ماذا بعد جنيف 2

السبت 2013/12/07

قررت الأمم المتحدة موعدا لجنيف2، بعد قرابة شهر من الآن. يبدو أن عقد المؤتمر الدولي وإخراجَ بنوده يقترب من أن يكون تحصيلاً حاصلاً؛ فقد حُسمت الخلافات الأميركية الروسية منذ جنيف1، لصالح تراجع أميركا نتيجة أزماتها الاقتصادية؛ فقررت التخلي عن سوريا لروسيا، مقابل مساندة روسيا لها ضد خطر الصين ولصالح مصالحها في الشرق الآسيوي.

ما بين جنيف1 وجنيف2 هو محاولة حلحلة خيوط المسألة السورية المتشابكة. حيث تتزاحم الدول الإقليمية والدولية على مصالحها؛ أميركا تريد أمن إسرائيل، والحفاظ على مصالحها في الخليج العربي؛ وروسيا تريد السيطرة الكلية على سوريا، بما يعني تبعية المؤسسة العسكرية، وتبعية الاقتصاد السوري لها، فضلاً عن حماية أسطولها العسكري في المتوسط، وهي تريد ملء الفراغ في المنطقة نتيجة الضعف الأميركي، حيث تشهد المنطقة انفتاحا روسيا مصريا، على دول الخليج وفرنسا وبقية أوروبا، وكذلك تركيا، التي تريد حصتها الممكنة من الاستثمارات، والكل يسعى إلى عودة العلاقات الدبلوماسية مع النظام.

إيران تريد تأمين استمرار دعمها لحزب الله، والحصول على حصة من الاستثمارات. دول الخليج العربي، الإمارات وقطر خصوصا، تريد استئناف مشاريعها الاستثمارية التي توقفت خلال الثورة، والحصول على أخرى جديدة، كإعادة الإعمار؛ السعودية، المهتمة بلعب دور إقليمي، معنية بتهديد النفوذ الإيراني على المنطقة، وتريد الحصول على نفوذها عبر دفع الائتلاف السوري، الذي تدعمه، للحصول على نصيب أكبر من الحكم، لذلك هي ترفض في «جنيف2» بقاء الأسد.

أما بقية الخيوط المتشابكة فمنها ما يتعلق بمصير عائلة الأسد، بما يعنيه من سيطرة أمنية على الشعب، ومن احتكار وتحكم بالاستثمارات الخاصة من قبل عائلة الأسد- مخلوف- شاليش. ومنها ما يتعلق بمصير ما تبقى من الجيش السوري، خصوصا الفرق التي ظلت حبيسة ثكناتها ولم تقحم في المعارك خوفا من انشقاقها، ويجول حديث عن دمجها بالجيش الحر لتشكيل جيش جديد. ومن الخيوط المتشابكة أيضا عن إبقاء الجيش تابعا للنظام، أي للروس، فيما الأجهزة الأمنية ستتبع للحكومة الانتقالية. فضلاً عن مشكلة الأكراد ومصيرهم، وكيفية مواجهة الكتائب الجهادية وتطويق تناميها المتزايد.

الثورة وحدها غير حاضرة في «جنيف2»، حيث يجري تطويقها من كل الأطراف. النظام يقصف بعنف لا معقول المناطق المحررة، ويتسبب بنزوح كبير فيها، فيما تحولت المناطق التي يسيطر عليها إلى ثكنات عسكرية، ومعتقلات للموت تحت التعذيب، خصوصاً العاصمة دمشق، مما أدى إلى تطويق أي نشاط مدني للثورة فيها إلى درجة الاستحالة. المعارضة غير معنية بالثورة أصلا، منذ اندلعت وإلى الآن، وهي غير معنية بتمثيل مطالبها في جنيف، بل هي معنية بالتشبيك مع الدول الكبرى والدول الداعمة لها، لتفوز بحصة من السلطة القادمة. الكتائب الأصولية، داعش والنصرة، وكتائب الجبهة الإسلامية كذلك، هدفها دولة خلافة تحقق الإسلام الرشيد. الواقع أن ذلك حجة لفرض حكمها القروسطي بقوة السلاح، وهو استبداد جديد بدأ الشعب يعاني منه في المناطق المحررة.

