ماذا تعلم الخليجيون من "سقطة" الإخوان المدوية؟

الثلاثاء 2013/10/08

في المثل الشعبي، وأظنه مثلا مصريا: «عَلِّم بالمتبلم يصبح ناسي»، فهل لا يزال الخليجيون (متبلمون) ينسون الصبح ما تعلموه في المساء؟ ينسون مثلا أن دولهم كانت أحضانا دافئة لإخوان الستينات والسبعينات حين «كشفهم» عبدالناصر، فنزح بعضهم إلى هذه الدول خائفا أو متربصا بالتاريخ، من باب أنه سيعود إلى أرض الكنانة منصورا ذات يوم؟

لقد تعامل الإخوان، ونحن في الخليج شهود على ذلك، مع حالة تشردهم في دولنا وفي دول أخرى، على أنها حالة مؤقتة مهما طالت، لأنهم سيعودون لمصر ويحكمونها ويجعلونها، بعد الفتح المبين، مركزا لحكم باقي «الولايات» العربية، التي ستدور مثل الكواكب حول شمس المرشد، الخليفة أو الحاكم بأمره حينها.

وكلنا نعلم، بطبيعة الحال، أن وعد الإخوان التاريخي لأنفسهم بالنصر المؤزر قد تحقق بعد ثورة 25 يناير التي قوّضت نظام حسني مبارك في ظل ما بات يعرف- اتفقنا أو اختلفنا على ذلك- بالربيع العربي. لكن ما لم يكن في حسبان الإخوان، أو في حسبان غيرهم، أن يتحقق هذا الوعد (خطأ) أو (خطفا). وكلاهما، الخطأ والخطف، لابد أن تكون نتيجتهما كنتيجة ما حدث في 30 يونيو حين تهاوى بيت الإخوان، الذي ظنوه شاهقا ومحصّنا، مثل تهاوي بيوت الأطفال على البحر. لم يصدقوا ولم يصدق «أطرافهم» في التنظيم الدولي أن تُحدث «سقطتهم» هذا الدوي الذي صم آذان العالم كله وأعاد عقارب الزمن، بشكل فجائي وأسرع من المتوقع، إلى الشعب المصري الذي يصر إلى الآن، بالرغم مما كابده وعاناه، على أنه قام بالثورة من أجل العيش والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وليس من أجل أن يستبدل سفينة معطوبة بسفينة مخروقة.

وقد كان من بين هذه الأطراف، التي أصابتها رجفة سقوط حكم الإخوان في مصر، طرف خليجي ظلّ طوال السنة التي حكم فيها الدكتور محمد مرسي يتهدد قومه، سرا وجهرا، بالزحف على مسلماتهم السياسية والاجتماعية متحزما بالأميركان تارة، وبالأتراك تارة أخرى. بل وصل الأمر، في مرحلة من مراحل فورة احتدام صراع التيارات السياسية الإقليمية، أن تحزّم قادة الإخوان المصريين، وأيدهم في ذلك خليجيون معروفون بأسمائهم، بإيران التي يعادونها مذهبيا، والتي تحتل بعض جزرهم، ويعرفون حجم خطرها على دولهم التي لا تبعد سوى كيلومترات يسيرة عن مفاعلها النووي. ولم يكن بمقدور أحد حينها أن يفهم كيف أصبح أعداء الإخوان الألداء بالأمس أصدقاءهم الأوفياء اليوم؟ وكيف تحولت لعنات وعداوات الإخوان السابقة إلى برد وسلام وغزل متبادل من تل أبيب إلى طهران؟

وقتها، حين كان كل إخواني يشعر أنه فوق الجميع، نبه كثير من المراقبين إلى أن هناك أجندة إخوانية تُغزل خيوطها تحينا لفرصة الانقضاض على المكتسبات المحلية لشعوب دول منطقة الخليج. وأن من يغزلون هذه الخيوط مصريون وسوريون من بقايا تلك الحقبة الخليجية الدافئة في الستينات والسبعينات، وبعضهم من أبناء المنطقة ذاتها، الذين بايع نفر منهم المرشد بالأصالة أو الوكالة.

ولما نجح الإماراتيون في القبض على جزء كبير من حقيقة إخوان الخليج في صورة ذلك التنظيم الذي حوكم أفراده وحكم على بعضهم بالسجن، فإن الحقيقة الكاملة أصبحت رأي العين أمام باقي الأنظمة الخليجية، التي نعرف أنها بقيت مترددة في الحكم على بعض الأسماء والنصوص الإخوانية، التي اكتظت بها وسائل التواصل الاجتماعي وصدور الصحف والبرامج التي تسبّح باسم الإخوان، بدءا من صحيفة الأهرام التي حجبت أسماء مصرية معروفة وشرّعت أبوابها لكتاب خليجيين مثل الدكتور سلمان العودة، إلى برنامج «الاتجاه المعاكس»، الذي تحول فيه- القومي سابقا- فيصل القاسم مع أحمد منصور إلى عضوين عاملين في مكتب الإرشاد.

