"مادونا صاحبة معطف الفرو" والرواية داخل الرواية

الكاتب التركي صباح الدين علي يؤكد بأن "الماضي لا يزال يكمن في نفوسنا، وبصورة محفوظة تمامًا، والحل الوحيد لاستحضار الماضي الذي هو أشبه بكنز مفقود هو استعادته بالكتابة عنه كتابة مفصلة".
الأحد 2016/10/02
صباح الدين علي: الكاتب الذي نقل بؤس القاع الاجتماعي إلى الأدب

ينتمي الكاتب التركي صباح الدين علي (1907ـ 1948) إلى الواقعية التركيّة، وإن شئت الدقة «واقعية القاع» التي تحتفي بالهامش وترصد البؤس الاجتماعي، والحياة البدائية بكل ما تصوّره من شقاء وَمُعاناة لأصحابها، ففي أعماله القصصيّة أو الروائيّة دائمًا نجد نموذجا لهذا الإنسان التركيّ البسيط المطحون، كما هو ظاهر في شخصية «كويجاكلي يوسف» في الرواية المسمّاة بذات الاسم، فيوسف نموذج للطفل المشرَّد بعد وفاة والديه في جريمة قتل بشعة، ويبقى الطفل في مواجهة لأقداره التي تدفع به من سوء إلى أسوأ، وبالمثل رائف أفندي بطل رواية «مادونا صاحبة معطف الفرو» التي صدرت ترجمتها إلى العربية مؤخّرًا عن دار نشر أثر بتوقيع جهاد الأماسي، نموذج للبطل التراجيدي/المهزوم القادم من التراجيديات الكلاسيكية في الآداب العالمية كما في نموذج تشرفياكوف بطل قصة «موت موظف» عند أنطوان تشيخوف أو «إيفان إيليتش» عند ليو تولوستوي، أو حتى نموذج «كامل رؤبة لاظ» عند نجيب محفوظ في السّراب، فيسير إلى حتفه، حاملاً مأساته وهواجسه ويندفع بكلِّ رضى إلى نهايته باستسلام مقيت.

الرجل الجوف

نموذج شخصية رائف أفندي المسالمة إلى درجة النفور منه فهو على حدّ مديره في البنك الذي يعمل فيه كمترجم «رجل بسيط وهادئ، مشغول بنفسه، ولا يصيب ضرره أحدًا» يستدعى في الذاكرة بعد اكتمال قصته مع ماريا في رحلته بألمانيا، ثم عودته ومواجهة نسبائه الباردة والسّلبية وهم يستولون على ميراث أبيه من مصانع الصابون، وحقول الزيتون، ولا يتركون له إلا الفتات، وسلبيته الموجعة في رحلة بحث أمّه عن الكنز المدفون، وسط ضحكات نسبائه الساخرة؛ الرجال الجوف الذين ذكرهم إليوت في قصيدته الأرض الخراب وهو يقول: نحن الرجال الجوف/نحن سقط المتاع /… فصوتنا يباب/بلا معان نحن خامدون/كالريح تعوى في يابس الحقول والفجاج… إلى آخر الأوصاف.

هكذا خالني رائف أفندي الموظف المثالي الحريص على عمله حتى في أوقات مرضه، يطلب أن يؤدّي ما عليه من ترجمات في البيت، ثم يرسلها عبر السّاعي تارة وعبر صديقه تارة ثانية. حالة المثالية التي هو عليها في العمل تقابلها معاملة سيئة من أقربائه في البيت، فصار هو والعدم سواء، لا وجود له إلا في تلبية طلبات البيت، هو وزوجته وكأنهما آلة تعمل من أجل تحقيق السَّعادة للآخرين، دون أن نعرف لماذا يقبل بهذا الوضع، رغم أن مدخراته لا تكفي لتوفير هذه الاحتياجات المنزلية.

الرواية مكتوبة منذ زمن بعيد ما يقرب من خمسة وسبعين عاما وإن كانت ترجمتها إلى العربية تأخرت كثيرا، لكن الملاحظ أن الكاتب يعمد في روايته إلى تقنيات حداثية، لم تكن معروفة في كتابات الروائيين الأتراك وقتذاك، وهو ما يضع الكاتب في قائمة المجددين، فالكاتب وزع حكايته على حكايتين

