مادة "تاريخ الفقه" تنهي عصورا من الالتباس والتربص

استبعاد الاجتهاد يسجن التراث الفقهي في دوائر دينية صرفة، وشيوع التأصيل التاريخي للفقه يخلّص الإسلام من ألغام مزمنة.
الثلاثاء 2019/04/16
الفقهاء والتشبث بتصنيف الفقه خارج التاريخ

يعد الاكتفاء بمطالعة الفقه الإسلامي دون اجتهاد أو تنزيل على تحديات الحاضر من أبرز الإرهاصات التي جعلت من التعامل معه متكلسا وغير قابل للتطور وفق ما تمليه مقتضيات العصر. لهذه المطبّات دوافع عدة من أهمها تمسّك رجال الفقه بعدم الاقتناع بأن هذا الموروث كغيره من العلوم لا بد أن يكون خاضعا للدراسة والنقد ليكون متلازما وصالحا لكل زمان ومكان وكل ذلك لا يمكن أن يكون إلا عبر الدفع لشيوع مصطلح تاريخ الفقه لتخليص الإسلام من ألغام مزمنة كبلته طيلة قرون.

وقع في يدي، مصادفة، كتاب يدرسه أقاربي في المعاهد الأزهرية، وعنوانه “تيسير شرح جوهرة التوحيد” للشيخ إبراهيم البيجوري، وكان شيخا للأزهر وتوفي عام 1277 هجري (1860 ميلادي). ويبسط قضايا في العقيدة، وقد استهدف الكتاب تيسير هذه الموضوعات إلى أذهان الطلاب بأسلوب مبسط، يتواءم مع الواقع المعيش؛ رغبة في إعداد جيل قادر على التفكير والنقد، ومواجهة تحديات الحاضر بحلول مناسبة، كما جاء في مقدمة لجنة إعداد وتطوير المناهج بالأزهر الشريف.

لا علاقة لهذه المقدمة ببعض محتويات كتاب يتناول الإيمان بالملائكة واليوم الآخر وسؤال القبر “وعذابه ونعيمه” والبعث والحساب والشفاعة والصراط والحوض والجنة والنار. وينتهي بقضية “الإمامة” ضمن الغيبيات، بدلا من أن تكون مكان “الإمامة” مادة التاريخ السياسي أو “تاريخ الفقه”.

في الجامعات تحظى العلوم النظرية والتجريبية بمادة مستقلة لدراسة تاريخها وفلسفتها، باستثناء الفقه الذي لا يريد رجاله الاقتناع بأن بعضا منه ينتمي إلى التاريخ. وشيوع مصطلح “تاريخ الفقه”، واعتماده رسميا، سينزع ألغاما مزمنة لم يتعمّد السابقون زرعها لاستهداف أحد، وإنما اجتهدوا في حدود معارف أزمنتهم؛ فنالوا أجرا أو أجرين، ولا يصح تحميلهم أوزارا بغير حق. والعواصم من هذه القواصم تبدأ بضرورة فقه الفقه التقليدي، بدراسة فلسفته، والإحاطة بالسياق الديني والطائفي والمذهبي والسياسي والاجتماعي والعسكري الذي أنتجه.

لتاريخ العلوم التجريبية مخلصون، منهم الدكتور رشدي راشد الذي درس الفلسفة بجامعة القاهرة، ونال دكتوراه الدولة من جامعة باريس في تاريخ فلسفة الرياضيات. ومنذ عام 1965 شغل مناصب في المركز الفرنسي القومي للأبحاث العلمية، فتولى إدارة أبحاث الإبستمولوجيا وتاريخ العلوم في جامعة دنيس ديدرو بباريس، وإدارة مركز الفلسفة والعلوم والفلسفة العربية للعصور الوسطى، وأشرف على موسوعة تاريخ العلوم العربية التي صدرت طبعتها الأولى عام 1996 في لندن ونيويورك. وقابلته عدة مرات في مؤتمرات علمية بمكتبة الإسكندرية، ففي عام 2005 قدم دراسة عنوانها “المخطوطات الرياضية الموقّعة بين الرياضيين والورّاقين”، وفي عام 2006 شارك ببحث عنوانه “شروح الحسن بن الهيثم على مجسطي بلطميوس”، وقدم عام 2007 دراسة عنوانها “ترجمة النصوص العلمية بين اللغات اليونانية والعربية واللاتينية”. وللرجل نحو 30 عملا في تاريخ علوم الحساب والجبر والبصريات الهندسية، وترحّب به وتستضيفه جامعات أجنبية لإلقاء محاضرات في تاريخ العلوم.

ألا يحتاج فقه بعض الأحاديث إلى وعي بفلسفة الفقه نفسه، لتحريره من قيود بشرية دالة على ظرف تاريخي تجاوزه التطور الأخلاقي
 

تاريخ العلوم جزء من الوعي بالوجود، وتوثيق لقدرة عقل الإنسان على أن يكون خليفة في الأرض. وفي الاهتمام بهذا التاريخ ترميم للذاكرة، وإطلاق الخيال لإدراك أن التراث مفهوم أكثر اتساعا من علوم الدين. وللعرب والمسلمين أن يفخروا بتراث علمي غزير غيّر العالم، وأسهم في ما بلغته البشرية من تطوّر لم يقدّره الخلف، فاستبعدوا أي اجتهاد من دائرة التراث الذي اقتصر في الاصطلاح العام على ما هو ديني.