لقد كانت تلك الأجندة الإخوانية الخليجية التي صدّقها أصحابها في سكرة الانتصارات السريعة في مصر تُمنّي نفسها بأن تلحق بأجندتها الأم، المتسيدة هناك، لكن الرياح الشعبية العاتية أتت بما لا تشتهي سفن السياسة وأسافين المؤامرات، فقد سقط الإخوان المصريون على أيدي مواطنيهم الذين انتخبوا منهم رئيسا في يونيو 2012، وذهب أغلب قادتهم إلى السجون وتاهت جماهيرهم في شوارع وميادين المحافظات الغاضبة عليهم وعلى طريقة إدارتهم للبلاد، داخليا وخارجيا.

وكان من الطبيعي، نتيجة لهذا السقوط وسوابقه وتوابعه، أن تنشأ مراجعات سياسية ولّدت بدورها سؤالا عن إمكانية الاستفادة من دروس هذا المنعطف التاريخي الهائل، الذي لا يخص الإخوان وحدهم، بل يخص كل من اقتربت أيديهم من حلقه وهددوا سلامته الاجتماعية وأمنه الوطني، ولاسيما دول الخليج. لكن حجم الاستفادة من هذه الدروس، بالعودة إلى تجارب ودروس سابقة، لا يشجع على التفاؤل، فالخليج، أنظمة وشعوبا، يقع دائما في فرط الثقة التي يعطيها دون حساب لجماعات أو تيارات دينية تلجأ إليه هروبا إلى الأمان أو إلى المال.

وإذا كانت دول الخليج استخدمت هذه الجماعات، أحيانا، لتستفيد منها سياسيا أو تنمويا، فإن ما لا يجب إنكاره، أو المكابرة عليه، أنه قد جرى في حقب زمنية متوالية تسليم زمام التعليم أو الاقتصاد أو بعض وجوه التنمية الكبرى في هذه الدول إلى بعض رموز وقادة هذه الجماعات دون فحص لأجندتها وتحقيق وعي كامل بأفكارها وخططها على المدى القصير والبعيد.

وقد غاب تبعا لذلك تحقيق إدراك صحيح لما يمكن أن يتركه وجود مثل هذه الجماعات، أو قيادتها لمفاصل التنمية الفكرية أو الاقتصادية، من آثار نكتشف- متأخرين- أنها تهدد أمن دولنا واستقرارها. وهذا هو الدرس الأول الذي يجب أن يتعلمه الخليجيون من تجربة صعود الإخوان إلى حكم مصر واتصالهم مع «إخوان» محليين، ثبت، بعد سقوطهم بالذات، أنهم كانوا على خط تآمري واحد لم يكن يريد خيرا بهذه الدول. وزبدة هذا الدرس هو أن الثقة المفرطة عواقبها وخيمة، وأن الوقاية من مثل هؤلاء، الذين ينقلون أدرانهم الفكرية والتآمرية، خير وأوفر على المنطقة وشعوبها من علاج نكباتهم فيما بعد.

أما الدرس الثاني، فهو أن تعي شعوب دول المنطقة خطورة «الحبكة» الإخوانية السياسية التي كانت تدبر بخفاء من تنظيمهم الدولي بالذات الذي ثبت ارتباطه بملفات أجنبية.

وهذا الوعي الشعبي يتطلب إصرارا وعملا متواصلا لفتح كل الملفات وفضح كل المؤامرات في تاريخ الإخوان على مدى ثمانين سنة، وبالذات في سنة حكمهم لمصر. ولابد أن تلعب وسائل الإعلام المحلية دورها في هذا الفضح، ولا تكتفي بالأخبار المتناثرة المنقولة والتقارير السمجة التي يعدها مراسلون ليسوا محترفين وليس بمقدورهم الغوص في خزائن الإخوان الخلفية واستخراج ما فيها من الأدلة والقرائن التي تفكك خدعهم وأباطيلهم، ليمكن بعد ذلك بناء وحدة الموقف الشعبي الكامل والمتضامن ضدهم في دول الخليج.

وفي الدرس الثالث والأخير، الذي ربما يكون هو الدرس الأهم من بين هذه الدروس الثلاثة، أن تُحصّن أنظمة دول الخليج نفسها بسياج المشاركة الشعبية السياسية التي طال غيابها رغم كل المهددات والدروس القاسية التي مرت على المنطقة. أي أن تفهم هذه الدول، أو تتفهم، بأنه لا مفر من الإصلاح في داخلها ليكون عقدها الاجتماعي مع شعوبها أكثر شفافية وقربا من مطامحهم على كل صعيد. وهذا الإصلاح، الذي أخذت المطالبة به مدى أوسع في السنوات الأخيرة، هو الضمانة الوحيدة لالتفاف الشعوب حول هذه الأنظمة، وقطع الطريق على ما يحاك في الخفاء أو العلن لهذه الدول، من الإخوان أو من غيرهم. فهل فعلا تعي أنظمة الخليج وشعوبها هذه الدروس المهمة جدا، أم أننا سنجد أنفسنا مرة أخرى في مربع النسيان الأول؟


كاتب سعودي

9