مادبا مدينة الوئام بين الأديان في الأردن

لا فتنة في مدينة مادبا بالأردن بين مئذنة المسلمين وأجراس المسيحيين، فلقد توارث الجميع حبهم لبعضهم البعض، ويتقاسمون الفرح والحزن. وفي المواسم الدينية يتشارك المسيحيون والمسلمون الطقوس، ففي شهر رمضان تبدو المدينة مسلمة بأجوائها الرمضانية فيقيم المسيحيون مآدب الإفطار، ويعيشون تجربة الصوم، ويقيمون السهرات الرمضانية، تلك هي مادبا منذ مئات السنين.
الأربعاء 2017/05/31
الدين لله

يعيش الناس شهر رمضان في مدينة مادبا الأردنية، بنحو يختلف تماما عما يعيشونه في أيّ مدينة أردنية أخرى، ففي مادبا يتشارك المسلمون والمسيحيون الحياة وسط أجواء من التآخي والمحبة.

ويتجلى العيش المشترك في شهر رمضان من كل عام بمدينة مادبا، من خلال تسابق العائلات المسيحية مع العائلات المسلمة على إعداد طعام الإفطار للصائمين، وإعداد الكنائس لموائد الإفطار، واحترام الجميع أجواء شهر رمضان فلا يتجاهر المسيحيون بالإفطار، بل قد يصومون مع الصائمين ويفطرون معهم على مائدة واحدة، وينتشر الشباب المسيحي في شوارع المدينة، قبل الإفطار، ليوزعوا على الصائمين، الذين لا يتسنى لهم الوصول إلى بيوتهم في الوقت المحدد، التمر وقناني الماء.

فسيفساء البشر والحجر

تعدّ مدينة مادبا رمزا للتسامح والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، منذ قرون طويلة، وتقصدها وفود من مختلف أنحاء العالم للاطلاع على تجربتها في هذا المجال والتعلم منها وتطبيقها في بلدانهم.

أنجبت مادبا الكثير من الرجال، الذين ضربوا أمثلة جميلة في العيش المشترك والتسامح والمحبة، لعل في مقدمتهم علاّمة الأردن الراحل روكس بن زايد العزيزي، الذي اشتهر عنه قوله “لا تستغربوا هو قرآن كريم للمسلمين، وكتاب جليل لنا نحن العرب، حفظ لنا اللغة والأخلاق، ورفعنا من قاع الإهمال والنسيان والظلم إلى سدّة الحضارة العليا ووضعنا في مقدّمة شعوب الأرض، وجعل منا أمة وسطا ذات همة، وحسبنا من القرآن الكريم أنه أكّد التسامح الديني من منطلق لا إكراه في الدين”.

وترك العزيزي مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب “أسد الإسلام وقدّيسه”، الذي تناول سیرة الإمام علي بن أبي طالب وأحواله، وطبع مرات عدة وترجم إلی العدید من اللغات العالمية.

حاول الفرنسيون في 1916 استمالة المسيحيين، فأجابهم المسيحيون 'المسلمون إخوة لنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا'

يقول رئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى المهندس غسان الخريسات لـ”العرب” إن مدينة مادبا يصدق عليها الوصف بأنها فسيفساء البشر والحجر، فهي مجمع مسيحي وإسلامي متعايش، منذ 1400 سنة، في جوّ من المحبة والتآخي والعيش المشترك بين مختلف الأديان، وهذا الجوّ يتطور ولا يتغير، فعلى أرضها خليط متجانس من الحضارات، تجد فيها الكنيسة تعانق المسجد، كما أن هذه المدينة كانت طريق مرور الخليفة عمر بن الخطاب لدى قدومه إلى الشام، بعد فتحها.

يلتقط الحديث الناشط الثقافي والاجتماعي حنا القنصل ليروي أن الفرنسيين في العام 1916 حاولوا استمالة المسيحيين وحثوهم على طلب الحماية منهم بإدعاء الخوف من المسلمين، فأجابهم المسيحيون “هم أخوة لنا لهم ما لنا وعليهم ما علينا”.

ولا ينكر أن صراعات نشبت بين أبناء مادبا، في وقت من الأوقات، ولكنها كانت صراعات قبلية طابعها الرئيسي البداوة، ولم تكن لها أي صبغة دينية، كما جدّ سنة 1956 حادث واحد كان هدفه إثارة الفتنة، بعد طرد غلوب باشا بـ15 يوما، دام نصف نهار وحسمه في نهار واحد العاهل الأردني الراحل الملك حسين، وتبين فيما بعد أن بريطانيا كانت وراء ذلك الحادث.

