مادلين أولبرايت وستيفن هادلي: انعزالية واشنطن وهم خطير

الأربعاء 2017/01/18
صعود الشعبويين تحد لليبرالية

تحاول الولايات المتحدة الأميركية إنقاذ مكانتها العالمية كدولة رأسمالية متحكّمة بكلّ العالم، حيث أنها لم تعد قادرة على تحمّل أعباء الحروب في الشرق الأوسط، لذلك تسعى إلى ترتيب مقاربة جديدة للمنطقة أعدتها “مجموعة عمل استراتيجية للشرق الأوسط” في نوفمبر 2016، برئاسة كلّ من مادلين أولبرايت (وزيرة الخارجية الأميركية السابقة)، وستيفن هادلي (مستشار الأمن القومي السابق)، وتحت رعاية المجلس الأطلسي.

الولايات المتحدة مأزومة ماليا منذ 2008، وهذا ما فرض عليها تراجعات محسوبة من الشرق الأوسط، وتعزيز تواجدها في المحيط الهادي، حيث الخطر الاقتصادي الصيني، فقد تركت مسألة غزو ليبيا في 2011 للأوروبيين وبعض الدول العربية، وأعلنت أن روسيا هي الوصية على حل الصراع السوري وفق بيان جنيف 1 في 2012، وشهدت علاقُتها بمصر بعض التراجع لصالح الروس، والذين أيضا حسّنوا علاقاتهم مع دول الخليج العربي.

واكتفت الولايات المتحدة بالاهتمام باستثماراتها في العراق، والعمل على سحب النفوذ الإيراني منه، والحفاظ على نفوذها في الخليج العربي، فيما محاربة داعش والقاعدة مسألة دولية ولا تخص أميركا وحدها، وبالمثل أمن إسرائيل يخص الروس كما يخصها.

الاستراتيجية الأميركية الجديدة للشرق الأوسط تسعى إلى تحقيق بعض الاستقرار، ولكن وفق رؤيتها وشروطها الليبرالية الجديدة، وبما يحدّ من عمق النفوذ الروسي، ويكبح التوسع الإيراني وتأجيجه التوترات الطائفية والحروب، وبما يرضي حلفاءَها في المنطقة الكارهين للهيمنة الإيرانية، ومع استمرار الاتفاق النووي.

يتعاطى التقرير مع واقع المنطقة منذ اندلاع الثورات في 2011، فهناك واقع أمني فرضته الحروب الأهلية في بعض المناطق، الذي أدى إلى توسع انتشار التنظيمات الجهادية، وعنف الأنظمة، وكذلك واقع اجتماعي فرضته انتفاضة الشعوب في وجه الدكتاتوريات والقمع، وأنه لن يتحقق الاستقرار دون إقرار بعض الحريات الفردية وإصلاح طريقة تعاطي الحكومات مع الشعوب، لذا قدمت أولبرايت وهادلي رؤيتهما في شقين؛ الأول: أمني وعلى المدى القصير والمتوسط، ويتعلق بإيقاف الحروب ومساعدة اللّاجئين في دول الجوار، وهزيمة داعش والقاعدة، وتمكين الحكومات “الشرعية” بدلا من دعم الميليشيات والفصائل، وتشجيع إسرائيل على التعاون الأمني والاقتصادي مع السلطة الفلسطينية، ومعالجة المسائل المشتركة بين أنقرة وواشنطن، كتدفقات اللاجئين، وتنظيم داعش، ونظام الأسد، والعلاقات مع الأكراد السوريين، فيما الشق الثاني يضع استراتيجية متوسطة إلى طويلة الأمد، تقول، حسب التقرير، بإطلاق الإمكانات البشرية والاقتصادية في المنطقة؛ وهنا، يكمن الشيطان في التفاصيل!

ويحوي التقرير كلاما براقا عن ضرورة وجود عقد اجتماعي عصري للدول الإقليمية يمكّن المواطنين من المساءلة، وعن جعل التعليم “عصرياً”، بمعنى ذو توجه ليبرالي وفرداني، وعن دعم الإصلاحات التنظيمية لتخفيف القيود على التجارة والاستثمار، وألا تقف الحكومات أمام ما أسماه “الإبداع الاقتصادي”، وإيجاد حوافز للاستثمار الأجنبي المباشر.

ويدعو التقرير أيضا إلى تشجيع الأنشطة والجماعات المدنية والمشاريع الاجتماعية، بمعنى تشجيع المؤسسات غير الحكومية، ويتحدث أيضا عن إعانات مالية للفقراء، وعن تعاون إقليمي (اقتصادي وسياسي وأمني) في إطار يشمل إضافة إلى العرب لكل من تركيا وإيران وإسرائيل، وعن إنشاء دول المنطقة صندوقا للتنمية لإعادة الإعمار والإصلاح، على غرار البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، يقدم قروضا لتشجيع القطاع الخاص وتمويل الحكومات الموافقة على إجراءات الشق الثاني من الاستراتيجية.

إذن، التقرير يؤكد على إطلاق العنان للإصلاحات الليبرالية الجديدة في المنطقة على أوسع نطاق، وحرية كاملة للأسواق والاستثمارات، وتقليص حجم نفقات الدولة، ومضاعفة الضرائب، وأن تتحول مهمّة أجهزة الدولة من القمع إلى شرطة تنفّذ وتحمي الإجراءات الجديدة؛ وكل ذلك لا يعني عمليا بحال من الأحوال سوى المزيد من النهب والإفقار لشعوب المنطقة، المنهكة أصلا، وستُنهك لاحقا بالمزيد من القروض وما يلازمها من إجراءات التقشف.

وبالتالي لا يمكن أن يتحقق الاستقرار، بل إن السبب الرئيسي لاندلاع الثورات في المنطقة هو تأذي كتلة بشرية كبيرة، في الأرياف والأحياء الفقيرة من شروع الحكومات بتحرير الأسواق وتسهيل الاستثمار أمام الرأسمال الأجنبي، بعد أن رسمل كبار المسؤولين في هذه الدول نتيجة نهب القطاع العام والفساد، وتحوّلوا إلى مستثمرين محتكرين نتيجة ارتباطات أمنية وعائلية مع المافيا الحاكمة لتصبح هي المتحكمة.

6