ماذا تريد قطر من الإمارات

الأحد 2018/01/28

اعتراض مقاتلات قطرية لطائرتين إماراتيتين وتعريض حياة المدنيين للخطر يعتبرهما المراقبون تصعيدا مقلقا في المنطقة. ماذا تريد قطر من هذا الاحتكاك المتواصل مع الإمارات تحديدا؟ هل حقا تريد جرّ المنطقة إلى أزمة عسكرية تتورّط فيها قوى إقليمية؟ يبدو أن أبوظبي تعرف جيدا محنة قطر وثقلها عليها.

تتظاهر الدوحة بأن المقاطعة لا تؤثّر عليها وهي في الحقيقة استنزاف لقواها الاقتصادية وسمعتها الدولية وحالة اكتئاب جماعي يعاني منها كل قطري. الدوحة ضيعت الفرص الكثيرة سابقا ووصلت في النهاية إلى عزلتها الحالية، وهذه الأعمال العدوانية ضد الإمارات لن تمنحها فرصة جديدة ولن تكسر المقاطعة بل سيكون تأثيرها عكسيا.

الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أصبح أميرا لقطر بتاريخ 25/ 6/ 2013 بعد أن تنحّى والده الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني طوعيّا. لا يوجد تفسير مقنع حتى الآن لهذه الاستقالة. البعض قال إن هذا الأمر حدث في منتصف الربيع العربي كرسالة قطرية بأن التغيير ليس أمرا مخيفا. البعض الآخر قال إن التنحّي لأسباب صحية، فعملية الكلية الأولى للشيخ حمد بن خليفة كانت عام 1997 وهناك عملية أخرى خضع لها عام 2010 ومن الواضح أنه قد فقد الكثير من الوزن مما يعكس حالته الصحية المتدهورة. طبيعة مرض الكلية تقتضي الخضوع لفترات علاج طويلة لهذا اعتبر الشيخ حمد موضوع استقالته صار مسألة جدية منذ عام 2010.

لقد تخيّل الأمير المتنحي بأنه سيرحل ويستلم ابنه الشاب الإمارة بينما زميله الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية ورئيس الوزراء صاحب الخبرة سيكون مسيطرا على قرارات البلاد. خصوصا أن الشيخ حمد بن جاسم لم يكن يبلغ من العمر حينها سوى 53 عاما مما يؤهله للقيام بالسيطرة الفعلية على قطر. فهو مهندس سياسة قطر الخارجية والصوت المسموع محليا وهو المهيمن على الثروة السيادية والخطوط الجوية القطرية. ولغرض توفير الحرية لولده الشيخ تميم في الحكم أمر الشيخ حمد بن خليفة وزيره الشيخ حمد بن جاسم أن يستقيل معه من الحكومة وترك البلاد لولده والوجوه الجديدة.

في كل الأحوال حكومة الشيخ تميم الجديدة غيرت عشرة وزراء. وبدلا من الشيخ حمد بن جاسم ظهر رجل جديد هو الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني. لاحظنا في السنة الأولى لحكم الشيخ تميم أن السياسة القطرية لم تتغير كثيرا فأبوه الشيخ حمد مازال في الدوحة وأمه الشيخة موزة بنت ناصر آل مسند مازالت الشخصية المالية القوية التي تدير المؤسسة القطرية. ثم إن الشيخ حمد بن خليفة لو كانت عنده شكوك حول انقلاب ولده الشيخ تميم على سياسته في البلاد لما تخلى له عن الحكم طوعيّا.

بعد أسبوع من تنصيب الشيخ تميم في الدوحة تمّ إلقاء القبض على الرئيس محمد مرسي والتخلص من حكم الإخوان المسلمين بمصر. وهذا يعني أنه وبمجرد الخلاص من الحمدين المهندسين للفوضى في المنطقة فإن الربيع العربي انهار تماما.

مع هذا بقيت قطر تحاول زعزعة مصر وإشعال الحرائق في الخليج مما دفع ثلاث دول خليجية إلى سحب السفراء في مارس 2014. كان ذلك بمثابة زلزال سياسي خليجي يحدث للمرة الأولى. فعلى الرغم من أن الرياض كانت قد سحبت سفيرها من قطر في عامي 2002 و2008 غير أن هذه أول مرة تقوم ثلاث دول خليجية بالتنسيق لعزل الدوحة دبلوماسيا. تلك الأزمة كانت مقدمة للمقاطعة الحالية التي بدأت في 5 يونيو 2017 ومازالت مستمرة حتى اليوم.

في أزمة 2014 كانت قطر قلقة من أن السعودية ستغلق منفذ قطر البري الوحيد عبر أراضيها أو تغلق أجواءها في وجه الطيران القطري لكن المملكة لم تفعل ومنحتها فرصة أخيرة في ذلك الحين. الرياض كانت تعلم أن 23 بالمئة من المواد المستوردة تعبر من الحدود البرية السعودية إلى قطر.

كان الأمير الشاب خائفا ومستعدا لتنفيذ المطالب العربية المنطقية لولا أن الحمدين يحرّضانه في الخفاء للاستمرار بالمماطلة وإعطاء وعود كاذبة. قطر وضعت قواتها الجوية في حالة إنذار عام 2014 فور سماعها بسحب السفراء الخليجيين، وفعلت الشيء نفسه بعد إعلان المقاطعة الحالية 2017 وروجت لتخوفها من احتلال سعودي للدوحة.

