا نشهد واقعا شديد الواقعية أمامنا، كيف يرى سليمان السبيل أمام الكتابة لتجاوز قدرة ما يحدث على التأثير، إذ أن احتمال انتشار صورة واحدة لقتيل أو مدينة محاصرة قائم، وبإمكانها اختزال مئات الصفحات، يعقب سليمان “لا يوجد في الدنيا ما يفوق قدرة الكتابة على التخييل، بل إن الكتابة سبقت ما يجري بقرون وجاءت بتصوير وتخييل وتنبؤ، حتى أصبح الواقع صغيرا أمامها، أتفق معك أن الصورة بليغة وتثير التأمل، هي فن لوحده، وصوت مستقل عن الكتابة، لكن البشر يبقون في حاجة إلى الكتابة والقراءة كحاجتهم للخبز والماء، الصورة واللوحة فنان عظيمان لكن بالنسبة إليّ لا يشفيان كما تشفي أنهار القصيدة ولا كما تفعل بنا دراما القصة والرواية حين تأخذنا في أراضين لا نمل الركض فيها، فبيت من الشعر بروعة تصويره كان يغيّر مزاج مجتمع بأكمله، وحكاية صغيرة يرويها راع لرفيقه وهما خلف القطعان، التصقت بالذاكرة العربية مدى الحياة، حتى باتت إرثا بشريا ينقل من جيل إلى جيل”.

15