ماذا تعني لروسيا الزيادة المرتقبة لعدد المسلمين

تحدي محاربة التطرف مطروح في ظل عودة الجهاديين، واستقطاب تركي يعلن مساندة مسلمي روسيا ويخفي طموح الزعامة.
الأربعاء 2019/03/06
الشباب قسم كبير من المسلمين الروس

إعلان مفتي روسيا أن عدد المسلمين في البلاد سيشهد طفرة خلال الخمس عشرة سنة القادمة يدفع الحكومة إلى الاهتمام أكثر بسياستها لضمان التعايش السلمي بين الأديان ومحاربة التطرف والغلو والكراهية في ظل واقع عالمي يحتكر فيه ملف الإرهاب وعودة جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية إلى بلدانهم النصيب الأكبر من اهتمام الحكومات الغربية. لكن زيادة نسبة المسلمين في روسيا تثير أطماع نظام حزب العدالة والتنمية في لعب دور يمكنه من تحقيق أجندته في تزعم المسلمين حول العالم.

موسكو – ستعرف روسيا زيادة لافتة في عدد المسلمين خلال السنوات القادمة لتصل إلى 30 بالمئة من مجموع عدد السكان فيما تقدر النسبة حاليا 7 بالمئة، هذا الأمر يطرح تحديات كثيرة أمام الحكومة الروسية التي تفرض عليها تطورات الأوضاع أن تتعامل مع هذه المسألة بسياسة مزدوجة، تستهدف في مرحلة أولى تحصين المجتمع من تداعيات التطرف الديني خاصة في ظل الحديث عن عودة المقاتلين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق وتنامي النهج المتشدد في دول الاتحاد السوفياتي السابق.

أما التحدي الثاني الذي تواجهه روسيا فيتمثل في عدم ترك الفرصة لأي بلد أو قوى خارجية في لعب دور مؤثر داخل المجتمع المسلم في روسيا، بالنظر إلى المساعي التي تبذلها تركيا في هذا الشأن ليكون لها تأثير في المسلمين الروس بنفس الشكل الذي تأثر فيه في المسلمين الألمان مما يساعدها في تنفيذ أجندتها الخارجية القائمة الهادفة لزعامة العالم الإسلامي.

في خطاب خلال مؤتمر حول الدين بمجلس الدوما الاثنين، قال رئيس مجلس المفتين في روسيا، راوي عين الدين، إنه من المتوقع أن تصل نسبة المسلمين في بلاده خلال الخمسة عشر عاما القادمة إلى 30 بالمئة من مجموع السكان، استنادا إلى رأي “المتخصصين الذين لا يُشك في كفاءتهم وحسب معاينته خلال عمله في مسجد موسكو الكبير للزيادة المستمرة في عدد مرتاديه”.

هذه المعطيات الجديدة جعلت رئيس مجلس المفتين في روسيا يطالب ببنية تحتية تناسب مستجدات الإسلام في البلاد، حيث قال “نحتاج بشكل ضروري إلى العشرات من المساجد الجديدة ذات البنية التحتية الثقافية والتربوية المناسبة في أكبر المدن الروسية”.

كما طالب بضرورة توفير “حزمة ضمان اجتماعي” لرجال الدين الإسلامي وتنظيم مراكز علمية وتعليمية للهوية الإسلامية إلى جانب مراكز العلوم الأكاديمية.

"الصحوة الدينية" ظهرت مع سقوط الاتحاد السوفياتي وعرفت البعض من الانحرافات أدت إلى بروز الجماعات المتشددة

دعوة رئيس مجلس المفتين في روسيا لا يمكن أن يتم تناولها خارج السياق العالمي الحالي الذي يحارب التطرف الديني والذي يمس بدرجة أولى المسلمين خاصة في الغرب، والذي يكون أساسا بسبب فشل في الاندماج داخل المجتمعات هناك.

تعي روسيا أهمية اتخاذ الإجراءات اللازمة للتصدي لانتشار الفكر المتطرف وضمان اندماج المهاجرين وترسيخ التعايش السلمي بين الأديان، وهي الأسباب التي جعلت الحكومة تحتضن مؤتمر حول الإسلام الذي تستعد لتنظيمه نهاية الشهر الحالي.

