ماذا بعد تقرير مجلس الشيوخ عن "الإسلام السياسي"؟

المسلمون في فرنسا أصبحوا ضحايا "الراديكالية المسيسة" التي تريد تحويلهم إلى وقود في معركة مفتوحة مع الدولة التي تستضيفهم في إطار قوانينها الجمهورية العلمانية.
الثلاثاء 2020/07/14
تنامي موجة التطرف في الدول الغربية

سقط التقرير الأخير لمجلس الشيوخ الفرنسي عن انتشار “الراديكالية الإسلامية” في فرنسا وسبل مناهضتها مثل صاعقة على رؤوس المسلمين في بلاد فيكتور هيغو، الذين يتراوح عددهم بين خمسة وستة ملايين، غالبيتهم من المغرب والجزائر وتونس.

ذلك أن التقرير -وقد وصل إلى أيدي المسؤولين السياسيين وحدد عددا من التوصيات بأسلوب تحذيري- لم يعد مجرد تقرير عن التطرف الإسلامي في المجتمع الفرنسي، بل أصبح تقريرا عن الوجود الإسلامي نفسه؛ ولم يعد المستهدفون به هم المتطرفون، فهؤلاء في الغالب من الصعب التعرف عليهم أو تفكيك خطابهم بسهولة، وإنما صار المستهدف به كل مسلم لديه هوية عربية أو غير عربية. فعندما يدان التطرف الإسلامي، من الصعب فك الارتباط بعد ذلك بين الانتماء إلى الدين والانتماء إلى الراديكالية، وفي هذا التمفصل الهلامي بين الإثنين تسكن الإسلاموفوبيا. تم تشكيل لجنة مجلس الشيوخ في 14 نوفمبر من السنة الماضية، من أجل التحقيق في قضية انتشار الراديكالية الإسلامية في أوساط المسلمين الفرنسيين، بعد ثمانية أشهر من العمل عقد خلالها أعضاء اللجنة اجتماعات مع 67 شخصية من النساء والرجال الناشطين في الجمعيات والفاعلين والمسؤولين السياسيين والصحافيين والباحثين ووزراء الداخلية والرياضة والتعليم، واستغرقت تلك الاجتماعات ما مدته 58 ساعة، ووضعت اللجنة تقريرها يوم 7 يوليو الجاري.

الراديكالية المسيسة تريد تحويل المسلمين إلى وقود في معركة مفتوحة مع فرنسا التي تستضيفهم في إطار قوانينها العلمانية

وقد انطلقت اللجنة من تشخيص عام للواقع العالمي والواقع الفرنسي بوجه خاص، إذ وفقا لما ورد في ديباجة التقرير الذي بلغ عدد صفحاته 244 صفحة، فإن ظاهرة التطرف الإسلامي ليست خاصة بالمجتمع الفرنسي، بل هي ظاهرة عالمية أصبحت ملحوظة منذ العام 2010، كما لاحظها بعض الباحثين الفرنسيين من بينهم أوليفييه روا الذي أشار -حسب التقرير- إلى أن “موجة إعادة الأسلمة الاجتماعية والثقافية التي نلاحظها في المجتمعات الإسلامية تنتمي إلى مرحلة ما بعد الإسلاموية”، ملفتا إلى أن الفاعلين الرئيسيين في هذه الموجة داخل المجتمعات الغربية يسعون إلى تحويل أنظار الشباب ناحية الغرب لإشاعة شعور بالكراهية تجاهه “عبر تقديم قضية تطبيق الشريعة كأداة للدفاع عن الأصالة الثقافية في مواجهة التغريب”.

وبعد استعراض العديد من المؤشرات في مجالات العمل الاجتماعي والثقافي والرياضي وغيرها خلصت اللجنة إلى التأكيد على وجود محاذير ترتبط بانتشار نوع من الراديكالية الدينية في صفوف المسلمين الفرنسيين بشكل مختلف عن سنوات السبعينات والثمانينات، وهي سنوات صعود موجة التطرف على خلفية الأحداث في الجزائر وانعكاساتها على الوضع في فرنسا، حيث بدأت أولى التفجيرات آنذاك مع ما عرف بقضية خالد قلقال. وأبدت اللجنة قلقها من تنامي هذه الموجة التي غزت مجموعة من المجالات، بحيث رأت أن القيم الجمهورية، التي تشكل المشترك العام بين مختلف المواطنين، باتت موضع تهديد جدي.

القضية الأهم الآن، بالنسبة إلينا نحن العرب، ليست في التقرير، بل في انعكاساته الخطرة المحتملة على واقع العرب والمسلمين في فرنسا خلال الأمدين القريب والمتوسط. هناك نقطة دقيقة وحرجة سجلها معدو التقرير، من شأنها أن تفتح الباب على مصراعيه أمام نقاش حاد وجاد أيضا حول مصير المسلمين الفرنسيين في مواجهة الراديكالية، التي ترهن المجتمع الفرنسي بكامله وليس المسلمين فقط، سواء كانوا من أبناء المهاجرين الأوائل أو كانوا من الفرنسيين المتحولين. هذه النقطة تخص “رغبة مؤيدي الإسلام السياسي في السيطرة على الإسلام في فرنسا”!

ظاهرة التطرف الإسلامي ليست خاصة بالمجتمع الفرنسي، بل هي ظاهرة عالمية أصبحت ملحوظة منذ العام 2010، كما لاحظها بعض الباحثين الفرنسيين

لا توجد قضية مثل هذه يمكنها أن تفتح على المسلمين في فرنسا أبواب الجحيم، فالذين يعرفون التاريخ الشائك لفرنسا “الابنة الكبرى للكنيسة الرومانية الكاثوليكية”، والتجربة المرة للفرنسيين مع رجال الدين، يدركون فداحة تهمة مثل هذه يمكن أن يوجهها فرنسيون إلى المؤسسات والجمعيات الناشطة في أوساط المهاجرين والجاليات العربية والمسلمة داخل المجتمع الفرنسي، بهدف تبرير أي خطة لاستهداف حقوقهم، بل إن من شأن ذلك أن يوقظ عفريت النزعة المعادية للوجود العربي والإسلامي، وأن يضخ المزيد من الدم في عروق اليمين المتطرف الطامع في إيجاد ورقة يرفعها في وجه المهاجرين.

والآن يبدو كما لو أن المسلمين في فرنسا مرغمون على دفع الخراج من مصالحهم للجماعات الإرهابية أو تيارات الإسلام السياسي، حسب الظروف. لقد واجه هؤلاء حقبة صعبة طيلة فترة صعود أسهم “الراديكالية المسلحة” ما بين 2014 تاريخ إعلان داعش خلافته الصورية، إلى 2019 تاريخ الحسم النهائي مع التنظيم، ومقتل زعيمه أبي بكر البغدادي؛ واليوم هم ضحايا “الراديكالية المسيسة”، التي تريد تحويلهم إلى وقود في معركة مفتوحة مع الدولة الفرنسية التي تستضيفهم في إطار قوانينها الجمهورية العلمانية ويريدون الانقلاب على التعايش بنسف تلك القوانين.

12