ماذا استفادت الأسرة التونسية من البرامج التلفزيونية الاجتماعية

الأحد 2017/01/15

أصبح الشارع التونسي يعيش على وقع الرداءة والابتذال اللذين تكرسهما البرامج التلفزيونية الاجتماعية في مختلف القنوات الخاصة مثل برنامج “المسامح كريم” أو برنامج “عندي ما نقلك” أو “حكايات تونسية” وغيرها. تكريس يمر بإلحاح عبر الإعادة شبه اليومية لما بث في هذه البرامج دون مراعاة لخصوصيات العائلات ولا للأسرة المجتمعة أمام شاشة التلفزيون.

كثيرة هي العائلات التونسية التي تشترك في جهاز تلفزيون واحد لكل الأفراد، فليس كل الأسر تتوفر لديها إمكانيات مادية تسمح بأن يكون هناك العديد من الغرف في البيت وكل غرفة مجهزة بجهاز تلفزيون حيث يشاهد الأبناء ما يناسبهم وما يختارون من برامج على حدة والآباء كذلك.

المزعج في المسألة أن قنواتنا التونسية لا تراعي هذه المعطيات وما تنفك البرامج الاجتماعية تطالعنا بحلقات تمرر فيها حالات لمشاكل اجتماعية وعائلية وشخصية وعاطفية تكون أغلب حكاياتها محرجة ولا يسع الآباء والأمهات مشاهدتها مع أبنائهم. كما أنه أحيانا لا تجد مبررا لاختيار مثل هذه الحالات وتبحث عن الفائدة أو العبرة من تمريرها فلا تجد لها مبررا ولا موجبا.

لست أنظّر لإتباع نظرية المسكوت عنه في قضايا كبرى تمس المجتمع والأسرة ولا في الإعلام. كما أن معدّي ومقدمي هذه البرامج عندما يلامون على اختيار بعض الحالات التي تكون حكاياتها مثيرة أو محرجة أو مستفزة يجيبون بأن لكل شخص آلة تحكم في التلفزيون وإن لم يعجبه البرنامج فبإمكانه تغيير القناة.

هم يتناسون أو يحاولون الهروب من اللوم بهذه الحجج فالحالات الأكثر إثارة للرأي العام والتي تمس المستوى القيمي والأخلاقي للفرد والمجتمع لا تقف عند عرض البرنامج بل تجد صداها على صفحات التواصل الاجتماعي وفي الإذاعات وفي حديث الناس في الشارع، ما يعني أنه حتى لو حال الآباء دون مشاهدة أبنائهم -صغار السن أو المراهقين- لحكايات مثل الاغتصاب والتحرش والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج واستهلاك المخدرات أو غيرها فإن الأبناء سيطلعون عليها أو يسمعون عنها في الشارع أو في المدرسة أو عبر حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. وهنا تبطل وتفشل كل الإجراءات وخطوات الحماية التي قام بها الوالدان.

صحافيون ومعدو برامج يلهثون وراء نسب المشاهدة ووراء الشهرة الزائفة ويتناسون أن دورهم في المجتمع هو البناء وليس الهدم، فبعض الحكايات يجب أن تعالج وتحكى في إطار مغلق وأمام مختصين في المسائل الاجتماعية والنفسية لإيجاد الحلول المناسبة والفعالة دون الوصول إلى مستوى التشهير والفضائح. فما هو المغزى والعبرة من استضافة فتاة قاصر حملت بعد أن اغتصبها عدد من أقاربها وأجوارها؟ وما هو جدوى استضافة أم تتحدث عن حالة الانحراف التي وصلها ابنها العاق إلى درجة أنه أصبح مجرما ومتعاطيا للمخدرات وأصبح يعنفها ويسرقها ليستولي على ما لديها من أموال؟ وما الفائدة من استضافة أم تتحدث عن أن ابنتها أنجبت طفلين خارج إطار الزواج؟ وما الفائدة من استضافة زوجين يتحدثان عن خلافتهما الزوجية وعن تفاصيل العلاقة الحميمية بينهما؟

هذه الأسئلة وغيرها كثير أطرحها كلما شاهدت أحد هذه البرامج والتي أحيانا يصادف بثها وجودي في البيت وسط إخوتي ووالدي وأمي التي تصر على مشاهدة حلقات هذه البرامج فتجدني وإخوتي عاجزين عن رفع رؤوسنا أمام الشاشة ونحاول إظهار عدم الاهتمام وعدم الاستماع لإفادات الضيوف ولرأي وأسئلة مقدم البرنامج التلفزيوني الذي يتعمد طرح الأسئلة الأكثر إحراجا أو إثارة إما للضحك أو البكاء. والثابت أن الحرج الذي أشعر به وإخوتي يشعر به الكثير من الأبناء أمام آبائهم وأمهاتهم والإخوة الأكبر سنا.

ما ألوم هذه القنوات والعاملين فيها عليه هو اختيارهم للقضايا التي تطرح في برنامج تلفزيوني يدخل كل البيوت ويصل إلى الجمهور من مختلف الفئات والأعمار عبر جميع وسائل الاتصال والتواصل. حريّ بهم اختيار حالات ينبّهون من خلالها إلى مشاكل ومخاطر اجتماعية قد تحدق بالفرد والمجموعة بغرض توعية المشاهد وإثارة التساؤلات والقضايا التي يجب طرحها على مستوى الفرد والمجتمع وعلى مستوى الدولة وهياكلها المعنية بالشؤون الأسرية والاجتماعية.

ينعت الكثير من التونسيين وسائل الإعلام في بلدهم بإعلام “العار” تعبيرا منهم على رداءة المنتج الإعلامي المقدم إليهم سواء كان هذه البرامج الاجتماعية أو السياسية أو المواد المقدمة في الصحف التونسية، ورغم قسوة هذا النعت إلا أنه يبدو لي مستحقا في مستوى المادة الإعلامية التي تقدمها هذه البرامج الاجتماعية بالذات لأنه -مهما حاولنا أن نكون محايدين- فلا نجد فائدة ولا إضافة تذكر لهذه البرامج خصوصا بالنسبة إلى الأسرة التونسية ولكل المشاهدين عبر العالم فهي تشوه الصورة الحقيقية للمستوى الأخلاقي والقيمي في المجتمع التونسي من خلال تعمدها استضافة حالات شاذة في هذا المجتمع.

وبالرغم من أن إثارة قضايا اجتماعية مثل الجريمة والعنف والطلاق والتحرش والأمهات العازبات وغيرها من المواضيع ضروري في مجتمعاتنا العربية المحافظة لكي تحظى بالدرس والاهتمام في إطار البحث عن حلول لها، إلا أن طرق طرح هذه القضايا والوسائل التي تعالج بها أمام الرأي العام وعبر شاشات التلفزيون أو في الإطارات المخصصة لها هي التي من شأنها أن تحدث الفارق وتحدد إن كان المجتمع بمختلف مكوناته في طريقه نحو إصلاح الظواهر والآفات الاجتماعية من عدمه.

صحافية من تونس

21