وترعى الحكومة الروسية مؤتمر “الإسلام رسالة الرحمة والسلام”، الذي سيجري في موسكو وغروزني عاصمة جمهورية الشيشان بين 28 و30 مارس الجاري، وينظمه صندوق دعم الثقافة والعلوم والتربية الإسلامية التابع لمكتب رئيس روسيا ومعهد الاستشراق الروسي بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي والإدارة الدينية لمسلمي جمهورية الشيشان.

ويناقش المؤتمر مقومات التعايش في الإسلام والعلاقات الإنسانية في المجتمعات متعددة الأديان، والوجود الإسلامي في روسيا قديما وحديثا وإسهامات مسلمي روسيا في تحقيق التعايش، وجهود المفتين والإدارات الدينية في إرساء السلم والتعايش. كذلك يتطرق المؤتمر إلى العلاقة بين الإرهاب والأديان وظاهرة العنف باسم الدين، والمنظمات الإرهابية والعلاقات المشبوهة.

ويزخر تاريخ روسيا بقصص كثيرة عنوانها القطيعة مع الدين، لكن انهيار الشيوعية أعاد الزخم للتمسك بالدين وفق مراقبين، ويصفها رجال الدين والأئمة بأنها “صحوة دينية” ظهرت مع سقوط الاتحاد السوفياتي لكنها عرفت انحرافات أدت إلى بروز الجماعات المتشددة.

في هذه الفترة، يمثل ملف عودة الجهاديين الذي قاتلوا في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق الشغل الشاغل للعديد من الحكومات الغربية وروسيا ليست بمنأى عن هذا الجدل، حيث تقول بيانات الاستخبارات الروسية التي نشرت بداية العام 2018 إن حوالي 4500 مواطن روسي توجهوا للقتال في الخارج “إلى جانب الإرهابيين”.

عدد المسلمين سيصل إلى 30 بالمئة من مجموع سكان روسيا
عدد المسلمين سيصل إلى 30 بالمئة من مجموع سكان روسيا

وما تزال الأرقام متضاربة بشأن العائدين من القتال في الخارج، لكن المصادر الرسمية تقول إن مئتي امرأة وطفل على الأقل أعيدوا بينما ما زال حوالي 1400 طفل عالقين في سوريا والعراق. وتتمسك روسيا بإعادة أبناء الجهاديين وزوجاتهم في البعض من الحالات فيما ترفض عودة من تورطوا في أعمال القتل والعنف في الشرق الأوسط وتقضي سياستها بقتلهم في الميدان.

ومطلع فبراير الماضي، وصل إلى موسكو دفعة من العائدين تضمنت 27 طفلا ما زالت أمهاتهم معتقلات في سجون عراقية بتهمة الانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

وتشكل عودة زوجات المقاتلين الأجانب في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في الشرق الأوسط على روسيا خطورة أمنية كبيرة نظرا إلى أن هؤلاء قد تشبعوا بفكر التنظيم المتشدد طيلة سنوات التواجد داخله.

الزيادة المتوقعة في عدد المسلمين في روسيا تثير، إلى جانب التهديدات الأمنية وضرورة اتباع سياسة تتصدى للتطرف والعنف، الأطماع في استقطاب المجتمع المسلم هناك وهو الدور الذي تسعى تركيا إلى لعبه في روسيا من منطلق تنفيذ مشروعها وحلمها في زعامة العالم الإسلامي، فنظام حزب العدالة والتنمية يسعى لأن يكون له في روسيا حضور شبيه بحضوره في ألمانيا. وكانت الحكومة قد اتخذت إجراءات حاسمة لتحجيم سلطة أنقرة على المسلمين الألمان.

وتبذل تركيا جهودا في سبيل ترسيخ سلطتها على المسلمين الروس، ومن بين هذه الجهود المشاركة في بناء أو ترميم معالم إسلامية ومساجد هناك، ومشاركتها في تصميم وزخرفة الجامع الكبير في موسكو الذي أعيد فتحه في العام 2015 بعد أن بقي مغلقا لفترة طويلة.

وحضر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان افتتاح المسجد الكبير بموسكو مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد إعادة بناء المسجد في نفس موقع المسجد القديم. ويعد المسجد الذي يمتد تاريخه لأكثر من قرن من الزمان أحد أهم المعالم الإسلامية في العاصمة الروسية وهو أكبر المساجد في أوروبا.

13