كل هذا يهون وإن لم يكن هناك سببٌ لقبوله. الكارثة الحقيقية التي تُظهر هذه السّلبية هي أن الرجل بالفعل اختار طريق النهاية بإرادته، هو مشهد رؤيته لصديقته في المهجع في ألمانيا (فراو فان تيدمان) أثناء زيارتها لأنقرة هي وزوجها تاجر المستعمرات، كانت الحيرة بادية عليه هل يسألها عن ماريا بودر أم لا؟ وبين رغبته وتردُّده، يأتي السّؤال، وتأتي الإجابة المفزعة، أنها ماتت بعد أن قَضى الرَّجل عشر سنوات مِن عمره وهو في أوهام أنّها خانته، عاش عشر سنوات كارهًا للحياة وللناس يقمع نفسه بهذه الزيجة وهذه الأسرة التي تستغله ماديًّا وتقهره معنويًّا، كأنّه سجين ينتظر هذا اليوم. لكن الصّدمة الحقيقية عندما علم بملخص ما حدث لها بعد عودته من برلين إلى بلده، إثر وفاة والده، بمرضها عندما عادت إلى براغ، وحَمْلها ثمّ اعتلال صحتها ومحاولة الأطباء إنقاذها، لكنها فضّلت إنقاذ الجنين على حياتها، كان كل شيء يقول إن هذه الفتاة التي تبلغ الثامنة أو التاسعة من العمر هي ابنته، لكن تحرك القطار دون أن يسأل عن اسمها، أو حتى ينظر في عينيها.

في الحقيقة لا يمكن لقارئ رواية “مادونا” أن يتعاطف مع بطلها، رغم ما مرّ به من مآسٍ سواء وهو يتذكر ماضيه ونشأته في إحدى مدن غرب تركيا، وطفولته وما شهدته من حالة اللاوفاق بينه وبين أبيه، فالمشاعر بينهما جامدة، ولا يعرف بماذا يجيب إن سأله أحد عن أبيه: هل هو جيد أم لا؟

الدفتر الأسود

لم تأخذ الرواية الاسم الأخير المعنونة به «مادونا صاحبة معطف الفرو» وهو عنوان اللوحة التي انبهر بها رائف أفندي في المعرض، إلا بعد مراحل. فالرواية كتبها صباح الدين علي وهو يقضي خدمته العسكرية، وكانت تنشر منجمة في صحيفة الحقيقة في الفترة الواقعة بين 18 ديسمبر 1940 و8 فبراير 1941، تحت عنوان «حكاية كبيرة»، قبل أن تنشر في كتاب عام 1943، ثم اقترح الأديب جودت قدرت عنوان «الرجل عديم الفائدة» لكن صباح الدين ارتأى أن تُسمّى «ثمانية وعشرون»؛ لأن بطلتها كانت في الثامنة والعشرين عندما تعرّف عليها، بعضهم يرى أنها إحدى عازفات الأوركسترا في إسطنبول، وآخرون يقولون إنها فتاة وقع في حبها في شبابه، خاصة أن أحداث الحكاية تدور في برلين، ومعروف أن صباح الدين ذهب إلى برلين لمدة عامين، وجاء ليعمل مدرسًا للغة الألمانية. صباح الدين نفسه يشير إلى حقيقة بطلة الرواية في إحدى رسائله لصديقته عائشة صدقي، بأنه كان عاشقًا لفتاة اسمها فروليان بودر، مثّلت في أحد الأفلام.

الرواية مكتوبة منذ زمن بعيد ما يقرب من خمسة وسبعين عامًا وإن كانت ترجمتها إلى العربية تأخّرت كثيرًا، لكن الملاحظ أن الكاتب يعمد في روايته إلى تقنيات حداثية، لم تكن معروفة في كتابات الروائيين الأتراك وقتذاك، وهو ما يضع الكاتب في قائمة المجددين، فالكاتب وزّع حكايته على حكايتين، وهو ما يدخل النص تحت بنية «الرواية داخل الرواية». فالجزء الأول يسرد بلسان راو غائب هو صديق مدير البنك حمدي الذي يعمل فيه رائف أفندي ثم سيعمل فيه الراوي لاحقًا، يسرد عن مأساته الشخصية بعدما فقد عمله، إثر سياسة تقشف كاذبة، وبعدها يتصادف مع صديق المدرسة حمدي مدير البنك الذي يصطحبه إلى البيت ثم يلتقيه مرة ثانية في البنك، يكون عندها قد وفّر له فرصة عمل، هكذا يلتقي الاثنان (الراوي ورائف أفندي) في مكتب واحد، فيبدأ الراوي في تتبع شخصية رائف أفندي في مكتبه وبيته بعد تعرضه للمرض، إلى أن يطلب منه رائف أفندي بعد أن اشتدّ عليه المرض أن يجمع أشياءه من المكتب، ومن ضمنها الدفتر الأسود الذي يطلب -في رجاء- رائف أفندي منه حرقه، إلا أنه يتوّسل إليه أن يسمح له بقراءته لليلة واحدة على أن يرجعه له في الصباح، يقبل، ومع فتح الصفحات الأولى يختفي الراوي الغائب ليحلّ الرَّاوي الأنا العائد على رائف أفندي، حيث نعرف أنه سجَّل هذه الأحداث بعد عشر سنوات من حكايته مع مادونا التي هام بصورتها قبل أن يتعرف على صاحبتها ماريا بودر يوم أن ذهب إلى المعرض صدفة. وكأن الكاتب يستمع إلى نصيحة مارسيل بروست التي صاغها في الزمن المفقود، «بأن الماضي لا يزال يكمن في نفوسنا، وبصورة محفوظة تمامًا، والحل الوحيد لاستحضار الماضي الذي هو أشبه بكنز مفقود هو استعادته بالكتابة عنه كتابة مفصلة»، وهو ما كان حاضرًا في القسم الثاني.