يضرب القنصل أمثلة على الحياة المشتركة في مادبا، أبرزها أن الأب وليم اليعقوب توفي سنة 1989 فتبرعت والدته بأعضائه لتذهب إلى مرضى أردنيين مسلمين، وعندما توفي في إيطاليا الأب يشارلو، وهو إيطالي ومكتشف منطقة جبل نيبو، أوصى أن يدفن في الجبل نفسه، وقفت العشائر المسلمة في مادبا لتتقبل العزاء فيه.

يرى القنصل أن تجربة مادبا في العيش المشترك تصلح لمحاربة التطرف في الوطن العربي كله، ويقول “انزل إلى شوارع مادبا وراقب حركة الناس ولقاءاتهم تدرك مغزى هذا الكلام”.

أجواء من التآخي والمحبة

يتابع “بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تطايرت الملايين من الأشلاء البشرية وأصبح العالم بين مُطارَد ومُطارِد ودمرت أفغانستان والعراق، وبدأت تتشكل ثقافة إرهابية جديدة يدعمها إعلام هدفه التثوير لا التنوير، فبدلاً من أن يشيع ثقافة المحبة والسلام فإنه شيعها إلى مثواها الأخير، وثقافة الإرهاب لم تكن معروفة في التاريخ العربي الإسلامي على مر العصور.

نبيان يرثيان مادبا

الناشط السياسي أحمد قطيش يلفت إلى أن أكبر مسجد في مادبا هو مسجد الملك حسين تبرع بأرضه مسيحي، وأن أقدم مدرسة في مادبا بنيت سنة 1882 مسيحية وطلبتها مسلمون.

يقول “إن مادبا مدينة مقدسة لدى أتباع الأديان السماوية، إذ عبرها كليم الله موسى، وتعمد السيد المسيح في واد قريب منها هو وادي الخرار، وقطع فيها رأس يوحنا المعمدان”.

ومن منطقة أم الرصاص فيها عبر النبي الكريم محمد من طريق التجارة قبل النبوة، وعلى مشارف كموش، وقف النبيان أشعيا وأرميا ورثيا مدينة مادبا عندما احتلها سيحون واحتلها الآشوريون، لذلك فهي جزء من الوئام الديني.

يذكر المادبيون دائما وفاة الشيخ أحمد قطيش الأزايدة، النائب في البرلمان رئيس البلدية السابق العضو القيادي في جماعة “الإخوان المسلمين”، والأمين العام الأول لحزب جبهة العمل الإسلامي، سنة 1992، وكيف شيّع جثمانه نحو نصف مليون شخص، معظمهم من سكان المدينة من المسلمين ومن المسيحيين.

يقول نجل الفقيد، بلال أحمد قطيش الأزايدة “قرعت أجراس جميع الكنائس في مادبا حزنا على فقيدها الشيخ ووقف رجال الدين من المسيحيين يستقبلون المشيعين والمعزين، وفي الطريق الذي مرت فيه الجنازة، كانت بيوت المسيحيين تقدّم الماء البارد للمشيعين، وكنت ترى الدموع في عيون الجميع، مسلم ومسيحي، حزبي أخواني أو شيوعي أو بعثي، وكانت تلك ثمرة علاقة صاغها الفقيد مع كل الفئات”.

أكبر مسجد في مادبا تبرع بأرضه مسيحي، وأقدم مدرسة فيها بنيت سنة 1882 مسيحية وطلبتها مسلمون

ويضيف “أذكر أن عجوزا مسيحية كانت تعاني من مشكلة مستعصية في بلدية مادبا ولم تتمكن من حلها إلا بتدخل الفقيد، وعلى الرغم من كونها محقة في طلبها، لكنها قدّمت هدية إلى الشيخ مع علمها أنه لا يقبل أي هدية على إنجاز عمله وإنصاف أهل الحق، لكنها أحضرت له هدية لم يستطع ردّها وهي نسخة من القرآن الكريم”.

