ماذا تحقق من طموحات للمنتفضين العرب بعد عقد من الثورة

"الربيع العربي" تحول إلى "الشتاء العربي" مع صعود التطرف الديني واندلاع الحروب والنزاعات.
الثلاثاء 2020/11/24
الاستثناء في منطقة عصفت الحروب بثوراتها

عندما اندلعت الانتفاضات الشعبية في المنطقة العربية قبل عشر سنوات رأى المحللون حينها أنه وُلد من رحمها نموذج جديد للشرق الأوسط مستند إلى إدراك جماعي بأن الطغاة لم يعودوا في أفضل أحوالهم، وأن التغيير يمكن أن يحدث من الداخل، وليس فقط كنتيجة لتغير في الخارطة الجيوسياسية العالمية، ولكن ذلك المشهد خلف وراءه دولا منهارة ومواطنين لاجئين وتحول “الربيع العربي” إلى ساحة حروب مفتوحة لا أحد يعلم متى ستنتهي.

بيروت – أثارت انتفاضات شعبية في المنطقة العربية قبل عقد من الزمن أحلاما بالحرية، قبل أن تتدحرج كرة الثلج هذه في معظم الدول التي انتقلت إليها وتحطمّ آمالا كثيرة، لكن هذا الحدث التاريخي غيّر وجه المنطقة برمّتها.

وشهدت المنطقة انهيارا سريعا لأنظمة بدا أن الخلاص منها مستحيل، قبل أن يعلن تنظيم داعش المتطرف إقامة “دولة الخلافة” على أراض واسعة من سوريا والعراق، وما لبث أن أفل نجمه بعد سنوات أثار خلالها الرعب في العالم.

في المحصلة، أدى ما يسمى بـ”الربيع العربي”، الذي تحول إلى “الشتاء العربي”، إلى نتائج متفاوتة، فالتظاهرات الشعبية الحاشدة في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا تبعتها إصلاحات مخيبة للآمال في أحسن الأحوال، أو ردود فعل قمعية من أنظمة دكتاتورية، ولكن أيضا نزاعات دامية.

ومع ذلك، فإن روحية الثورة لم تمت بعد، وهو ما تجلّى بعد ثماني سنوات في اندلاع موجة ثانية من الانتفاضات الشعبية في كل من السودان والجزائر والعراق ولبنان.

ولكن مع كل ما حصل، يطرح محللون وباحثون سيلا من التساؤلات الممزوجة بالانطباعات المختلفة حول المستقبل الذي كان يتطلع إليه سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة مع النكسات التي تعرضت لها الشعوب في دخول عصر لا يحكمهم أحد بقبضة من حديد.

أهداف سويف: من المبكر تحديد إرث ثورات مازالت في طور التنفيذ
أهداف سويف: من المبكر تحديد إرث ثورات مازالت في طور التنفيذ

بين الحلم والواقع

ظهر حد فاصل خلال السنوات العشر الماضية بين ما هو حلم قابل للتحقق وبين الواقع الراهن، ولوهلة، بدا وكأنّه لا يمكن وقف انهيار الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة في 2011، كما بدا قبل ذلك أنّه لا يمكن المسّ بقادتها، بيد أن الأمور لم تسر على النحو الأمثل.

ورغم ذلك، تعتبر لينا منذر، وهي مؤلفة ومترجمة لبنانية لعائلتها جذور سورية ومصرية، أنّ شيئا ما “في نسيج الواقع نفسه” تغيّر منذ اندلاع الثورات، ولا ترى إن “كان هناك ما هو أكثر إثارة للمشاعر أو نبلا من شعب يطالب بصوت واحد بحياة كريمة”.

وتضيف في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية “يثبت ذلك أنّ أمرا مماثلا ممكن، وأنه يمكن للناس أن يثوروا ضد أسوأ الطغاة، وأن هناك ما يكفي من الشجاعة لدى الناس الذين يقفون ويعملون معا لمواجهة جيوش بأكملها”.

وشهدت خمس دول عربية قبل عقد من الزمن انتفاضات شعبية متتالية انطلقت شراراتها في تونس ليسقط في البداية الرئيس الراحل زين العابدين بن علي من الحكم، ثم تلته انتفاضة في مصر لتطيح بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ليأتي تحرك ثالث في ليبيا دفع ثمنه الزعيم معمر القذافي الذي قتل على يد أحد الثوار.

وفي سوريا، لم يأت دور بشار الأسد قط، فقد نجا من العاصفة وبات “قطعة الدومينو” الوحيدة التي لم تسقط، فقد تحولت الاحتجاجات في بلاده إلى حرب مدمرة، كما حصل في اليمن، والتي تسببت في موت الرئيس السابق علي عبدالله صالح بعد سنوات من مهادنة جماعة الحوثي التي استولت على العاصمة صنعاء.

وتعد البحرين البلد الخليجي الوحيد الذي شهد احتجاجات شعبية، سرعان ما تمت السيطرة عليها بدعم من السعودية، التي استبقت انتقال العدوى إلى أرضها باتخاذ حزمة من التدابير.

وتحوّل الأمل الذي عبّرت عنه المحللة السياسية والروائية المصرية أهداف سويف في مقال نشر على أعمدة صحيفة “الغارديان” البريطانية خلال فبراير 2011 إلى ما يشبه السراب اليوم.

ومع ذلك، تعتبر سويف أنه من المبكر تحديد إرث تلك الثورات التي مازالت في طور التنفيذ، وترى أن الظروف التي عاشت الشعوب في ظلها منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، أدت إلى الثورة وكان أمرا حتميا ولا يزال كذلك.

وترفض سويف، على غرار آخرين، ربط صعود الإسلام الراديكالي بالثورات، بل ترى فيه “ثورات مضادة” غذّت كل أنواع الحرمان والفقر التي يقتات عليها الجهاديون.

