ماذا تريد يا جمال خاشقجي؟

الثلاثاء 2017/10/17

من منفاه الاختياري كتب الإعلامي السعودي جمال خاشقجي مقالا جديدا غير كل مقالاته التي أعقبت خروجه من المملكة وأشهرها مقاله الأول في واشنطن بوست الذي وصف فيه المملكة بأنها بلد لم يعد يطاق وبأنه شخصيا يخاف على سلامته من بقائه فيها. وهو بالمناسبة، لم يقل في ذلك المقال لماذا يخاف على سلامته بينما نحن كتاب ومواطنون باقون في السعودية ولا نخشى شيئا ونعيش مثل أولاده ومثل غيرنا من المواطنين بأمن وسلام؟ من يخشى من شيء لا بد أنه ارتكب فعلا يثير الريبة ويثير الخوف. وهذا الشيء ليس من المفترض أن نعرفه نحن أكثر منه، وكان يجب من باب الإنصاف والمهنية، أن يذكر ما الذي أخافه ودعاه إلى الهروب إذا جاز أن نسمي خروجه هروبا.

إذا عدنا إلى مقاله الأخير فقد كان خاشقجي يرد على كاتب صحيفة الوطن السعودية صفوق الشمري، مستغلا الفرصة تلو الفرصة ليكيل لنفسه ولتنظيم الإخوان بمكيال الذهب، بينما يكيل لوطنه ورموزه بمكيال الخشب. ولكي تكون مناقشتنا لمقاله هذا واضحة سنأخذ ما ذكره فيه نقطة نقطة ونرى إن كان منصفا أم غير منصف كما كان الحال مع مقالة واشنطن بوست.

أولا، في ما يتعلق بشخصه ومواقفه التاريخية قال إنه سكت خجلا عندما اعتقلت في السابق بعض الشخصيات كما سكت حينها كل مثقف سعودي، لأنه كان يخشى على رزق عياله فحافظ بسكوته على وظيفته وأمنه. وفي هذه نقول اسمح لنا يا أستاذ فأنت لم تسكت من أجل رزق عيالك ووظيفتك وأمنك، وإنما سكت لأنك كنت ملء سمع وبصر الوسط الإعلامي في المملكة. وكنت نجما لا يبارى تتساقط عليك المناصب الإعلامية والمواقع القيادية مثل المطر لتتخير من الغيث ما تشاء، بل كنت، حتى قبل خروجك بأيام، لا تزال الشخصية الإعلامية المحتَملة للكثير من المناصب، فلا تأتي الآن لتخبرنا بأنك كنت ذات يوم تعضّ على الجمر مصابا بحسرة الضمير وضرورات المحافظة على رزق العيال.

ثانيا، خصص الأستاذ جمال تسعين في المئة من مقاله للدفاع عن الإخوان واعتبر نفسه من تلاميذهم النجباء ووصفهم بما يوصف به الصحابة والتابعين؛ فهم على حد قوله “يتميزون بحسن الخلق والبذل والاعتدال”. وهذه فرية أدعوه للاستغفار منها والرجوع عنها.

حسن الخلق الإخواني الذي تتحدث عنه رأيناه بأعيننا على شاشات التلفزيون حين كانوا يعربدون ويشتمون مخالفيهم بأقذع الشتائم؛ وحين كانوا يهددون كل صوت معارض بتصفيته معنويا وجسديا، بل توجوا هذا الخلق وهذا الاعتدال بسحل المواطنين البسطاء أمام قصر الاتحادية.

ثالثا، بلغ هذا المقال حدا مزعجا من الاستهانة بعقولنا حين وصف الإخوان بالمتفانين في خدمة الوطن. ولا يمكن أن يكون التلميذ النجيب جمال لم يطلع على تخابر مؤسس الجماعة حسن البنا مع الإنكليز في بواكير تأسيس الجماعة، وتخابر حسن الهضيبي وزينب الغزالي مع الإنكليز والأميركان في خمسينات القرن الماضي. وإذا كان قد فاته التاريخ فيفترض ألا يفوته الحاضر فهذا الرئيس المعزول محمد مرسي محكوم عليه من القضاء المصري بالسجن المؤبد بعد ثبوت إدانته في التخابر مع قطر.

وإذا أضفنا إلى ذلك قول المرشد الراحل مهدي عاكف “طز في مصر” وفتوى يوسف القرضاوي عقب سقوط حكم الإخوان بقتل جنود الجيش المصري، وتهديد قادة الإخوان وقت اعتصام رابعة، بنسف وتدمير مصر، فإن وصفهم بالوطنية هو محض جنون لا يقدر عليه سوى من تملكه حب أعمى للجماعة.

رابعا، لو تصورنا كل شيء فلا يمكن أن نتصور أن يأتي من يجرؤ على اعتبار أن من أطلق الثورة المصرية والليبية واليمنية هم الإخوان، لكن هذا ما يراه جمال حين تحدث عن الثورة السورية باعتبارها ثورة شعبية لم يطلقها الإخوان. وهذا أمر فيه اعتداء على الشعوب التي أطلقت الثورات ودفعت أرواح شبابها وقودا لها. تزوير التاريخ بهذه الطريقة أمرٌ لا يعقل؛ لكن ربما لم نعد في هذه الأيام الحبلى بكل الغرائب نستكثر من الإخوان والمحسوبين عليهم أن يأتوا كل حين بما ينافي العقل والمنطق؛ لأن هذا هو طبعهم في لي عنق الحقائق لتكون على مقاسهم ولكي توظف حسب نواياهم وأهدافهم.

أخيرا، فإن من الواضح أن ما يريده جمال ويصر عليه لكي يرضى هو أن تقبل السعودية الإخوان بكل مخاطرهم وإساءاتهم. وهذا هو مربط خلافه مع وطنه وليس مربط خلافه ضميره الذي صحا فجأة أو سعيه للإصلاح أو حرصه على حرية التعبير. هذه بالنسبة إلى شخصية مثل جمال هوامش إن لم تكن تافهة فهي مقدور عليها. قضيته الكبرى هي جماعة الإخوان وليس أي شيء آخر.

كاتب سعودي

8