يصف الصحافي الأردني أحمد الشوابكة شهر رمضان في مادبا بأنه طقس اجتماعي حميم وتقاليد راسخة جيلا بعد جيل، وهذا الطقس ليس حكرا على مسلمي المدينة، فمسيحيوها سبّاقون، من الأجيال الغابرة إلى الأجيال الحاضرة للاحتفاء بحلول شهر الصوم، سواء بإحياء تقاليده المتوارثة كتعليق الأهلة على نوافذ البيوت أو بإضاءة جدران الحدائق المنزلية بزينة رمضان.

واشار إلى أن العائلات المسيحية تحرص على إعداد حلويات رمضان كالقطايف، فلا يمنعها أي عائق أن تقف في طابور طويل للتزود بعجينها والتزود بحلويات أخرى، والتبرع بما تجود به النفس نقدا وعينا للأسر العفيفة واحترام حرمات رمضان، وإقامة موائد إفطار وسهرات رمضانية ما زالت صالونات مادبا ودواوينها عامرة بها على مدى سنوات.

يعود رئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى المهندس غسان الخريسات ليؤكد أن الاحتفاء بشهر رمضان المبارك عند المسيحيين من أبناء مادبا متوارث وهم يجسدون وحدة النسيج الاجتماعي قولا وعملا، لافتا إلى أن حملة التبرع لطرود رمضان، التي تطلقها البلدية يلبي نداءها الأشقاء المسيحيون ويتعففون عن ذكر أسمائهم، وذلك ما يدل على الأصالة المتناهية وعمق الولاء للشعب الأردني بكل مكوّناته.

أهل مادبا يجمعهم الحب ولا تفرقهم الديانات

مسجد على أرض مسيحية

يروي غازي إبراهيم رحو قصة حقيقية جميلة تجسد مدى التعايش والتفاهم بين البشر، وتعطي مثالا رائعا على قيم التعايش بين الأديان، قائلا، قبل ما يزيد على 50 عاما، وفي قرية قريبة من مدينة مادبا، وهي قرية صغيرة مشتركة بين المسلمين والمسيحيين، فيها مسجد للمسلمين وكنيسة للمسيحيين، وكان المسجد يحتفل كالعادة بقدوم شهر رمضان من خلال إعلام المسلمين بموعد الإفطار ومواقيت الصلوات في الجامع.

وفي أحد الأشهر الكريمة من رمضان المبارك مرض إمام مسجد القرية، مرضا شديدا ومنعه مرضه من إعلام الناس وإخبارهم بموعد الإفطار، ولاحظ ذلك الراهب القائم على الكنيسة المجاورة للمسجد، فبادر إلى قرع أجراس الكنيسة ليعلم المسلمين في تلك القرية بموعد الإفطار.

وتكررت القصة بسبب مرض إمام ذلك الجامع أكثر من مرة، مضيفا أن أكثر مساجد مادبا اتساعا واكتظاظا بالمصلين هو مسجد “الحسين بن طلال”، الذي تبرع بقطعة الأرض، التي بني عليها، أحد أبناء العشائر المسيحية من عائلة “مرار” وأسهم الشباب المسيحي مع أخوتهم الشباب المسلم في بناء المسجد.

وأعلن أحد المعروفين في تلك المنطقة من المسلمين رغبته برد الدين للمسيحيين، الذين أسهموا، بنحو كبير، في تعزيز قيم التعايش المجتمعي في مادبا، فبنى مسجدا أطلق عليه اسم “السيد المسيح عيسى بن مريم”، الذي يشكّل، الآن، علامة فارقة في المدينة وهو يقع على مسافة قريبة من كنيسة في المنطقة، زيّنت بالعديد من اللوحات، التي عليها آيات من القرآن عن السيد المسيح والسيدة مريم، وتبلغ مساحته ألف متر مربع.

الملفت أن العائلات المسيحية تنافس العائلات المسلمة بالتبرع بإفطار أول يوم من رمضان وتشارك الصائمين وجبة الإفطار، مما زاد من التآلف.

هكذا تعلم مادبا العالم المعنى الحقيقي للتعايش والتآلف بين أبناء الوطن الواحد، فأبناء المدينة ينظرون إلى الإيمان بالأديان على أنه حق طبيعي لكل إنسان، وأن على الناس جميعا أن يتعايشوا بمحبة وتوافق لكي يحيوا حياة ملؤها الطمأنينة والسلام لان قبول الآخر، وإن اختلف في الدين والإيمان، حالة يتطلبها التعايش المشترك ما دام الرب واحدا والأنبياء رسل الرب على الأرض.

20