كما لتاريخ العلوم مكانة بارزة، ولم يتجرأ أحد فيصف المتخصصين فيه بأنهم يهتمون بعلم ميت، فولكلور تجاوزته قفزات علمية تضيف جديدا كل يوم. ولا يسيء إلى فقه ديني اجتهد فيه السابقون، وضمنوا أجرا على الأقل، أن يدرس كتاريخ، يستعاد ولا يعاد. وحين تفقّه السابقون، لم يقلدوا غيرهم وينقلوا عنهم، وإنما ابتدعوا استنادا إلى دين معجزته العقل، وتفقّهوا القرآن الذي يقول في سورة العنكبوت “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق”.

هل من الحكمة أن يصادر السابق على اللاحق، ويرسم له معالم الطريق، ويحدد زاوية النظر إلى العالم؟ هذا ما يجري، ويؤدي إلى كراهية المسلم للعالم، والتربّص انتظارا للاستقواء؛ للقصاص من الآخر، حتى لو كان هذا الآخر هو وليّ النعم الذي يأوي المسلم اللاجئ الضعيف، فالآخر مشروع للاستعباد والاستباحة، ما لم يدخل الإسلام.

في لحظة مرتبكة، عام 2012، أقر تنظيم الإخوان دستورا طائفيا تقول مادته رقم 219 “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة”. وكان من ضحايا هذه المادة الطائفية أربعة من الشيعة في القاهرة، قتلوا وسحلوا، وسط هتاف الفرحين بالنصر “الله أكبر”.

في مرحلة الاستقواء تلك، قال طبيب سلفي طائفي اسمه ياسر برهامي عضو لجنة كتابة الدستور الإخواني إنه خدع أعضاء اللجنة، وتمكن من تمرير هذه المادة، لأن “العلمانيين مش فاهمين قوي، ولا النصارى فاهمين… هم فهموها مؤخرا”.

لا يزال طلبة الأزهر يدرسون شروط الإمامة في كتاب “تيسير شرح جوهرة التوحيد”، ويتعلمون أنها “رئاسة عامة في الدين والدنيا… ومن الوجوه الدالة على نصب الإمامة

يسهل النظر إلى قضايا فقهية في ضوء “تاريخ الفقه”، فلا يعقل حاليا استتابة تارك الصلاة قبل قتله، انطلاقا من أحاديث وأقوال مجتهدين أرحمهم الإمام أبوحنيفة الذي خرج على هذا الإجماع، ورأى أن يحبس المتكاسل عن ترك الصلاة، ويضرب ويمنع عنه الطعام والشراب، حتى يصلي أو يموت. وأجاز الحنفية قتل الأسرى الرجال أو استرقاقهم، ورحمة بالنساء والأطفال فلا يقتلون وإنما يكتفى باسترقاقهم.

ويذهب أغلب المتصفين بالوسطية والسماحة من متولي الشعراوي إلى الحبيب الجفري إلى أن تارك الصلاة يقتل. الاسترقاق يجعل من الحرة الأسيرة ملكا لليمين، وللدكتورة سعاد صالح أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر فتوى تلفزيونية بأن أسيرات الحرب هن ملك اليمين “المشروع”، للجيش أو قائده، “لكي يذلهن. يستمتع بهن كما يستمتع بزوجاته.. الآيات القرآنية مازالت موجودة ليس للتفعيل ولكن للتنفيذ إذا حصلت شروط الإسلام في هؤلاء”، في حالة النصر على إسرائيل مثلا. فهل نقبل القسمة العادلة باسترقاق نساء المسلمين المحاربات إذا وقعن في الأسر؟

أما المرتد فيوجد اتفاق على قتله، بالمخالفة لآيات منها “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، “إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا”.

وكما يُتفق على قتل المرتد يُتفق أيضا على مفاهيم تاريخية مثل أهل الذمة والجزية، وما يرتبط بهما من انتقاص للمواطنة، وتقسيم العالم إلى فسطاطين.. دار الإسلام ودار الكفر، بالتغافل عن حداثة تقبل الاندماج وترحّب بذوي كفاءات يصعدون السلم الوظيفي والقيادي، فيصبحون وزراء ومشرّعين، من دون النظر إلى أنهم مسلمون ينتمون إلى أصول عربية. وبعد هذا كله، لا يزال طلبة الأزهر يدرسون شروط الإمامة في كتاب “تيسير شرح جوهرة التوحيد”، ويتعلمون أنها “رئاسة عامة في الدين والدنيا… ومن الوجوه الدالة على نصب الإمامة: أن الشارع أمر بإقامة الحدود، وسدّ الغور، وتجهيز الجيوش، وهذا لا يتم إلا بإمام يرجعون إليه”. ولن يكون الإمام إلا مسلما، ويتفرع من هذا المعنى الكلي اجتهاد آخر عن تولي المرأة وغير المسلم مناصب دون الرئاسة.

هناك أحاديث ارتبطت بالتباس تاريخي وجب حسمه “من لم يغز، ولم يحدّث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق”، “أمرت أن أقاتل الناس (المشركين، في رواية أخرى) حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام”، “بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي". ألا يحتاج فقه هذه الأحاديث وغيرها إلى وعي بفلسفة الفقه نفسه، لتحريره من قيود بشرية دالة على ظرف تاريخي تجاوزه التطور الأخلاقي؟ حين توجد الجسارة لذلك، يدخل فقه الواقع التاريخي في مادة “تاريخ الفقه”، وننتقل إلى فقه جديد، إلى روح النص القرآني.

12