ماذا تعني احتجاجات الشرطة الجزائرية ضد النظام الحاكم

الخميس 2014/10/23

لا أحد يمكن أن يصدق أن مظاهرة رجال الشرطة العارمة التي شاهدتها الجزائر خلال الأيام القليلة الماضية، ولأول مرة في تاريخها منذ حصول البلاد على استقلالها، هي مجرد حركة عفوية أو مزاجية، أو أن الهدف منها ليس سياسيا وإنما هو من أجل تحقيق مطالب ذات طابع مهني تنظيمي واقتصادي واجتماعي فقط، كما تردد بعض دوائر النظام الحاكم.

إن طابع العفوية والمزاجية مستبعد، لأنه من غير المعقول أن يتظاهر جزء مهم وأساسي من بنية النظام الحاكم نفسه ضد المسؤولين عليه وخارج الأطر النظامية التي يلتزم بها جهاز الشرطة. من المعروف أن المادة 77 من الدستور الجزائري تنص على أن رئيس الدولة هو الذي يعين مسؤولي الأجهزة الأمنية وليس وزير الداخلية، الأمر الذي يعني- مباشرة- أن هذه الأجهزة الأمنية تابعة في الحقيقة لرئاسة الجمهورية بما في ذلك الشرطة القضائية. ومن جهة أخرى فإنه من المعروف أيضا أن جهاز الشرطة ليس جزءا من المجتمع المدني، وإنما هو جهاز أيديولوجي غليظ تابع للدولة، شأنه شأن جهاز المخابرات وجهاز الدرك الوطني والجيش الشعبي، وهذا يعني أن جهاز الشرطة يمثل إحدى الترسانات المركزية القوية التي توجد بين أيدي النظام الحاكم، ومهمته محددة في حفظ الأمن العام، وفق ضوابط محددة، حينما تحصل أعمال الشغب أو تندلع مظاهرات عنيفة خارجة عن نطاق قانون السلطة الحاكمة.

في هذا السياق نجد رئيس حزب جبهة العدالة والتنمية الإسلامي عبدالله جاب الله يصرح للصحافة الوطنية قائلا، بما مفاده أن مظاهرة جهاز الشرطة تدل بوضوح أن الجزائر بلا قيادة على مستوى الهرم الأعلى للحكم، ويقصد بذلك رئيس الدولة نفسه على نحو غير مباشر.

إضافة إلى موقف هذا الرجل السياسي المناوئ لنظام الرئيس بوتفليقة، فإن عددا من المحللين الإعلاميين يرون أن: “احتجاجات الشرطة تفضح واقع النظام الحاكم”. وهناك من يذهب أبعد من ذلك مثلما فعل المعلق السياسي الجزائري السيد سليمان الذي يوضح أن هذه المظاهرة ليست سوى تعرية لـ”الشلل” الذي أصاب النظام الجزائري. وفي نفس السياق يؤكد الباحث والناشط السياسي الجزائري ناصر جابي- مؤلف كتاب مهم مكرس لدراسة أصول ومرجعيات وحياة نخبة من الوزراء الجزائريين بعد تعرضهم للتنحية- في تصريحه ليومية “الخبر” أن احتجاج جهاز رجال الأمن يعني دون شكَ “مفارقة لابد من تفسير جدي لها”، ومن ثمة نراه يحاجج أن هذه المظاهرات في عمقها ظاهرة سياسية لأنه “ليس من المعقول في حالة سياسية عادية أن تتظاهر القوات المكلفة بالأمن ومحاربة الشغب، لتتوجه هكذا لمحاصرة مقر رئاسة الجمهورية”.

من الواضح أن استعمال هذا الباحث لكلمة “هكذا” يعني أن جهاز الشرطة لا يتصرف وفقا للنزوات الجامحة أو للعفوية الرومانتيكية أو للمزاج العاطفي، وإنما هناك أسباب جوهرية أخرى تتكتم عنها السلطة الحاكمة وخاصة في داخل فضاء أروقة رئاسة الجمهورية بشكل خاص. وهنا ينبغي أن نتساءل: هل صحيح أن محيط الرئيس قد تفاجأ بغضب الشرطة، ولم يكن له علم به مسبقا كما يرى أحد الإعلاميين الجزائريين البارزين؟ أم أن ما حدث هو مجرد “مبادرة منظمة ومسؤولة أراد أصحابها التعبير عن قضايا تهم أداء ووظيفة جهاز هام بطريقة ملفتة للانتباه”، وفق تأويل عبدالرحمن بالعياط الذي يعتبر أحد صقور حزب جبهة التحرير الوطني الموالي للنظام الجزائري؟