صباح الدين علي وبطله العائد من برلين

يستعير المؤلف في القسم الثاني تقنيات تيار الوعي، لاسترجاع الحكاية، فثمة حوارات داخلية، ومناجاة للنفس وأيضًا تداع حرّ أثناء سرده لحكاية طفولته لماريا بعد التعرف. الصدفة هي أحد العناصر المشكِّلة للأحداث بل تلعب دورًا مهمًا في إحداث الإثارة والتشويق داخل النص. فكل الأحداث المهمة في الرواية وقعت أو جاءت بعد مصادفات؛ فكتابة المذكرات جاءت بعد لقاء صديقته في المهجع في أحد المساءات في شوارع أنقرة وهو يحمل الخبز ليلاً. والراوي الغائب يلتقي بحمدي الذي سيكون الخيط الذي يجمع بين الراوي الغائب ورائف أفندي في الشّارع ويوقف له السيارة، حتى لقاؤه بمادونا في المعرض كان بناءً على مصادفة، وبالمثل عودته إلى تركيا كان بعد مصادفة عثوره على البرقية التي تقول إن أباه توفي.

رواية القاع

تتناثر ملامح الواقعية أو واقعية القاع في أعمال الكاتب الروائية الثلاثة: “كويجاكلي يوسف” (1937)، و”الشيطان في أعماقنا” (1940)، و”مادونا صاحبة معطف الفرو”، ولكن الرواية الأخيرة، رغم أن الكاتب بدأها وهو متأثر بالواقعية في صورة شخصية رائف أفندي وعائلة زوجته التي تسكن معه في بيته، ويعيشون جميعًا واقعًا مزريا، وكذلك حياته العملية في البنك الذي التقي فيه الراوي في الجزء الأول، لكن تأخذ الرواية بعدًا رومانسيًّا في الحكاية الثانية، وهو ما أفقد الجزء الأول تأثيره على الأحداث، وجاء أشبه باستهلال باهت لم يُحسن استغلاله، مع إن رصد واقع الأسرة البورجوازية في عراكها مع هذا الواقع، وصراعها الصامت مع طبقتها في رأيي كان أعمق من قصة الحب. وهذا الأمر حدا بالشاعر ناظم حكمت الذي كتب أوّل نقد لها، لأن يغضب من رواية أحبها، فهو يرى «أن القسم الأول كان على وشك أن يتوسع في تحليل الوجه الخفي لعائلة بورجوازية جديدة بطريقة عظيمة».

الهاجس السياسي الذي كان سببًا في دخول صباح الدين علي السجن مرتين وأيضًا كان سببًا في مقتله أثناء هروبه في أحد الغابات، يمرره الكاتب دون أيديولوجيا أو شعارات زاعقة، فيتحدث عن تأثير الحرب العالمية والهدنة على تركيا، وكذلك حروب تركيا ضد اليونان، وتحرير مصطفى كامل أتاتورك لهاوران من اليونانيين بعد أن احتلوها لمدة ثلاث سنين، أو على مستوى العالم، حيث تأثير الحرب كان فادحًا، وهو ما ينقله عبر حوارات المتواجدين معه في النزل فأجواء المعارك والمهادنات تنعكس على الجالسين تبعًا لموقفه من الحرب والاستفادة منها.

نجح المترجم في إبراز الحالة التي كان عليها بطله من حزن شفيف لفقده محبوبته، وانكساره الداخلي لخيانتها كما توهّم، وهو ما انعكس على الإيقاع الداخلي للرواية الذي بدا حزينًا متجاوبًا مع انكسارات وهزائم الشخصية، حتى في حبها.

كاتب من مصر
12