إذن طبخة المرحلة الانتقالية تعد على مهل في جنيف. هي غير معنية بالشعب وبثورته، والشعب غير معني بها، إلا بقدر ما توقف آلة الاقتتال الدائر، بين نظام خرجت السيطرة العسكرية من يده إلى أيدي داعميه، الروس وإيران وحزب الله وغيرها.. وبين ثورة شعبية تكاد تسيطر على ساحات القتال فيها كتائب أصولية، لا تنتمي إليها.

الشعب يريد الخلاص من الظلم، ويريد الوصول إلى دولة تقوم على أسس المساواة والمواطنة، بكل ما تعنيه تلك الأسس من معنى؛ أي يريد توزيعا عادلا للثروة، وتقليصا للتمايزات الطبقية، يريد فرص عمل للجميع، ودخلاً لائقاً يكفيه ويؤمن مستقبله، ويريد الحصول على حقه في حرية التعبير والفكر، وحرية ممارسة العمل السياسي والحزبي بعيدا عن التسلط الأمني. كل ذلك ممكن؛ ولكن ليس عبر انتظار أن يأتي حكم عادل؛ فهذه الأفكار، التي يروّج لها الليبراليون والإسلاميون على السواء، آتية من ثقافة القرون الوسطى.

الحكم العادل الممكن في سورية ما بعد «جنيف2» يتحقق في أمرين مترابطين ترابطا عضويا: الأول تغيير النمط الاقتصادي القائم على «الانفلات» الاقتصادي، واقتصاد السوق، واستبداله بنمط منتج تعاد فيه هيكلة القطاع العام، ويُضبط ميل القطاع الخاص إلى الاستثمار في القطاعات الهامشية، عن طريق عودة دور الدولة في وضع الخطط التنموية. ذلك يحتاج إلى ضبط الميل إلى النهب عبر الدولة، والذي كان قد حدث طيلة حكم النظام؛ ويتم ذلك عبر الأمر الثاني وهو تحقيق ديمقراطية أوسع، تمكن الشعب من ممارسة دوره في الرقابة والمحاسبة على أجهزة الدولة، عبر مجالس محلية منتخبة ونقابات مهنية وعمالية وفلاحية وطلابية، فعلية وليست صورية تابعة تختارها السلطة. هذا يحتاج إلى عودة النشاط المدني بقوة، ولكن ليس بالعفوية التي بدأها، بل بشكل أكثر تنظيما وقدرة على الحشد، والاستفادة من الخبرات التي راكمها الشعب خلال سنوات الثورة الثلاث.

كل ذلك يتطلب صراعا ثقافيا وأيديولوجيا مع كل أشكال التعصب العنصري والفئوي والطائفي، التي تنامت خلال الثورة نتيجة العنف اللامعقول من النظام، والتدخلات الإقليمية التي تدعم الثقافة الأصولية. هذا الصراع ضد التطرف بدأ مع ظهور التنظيمات الجهادية في المناطق المحررة، وسيشتد في حال أوقفت مقررات «جنيف2» القتال.

ولابد أن يشمل هذا الصراع أيضا مواجهة مقررات جنيف2، ليس فقط ما يتعلق باقتسام ونهب البلاد من مراكز القرار الرأسمالية، بل أيضا المقررات المتعلقة بترسيخ الطائفية، حيث لم يتوقف الأميركان ولافروف وغيرهم عن الحديث عن حماية الأقليات، لفرض محاصصة طائفية في الحكم القادم، ما يؤسس لحكم ضعيف، مشتت وتابع لدول متعددة إقليمية ودولية.


كاتبة سورية

9