روحية الثورة لم تمت بعد في العراق
روحية الثورة لم تمت بعد في العراق

كما ترفض مقولة إن مصر عادت إلى ما قبل 2011، بل تعتبر أن الناس اليوم باتوا أكثر “وعيا ويقظة” لما يدور حولهم. وتوضح أن هناك اليوم “ثورة اجتماعية أحرزت تقدما كبيرا في قضايا عدة، مثل حقوق المرأة وحقوق المثليين”، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّ الطريق لا يزال طويلا أمامهم.

وبعد سنوات من اندلاع الموجة الأولى، خرجت العام الماضي تظاهرات حاشدة في السودان والجزائر والعراق ولبنان. رفعت الاحتجاجات بعض الشعارات ذاتها التي رُفعت قبل عشر سنوات وبينها “الشعب يريد إسقاط النظام”، ما أعاد إلى الذاكرة الثورات الأولى وأكد أن تأثيرها لا يزال قائما بين الشباب العربي.

ويقول الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن أرشين أديب مقدم إن المطالب الرئيسية للتظاهرات ستعود وتخرج إلى العلن في أقرب فرصة وكأنها تسونامي سياسي.

ويرى صاحب كتاب “الثورات العربية والثورة الإيرانية: القوة والمقاومة اليوم”، أن شعوب المنطقة وضعت معيارا جديدا للسياسة والحوكمة التي تطالب بها. ومنذ ذلك الحين، تقاس كل السياسات بحسب تلك المطالب، ويقول إن أي دولة لا تدرك هذه الحقيقة الجديدة يكون مصيرها الدخول في مواجهة.

ويظهر التاريخ أن الثورات تحتاج عادة إلى سنوات طويلة، غالبا ما تكون صعبة، لبلوغ نتائجها، لكن ليس من السهل العودة عن التغييرات التي تطرأ على أشخاص شاركوا في تلك الثورات أو كانوا شهودا عليها.

وتقرّ لينا منذر أنه بغض النظر عما ينتظرها، فإن الطريقة التي تنظر بها الشعوب إلى قادتها أو إلى العالم أو حتى إلى نفسها، قد تغيرت إلى الأبد.

وتقول “عشنا فترة طويلة في عالم حاول أن يغرس فينا فكرة أن الفكر المجتمعي مشكوك بأمره، بل أن الفردية هي مرادف للحرية، لكن هذا ليس صحيحا. الكرامة هي مرادف الحرية”.

الشتاء العربي

نوا فيلدمان: الربيع العربي هدفه إبراز أشخاص يصنعون تاريخهم
نوح فيلدمان: الربيع العربي هدفه إبراز أشخاص يصنعون تاريخهم

تسببت سياسات إدارة الرئيس السابق باراك أوباما تحت عناوين دعم الانتقال الديمقراطي وإعطاء الناس مساحة أكبر للحرية والتداول السلمي على السلطة إلى فوضى عارمة في أرجاء المنطقة العربية، ومع وصول الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن للبيت الأبيض يبدو أن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستعيش على وقع تحولات قد لا تكون إيجابية.

وقد دعم أوباما اندلاع الثورات العربية وسارع إلى إعلان دعمه للمتظاهرين الذين اجتاحوا الشوارع، إلا أن هذا الدعم لم يتحول إلى تدخل مباشر لصالح الاحتجاجات المنادية بالتغيير، ولكن كان تدخله العسكري في ليبيا مثيرا للجدل.

ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم يبدو أن ثمار “الربيع العربي” المنتظرة لم تزهر كما توقعت الشعوب، ففي العام الماضي، عنون الكاتب الأميركي نوا فيلدمان كتابا حول الموضوع “الشتاء العربي”، وهو مصطلح ظهر مع عسكرة الثورات وصعود التطرف الديني واندلاع الحروب والنزاعات.

وعلى غلاف الكتاب الخلفي، كتب الأكاديمي البارز مايكل إغناتيف أن المؤلف يسلط الضوء على “أحد أهم الأحداث في عصرنا: الفشل المأسوي للربيع العربي”.

وباستثناء تونس، لم تملأ أي إصلاحات ديمقراطية الفراغ الذي خلّفه سقوط الأنظمة، وعلا صوت العنف، ففي 2012، انتخب المصريون الإسلامي محمد مرسي رئيسا، لكن أداءه وبرنامجه أثارا معارضة شرسة، فتجددت الاحتجاجات، ما مهّد إلى عزله في يونيو 2013.

ويعتبر فريدمان في كتابه أنه “بالمقارنة مع الفشل في مصر والكارثة في سوريا، تبدو تونس وكأنها العلامة الفارقة في الظاهرة الإقليمية”. ورغم أن الدولة الصغيرة في شمال أفريقيا بقيت أفضل حالا من الدول الأخرى، إلا أنّ مكاسب ثورة 2010 لا تزال غير ظاهرة.

ويقول فيلدمان في كتابه “كان الهدف السياسي الأساسي للربيع العربي إبراز أشخاص يتكلمون العربية، ويتصرفون بشكل مستقل تماما في صناعة تاريخهم والتاريخ بشكل عام”.

لكن بعد عقد على اندلاعها، ينظر بالأحرى إلى ثورات الربيع العربي على أنها فشلت في تحقيق مرادها، فقد دُمّرت سوريا، ووقعت فيها أسوأ كارثة نزوح إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية.

وفي اليمن يموت الأطفال من الجوع كما تحولت ليبيا إلى دولة اللاقانون وإلى ساحة لصراعات الميليشيات وداعميها الدوليين، أما الأصوات المطالبة بالديمقراطية في هذه الدول فلم يبق لها أي صدى.

7