ماذا بعد نقع الإصبع في الحبر

الاثنين 2014/10/27

أُسدل الستار، مساء الأحد، عن الحدث الانتخابي التشريعي الأهمّ لدى التونسيين، منذ الانتفاضة الشعبية التي أسقطت نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، في انتظار إعلان الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات عن النتائج الأولية في أجل لا يتجاوز تاريخ الثلاثين من أكتوبر الجاري.

انتخابات رأى بعض المراقبين أنّ نسبة المشاركة فيها كانت متوسطة، أو أقلّ بقليل، وأنه يمكن القول إنّها مرّت في ظروف عادية، بعد أن سخّرت وحدات الشرطة والأمن والجيش الوطنيين عددا كبيرا من قواتها لتأمين هذه العملية التي تمثّل لحظة فارقة ومفصلية في تاريخ تونس الحديثة.

مواقع التواصل الاجتماعي، بدورها، حفلت كالعادة، وعلى هدي ما حصل في انتخابات أكتوبر 2011، بصور الناخبين الرافعين لأصابعهم الموشّحة بلون الحبر الانتخابي الموحّد، الذي اختارت الهيئة أن يكون “بنفسجيا” هذه المرّة !!

تلك الصور الاحتفالية، لم تخف حيرة الناخب التونسي على مستقبله وتمزّقه بين الخيارات والاختيارات التي تعدّدت حدّ ما يعبّر عنه بـ”الإسهال الانتخابي”. تمزّقٌ أنتجه العدد المهول من القائمات الحزبية والمستقلة التي ترشح أصحابها لنيل مقعد في البرلمان المقبل والتي تجاوز عددها الـ 1300 قائمة، وحيرةٌ على المستقبل قِوامُها ضبابية المشهد السياسي الذي أحاط بالعملية الانتخابية.

فالناخب التونسي، وفق عدد من المراقبين، لم يدرك حتى أثناء اختلائه بنفسه مع ورقة الانتخاب، طبيعة المشروع الذي يمكن أن يصبّ في حسابهِ خيارهُ ذاك. فذاكرة التونسيين، وإن اعتبرها البعض قصيرة سريعة التناسي، فإنّها مازالت تحفظ، ما دعاه البعض حينها؛ “خيانة” بعض الأحزاب لناخبيها وتخليها عن مشاريعها التي اُنتخبت على أساسها، لأجل إرضاء الطرف الذي فاز بأغلبية المقاعد ذات أكتوبر من سنة 2011، وتحصيل “قطعة” أو حتى بعض “الفتات” من “كعكة الحكم” التي أغرتهُم فأَنستهُم وعودهم والتزاماتهم تجاه من صوتوا لهم.

هذه الذكرى التي حفظتها أذهان بعض التونسيين جيّدا، حضرت معهم، يوم أمس، إلى مكاتب الاقتراع، لكنّ وعيهم ذاك، عوض أن يُسهّل عليهم الاختيار هذه المرّة ويكون أنيسًا لهم حتى لا يقعوا في جُبٍّ أوقعوا أنفسهم فيه بالأمس القريب دون وعي، زاد من مقدار حيرتهم لسببين اثنين؛

أوّلهما أنّ قائمات “الحداثيين” لم تَعتَبِر ممّا مضى، ومضت في خيار التشتت الذي انتهجته منذ الانتخابات الفارطة، وهو ما جعل عملية الاختيار عسيرة في ظلّ حالة التجاذب الداخلية التي أحسها البعض؛ بين الوفاء لأيديولوجياتهم ومدارسهم الفكرية أو السير على هدي “الاقتراع المُفيد”، أي التصويت لصالح الطرف “الأقرب” (خاصّة في ما يتعلق بالمشروع المجتمعي) المخوّل أكثر من غيره للفوز.

وثانيهما أنّ هذا “الاقتراع المفيد” يمكن أن يرتدّ على أصحابه، فيجدون أنفسهم أمام المشهد الأول الذي عاشه آخرون قبلهم بُعيد انتخابات 2011؛ خاصة بالنسبة لأولئك الذين “فرّوا”، سابقا، من مشروع حركة النهضة الإسلامية واختاروا التصويت لقائمات المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل من أجل العمل والحريات (العلمانيين)، ليجدوا أنفسهم فيما بعد متحالفين معها من موقع الأدنى، لا من موقع الندية حتّى.

هذان العاملان اللذان زادا من حيرة الناخب التونسي (خاصة ذاك الذي لم يحسم أمره حتى لحظة الاختيار) تجاه طبيعة المشهد السياسي الذي سيلي عملية الإعلان عن نتائج الانتخابات، أنتجا ضوضاءً من الأسئلة داخل ذهنه لحظة نقع الإصبع في الحبر؛ ما هي التحالفات التي يمكن أن تحصل؟ بين من ومن؟ هل يمكن أن تفعلها بعض الأحزاب “العلمانية” ثانية، وتنتصر لمصالحها الضيقة على إرادة ناخبيها؟ هل ضَمنَ أنّ صوتهُ قد ذهب إلى من سيحافظ عليه ولن يضيعه؟ أسئلة عدّة، من المؤكّد أنه لن يجد إجابات شافية عليها في لحظتها، لسبب بسيط أوحد؛ الكلّ في تونس يتدرّب على الممارسة الديمقراطية والسّبُلُ العريضة الواضحة لم تكتمل ملامحها حدّ اللحظة، ممّا يخلق حالة من الضبابية، يبدو أنّها لن تنقشع قريبًا.

6