لكي نفند مثل هذين التأويلين التبريريين فإنه ينبغي علينا توضيح بعض الخلفيات المهمة وعلى وجه الخصوص ما يتصل بالتغييرات ذات الدلالة الكبيرة التي قام بها سابقا الرئيس بوتفليقة بالأقسـاط وفي أوقات متباعدة على مستوى هرم الجهاز العسكري، مثل تنحيته للفريق محمد العماري القائد السابق لأركان الجيش الشعبي الجزائري عام 2004، وهو المصنف كأحد أبرز صقور المؤسسة العسكرية، وكذلك حادثة قتل المدير العام للأمن الوطني العقيد “علي تونسي” عام 2010 على أيدي العقيد “ولطاش شعيب”، التي لم تسلط عليها الأضواء الكافية حتى يومنا هذا، رغم ما يسمع من أخبار متشظية ومتقطعة عن التحريات التي يقال بأنها لا تزال تجري لرفـع الغطاء عن ملابسات هذه الحادثة الدرامية.

فضلا عن هذه العلامات الدالة لابد من ذكر تغييرات أخرى تمت على صعيد المؤسسة العسكرية في شكل إحالة عدد من الضباط الكبار على التقاعد، وتعويضهم بضباط كبار يعتقد أنهم من الشخصيات التي يثق فيها رئيس الدولة. أما في هذه الأيام فهناك حديث متداول في الصحافة الجزائرية الخاصة، حول شروع الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في إحداث تغييرات جذرية في جهاز الأمن العسكري بصورة سرية لم تأخذ بعد طريقها إلى العلن، ويعتبرها المراقبون السياسيون على أنها تمثل تمهيدا لمرحلة سياسية جديدة لم تتضح معالمها بعد بما فيه الكفاية.

بناء على هذه المعطيات، فإنه يمكن للمحلل السياسي أن يقرأ احتجاجات رجال الشرطة التي حدثت هذه الأيام قراءات كثيرة، وربما بعيدا عن الأطروحات التي تنطلق من الفرضية التي يقول أصحابها بأنها عفوية أو إنها حركة تدخل في إطار حرية التعبير التي يكفلها الدستور، علما أن الأجهزة العسكرية والأمنية لا تتمتع بالصفة الحزبية أو بصفة المجتمع المدني التي يحق لها أن تعارض من خلال وبواسطة المظاهرات والاحتجاجات.

في هذا السياق فإن المرء يستغرب السكوت الكامل للبرلمان ولمجلس الأمة وللمجلس الدستوري، إزاء احتجاجات رجال الأمن علما أن هذه الهيئات هي المعنية بالتشريعات التي تسير بمقتضاها البلاد. على ضوء ما تقدم انتشر تأويل للمطالب التي رفعتها احتجاجات رجال الأمن، ومن ضمنها إبعاد المدير العام للأمن الوطني اللواء عبدالغني هامل، على أنها ترجمة مبطّنة للصراعات غير المعلنة التي تأخذ مجراها بين “الأجنحة في عقر دار النظام الحاكم”، خاصة وأن لهذا الضابط الكبير طموحات غير معلنة حتى الآن، في تولي منصب رئيس الدولة في حالة شغور هذا المنصب.

لاشك أن هذا التأويل الذي ينتصر له عديد المحللين ومنهم جابي ناصر، يتضمن قسما من الوجاهة خاصة وأن اللواء عبدالغني هامل ينتمي جغرافيا إلى منطقة تلمسان التي جاء منها الرئيس بوتفليقة وعدد كبير من الوزراء الموجودين الآن في هرم الحكم.

وإذا كان الأمر هكذا، فإن الجهات التي تقف وراء احتجاجات الشرطة التي تطالب ظاهريا بمطالب تأسيس النقابة والسكن ورفع الأجور والمنح، وتطالب علنا برحيل اللواء هامل، لا تمثل رئيس الدولة وحلفاءه في هرم السلطة ومنهم هذا اللواء، بل من المرجح أن تفهم على أنها رسالة “مشفرة” موجهة على نحو غير مباشر من الجناح الرافض للعهدة الرابعة بصمت داخل جهاز الأمن إلى المعنيين بالأمر، محتواها هو عدم القبول بإبقاء “جماعة تلمسان” قوة مسيطرة أبدية على قصر الرئاسة بعد رحيل الرئيس بوتفليقة بأي شكل من الأشكال.


كاتب جزائري

8