ماذا تبقّى من الديمقراطية في تركيا

من الضروري ألا تفقد المعارضة التركية الرغبة في العمل المشترك بعد الانتخابات وذلك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام الديمقراطي التركي. فالمسألة لا تتعلق بالحفاظ على الديمقراطية، إنما بإنقاذها من مستقبل تسلطي مظلم.
السبت 2018/06/30
المعارضة التركية لم تستطع التوحد لصد أردوغان

في أثناء حملته الانتخابية بدا أن محرم إينجه، زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي، سيشكل تهديداً جدياً لاحتفاظ رجب طيب أردوغان بمنصبه الرئاسي ولسيطرة حزبه على البرلمان. لكن الأخير استطاع تحقيق الفوز من الجولة الأولى للانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي وحقق نحو 53 بالمئة من الأصوات. كما نجح تحالفه السياسي مع حزب العمل القومي التركي اليميني في تحقيق غالبية برلمانية عززت منصبه الرئاسي. مع ذلك يمكن ملاحظة أن إينجه، منافس أردوغان الرئيسي، قد نجح في تحشيد الملايين من الأتراك وبث الحياة في المعارضة السياسية التركية من جديد، بعد أن خنقها أردوغان طيلة السنوات الماضية، وبشكل خاص بعد محاولة الانقلاب العسكري قبل عامين.

شهدت التجمعات الانتخابية التي أقامها إينجه حضور مئات الآلاف من مناصريه وكانت حماسية إلى درجة دفعت عديد المراقبين إلى التفاؤل بإمكانية هزم أردوغان. كانت تلك مشاهد حقيقية ولكنها لم تدل على انهيار شعبية الرئيس التركي، وإنما على الاستقطاب الذي بات يطبع السياسة التركية وهو انقسام بين هويتين: إسلامية وعلمانية.

استطاع إينجه تحشيد شرائح واسعة من الطبقة الوسطى والأقليات الدينية والإثنية في تركيا كانت تراقب تحركات أردوغان التسلطية وخطابه الذي يزداد إسلاموية بحذر وخوف شديدين. كما استطاع توحيد شرائح واسعة من المعارضة التركية في حدث نادر، وذلك بعد أن وجدت المعارضة نفسها عاجزة عن إيقاف حكم أردوغان والمسار الذي دفع البلاد إليه.

ولكن على الطرف الآخر، لا تزال فئات شعبية متنوعة تدعم أردوغان وبصورة أقل حزبه. تراجع الأداء الانتخابي لحزب العدالة والتنمية وخسر بعض المقاعد في البرلمان، مقابل صعود حليفه حزب العمل القومي التركي. وفي الوقت الذي انخفضت فيه شعبية حزب العدالة والتنمية، حافظ أردوغان على شعبيته وهو ما يستدعي التفسير. يعود ضعف الأداء الانتخابي لحزب العدالة والتنمية إلى تدهور الاقتصاد التركي والاستياء الشعبي العام الذي رافقه. تسبب الركود الاقتصادي الذي ضرب البلاد وعصف بعملتها في ارتفاع مستمر في الأسعار وتدهور سريع في القدرة الشرائية للمواطنين الأتراك. ولكن في المقابل لم يؤدّ الاستياء الاقتصادي إلى تخفيف حدة الاستقطاب الهوياتي الذي بات يطبع السياسة التركية بصورة عامة، والذي يقسم تركيا إلى معسكرين علماني وإسلامي بصرف النظر عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية لكل طرف. بهذا المعنى اندفع الملايين من الأتراك للتصويت انطلاقا من موقعهم المحدد سلفا ضمن هذا الاستقطاب، وليس انطلاقا من برامج الأحزاب السياسية والاقتصادية أو من خياراتهم الشخصية.

وليس أردوغان من أدهى الساسة في استغلال الاستقطاب الموجود وتحويله إلى أصوات سهلة المنال فقط، ولكنه أيضا ضليع في صناعة وتعميق هذا الاستقطاب. فقد عمل بالفعل على تعميقه خلال السنوات الماضية من خلال استغلال مشاعر العداء للغرب وخصوصا للولايات المتحدة وإسرائيل في خطابه السياسي، فضلا عن ترهيب السكان من حزب العمال الكردستاني ومن التطلعات السياسية المحقة للأكراد في تركيا.

فخلال العام الماضي صعد أردوغان من انتقاداته لأوروبا وأميركا من جهة، وشن حملة عسكرية على مدينة عفرين، معقل أكراد سوريا، حققت نجاحاً سريعاً. هكذا اندفع الرئيس التركي لحصد نتائج نصره العسكري ولتحويل المشاعر القومية التركية التي كانت فائضة لدى الملايين من الأتراك نحو نصر انتخابي من خلال تقديم موعد الانتخابات التركية.

من الضروري ألا تفقد المعارضة التركية الرغبة في العمل المشترك بعد الانتخابات وذلك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام الديمقراطي التركي. فالمسألة لا تتعلق بالحفاظ على الديمقراطية في تركيا، وإنما بإنقاذها من مستقبل تسلطي مظلم.

إذ يمكن أن تكون لنتيجة الانتخابات الأخيرة آثار كارثية على مستقبل الديمقراطية التركية. فالرئيس الجديد يتمتع بصلاحيات واسعة تخول له تعيين الحكومة وأعضائها، فضلا عن القيام بتعيينات في مؤسسة القضاء. كما سيطر تحالفه السياسي على السلطة التشريعية في البلاد وهو ما يعني المزيد من التراجع على مستوى الفصل بين السلطات، والذي يعتبر أحد أهم أعمدة الديمقراطية.

العمود الثاني للديمقراطية الذي يشمل الحريات المدنية، يبدو متداعيا هو الآخر. فمنذ فشل محاولة الانقلاب العسكري قبل نحو عامين، تم تسريح، وفي الكثير من الأحيان، سجن نحو مئة ألف موظف في الدولة التركية بتعليمات من أردوغان. كما تتواصل سياسة الاعتقالات التعسفية التي تشمل صحافيين ومواطنين أدلوْا بتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي وذلك لنشر مناخ من الخوف والترهيب. يتحكم أردوغان أيضا في وسائل الإعلام ويوظف المساجد والمدارس والجيش في خدمة أجندته السياسية التي باتت تتمحور حول شخصه.

ظهر عدة تحليلات ترى أن فوز أردوغان سوف يرفع الضغوط عن السلطان ويدفعه لإرخاء قبضته على الدولة والمجتمع. ولكن تاريخ الدكتاتوريات، يعلّمنا أن احتمال حدوث ذلك ضعيف جداً، إذ تميل تلك النظم إلى المزيد من الضبط السياسي والاجتماعي. الحقيقة أنه إذا لم تستطع المعارضة التركية التوحد وتفعيل نشاطها السياسي لتعطيل هذا المسار، فإن مستقبل ما تبقى من الديمقراطية التركية في خطر كبير.

9