في تلك الفترة عملت قطر لتسعة أشهر مع حكومتي الرياض وأبوظبي لتحقيق المطالب وعودة العلاقات وكان الجميع يظن حينها أن الدوحة قد استوعبت الدرس. فقد قامت بخطوات عملية “مؤقتا” مثل تخفيف حملاتها الإعلامية العدائية وطرد قيادات الإخوان المسلمين والكف عن تحريض المواطنين الخليجيين ضد حكوماتهم واحترام التزامات وأهداف مجلس التعاون.

غير أن الرياض لاحظت أن الدوحة وافقت على الشروط حينها شكليا فقط ولم تغير سياستها فعليا. فبعد عودة العلاقات بزمن قصير منحت الدوحة جنسيتها للمطلوب المصري راشد محمد راشد وعادت قيادات الإخوان إلى قطر ومنهم يوسف القرضاوي وعاصم عبدالمجيد وطارق الزمر وغيرهم، بل صاروا يظهرون على قناة الجزيرة ويحرّضون علنا. جميع المطلوبين لدى القضاء المصري عادوا إلى قطر أو استمر الدعم القطري لهم في بلدان أخرى.

بسبب النشاط القطري المتزايد لدعم الإرهاب والتطرّف تدهورت سمعة الدوحة عالميا وليس عربيا فقط. هناك كراهية واضحة في فرنسا مثلا لقطر مما أدّى إلى إلغاء صفقة مقاولات حاولت قطر الفوز بها عام 2013 في ضواحي باريس قيمتها 50 مليون يورو.

وزير التنمية الألماني اتهم في أغسطس 2014 قطر بدعم داعش، وكذلك رأينا عضوا في البرلمان البريطاني ستيف باركلي يسأل رئيس الحكومة ديفيد كاميرون ما إذا كانت قطر مسؤولة قانونيا عن دعم الإرهاب ماليا. وعضو برلمان بريطاني آخر يسأل وزير خارجية بلاده ما إذا كانت قطر قد فشلت في دفع مستحقاتها لشركات الإعمار البريطانية التي تقوم بالتحضيرات لكأس العالم 2022 بسبب إرسالها الأموال لداعش.

في تلك الأثناء كان رجال القانون في أميركا يناقشون التكلفة المالية لنقل قاعدة العديد من قطر إلى مكان آخر بسبب ضلوع الدوحة في دعم الإرهاب. وفي رسالة قوية للدوحة انطلقت معظم الطلعات الجوية الأميركية لضرب داعش منذ عام 2014 من قواعدها في الإمارات حتى لا يظن القطريون أنهم خيار الولايات المتحدة الوحيد. وهذا سبب حقد الدوحة على أبوظبي رغم أن ذلك كان خيارا أميركيا لم تتدخل الإمارات فيه. ما علاقة أبوظبي مثلا بتدهور سمعة قطر عالميا على خلفية دعمها للإرهابيين؟

دول الخليج نصحت قطر بالاهتمام بمستقبلها الاقتصادي وترك التطرّف الإسلامي والتحريض ضد الدول العربية. لقد انتهت تلك الأيام التي كانت فيها قطر تسيطر على سوق الغاز. أستراليا مثلا صارت تصدر 33 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، واستثمرت 200 مليون دولار للبحث عن حقول غاز جديدة وستضاعف صادراتها من الغاز هذا العام. في نهاية هذا العقد ستنتهي أهمية قطر كمصدّر رئيسي للغاز الطبيعي وهذا سبب بحثها عن حروب وأزمات في المنطقة.

الولايات المتحدة وبسبب الغاز الصخري أصبحت أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم. تانزانيا وموزمبيق وإسرائيل ومصر ولا نريد ذكر المؤسسات العملاقة للغاز الطبيعي التي أنشئت في روسيا وإيران مؤخرا والطموحات برفع العقوبات عن طهران. حتى سلطنة عُمان التي تحاول الدوحة أن توحي بأنها حليفها في الخليج، تستعد لتصبح لاعبا كبيرا في سوق الغاز مع تصاعد إنتاج حقل خزان.

كل هذه جهات منافسة للدوحة التي عليها أن تشكر السعودية على إدارة أسعار النفط في أوبك بطريقة تعطل الاستثمار الأميركي الواسع بالغاز الصخري وتمدّ في عمر الاستثمار القطري للغاز.

على قطر ألا تنسى بأن زيادة الطلب الصيني للطاقة منذ عام 2000 كان بسبب توسع مطّرد في اقتصاد بكين ولكن هذا التوسع توقف ولا يمكن التفاؤل بالزيادة على الطلب في السنوات القادمة. لهذا على الدوحة مراجعة حساباتها، فإلى أيّ مدى يمكنها المراهنة على التصعيد مع جيرانها؟

إن التحرش القطري بالإمارات عسكريا يعتبر دلالة عدوانية مقلقة، فالجميع يعلم أن الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان يركز على التعليم والسياسة الخارجية ودعم الإرهاب لكن ابنه الشيخ تميم أضاف إلى ذلك شيئا خطيرا؛ فهو مفتون بالتسليح العسكري بشكل كبير. لقد زادت النفقات القطرية على التسلّح بنسبة 120 بالمئة في عهده وهذا يعطي الخيارات العسكرية القطرية إغراءات متهورة.

الواضح أن أبوظبي لن تستجيب للاستفزازات القطرية ولن تحقق للدوحة أمنيتها بصدام عسكري رغم التفوق الإماراتي الواضح. قطر وضعت نفسها في محنة مع العالم ومع مصر والسعودية والعرب عموما فما ذنب الإمارات؟ كل دولة مسؤولة عن قراراتها وتصرفاتها وعليها تحمل تبعات أفعالها.

كاتب عراقي

5