ماذا تغير بشأن القدس.. مصر نموذجا

الاثنين 2017/12/11

كل من عايشوا الانتفاضة الأولى قبل ثلاثين عاما ضد الاحتلال الإسرائيلي، يشعرون أن الزمن تغير كثيرا، وتصرفات البشر اختلفت، وتوجهات الأنظمة الحاكمة ازدادت غموضا.

المسافة التي تفصل بين ما حدث في ديسمبر 1987، وبين ما يحدث الآن، تبدو كبيرة من حيث التحولات التي تطرأ على الإنسان العربي، لكنها مفهومة من زاوية السياقات السياسية في الماضي والحاضر.

في الانتفاضة الأولى كنت في بداية العام الدراسي للسنة النهائية في كلية الإعلام، وكان الغليان على أشده في صفوف شباب جامعة القاهرة، تضامنا مع الفلسطينيين المغامرين، الذين كادت عزيمتهم تكسر إرادة الاحتلال، وخرج آلاف من الشباب المصري في جامعات مختلفة، بسبب انتهاك معتاد وأعلنوا تضامنهم مع إخوانهم في الأراضي المحتلة.

اليوم تعترف الإدارة الأميركية بالقدس كعاصمة لإسرائيل في تحد سافر للقوانين الدولية، وخطوة غير معتادة، ولم يتحرك الشباب أو يتفاعل مع ما جرى بالتظاهرات والخطب النارية، وكأن شيئا ما أصاب تفكيرهم.

الإحجام والانزواء والبرود الذي واجه به الشباب المصري قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انعكاس لواقع سياسي مرير، ساهم بقوة في الانتكاسات التي تعرضت لها دول كثيرة، أدت إلى جملة كبيرة من الأزمات، تكاد تتفتت على إثرها الجغرافيا وتتوقف حركة التاريخ في دول وأخرى تأمل في لملمة جراحها.

في أثناء الانتفاضة الأولى، كانت الحيوية تملأ عقولنا والدماء تسري في أجسادنا، والأمل في الانتصار يحدو غالبيتنا، وفشلت هراوات وعصي قوات مكافحة “الشغب” في كسر إرادتنا.

بينما الآن، اختفت هذه الرمزية، وكأنها ماتت ودفنت ضمن أشياء كثيرة تم قتلها مع سبق الإصرار، وهو ما جعل إسرائيل تمعن في انتهاكاتها، ويجرؤ ترامب على اتخاذ قراره بارتياح، غير مهتم بأي ردود أفعال.

الخطوة التي أقدمت عليها الإدارة الأميركية الحالية وأحجمت عنها إدارات سابقة منذ عام 1995، لم تكن لتؤخذ وهناك شك من قبل ترامب في أن تمريرها سيكون صعبا، لكنه بدا مطمئنا من أن الحكومات العربية في فمها ماء كثير، وأصيبت بسكتة دماغية عقب انخراطها في همومها وانشغالها بأزماتها وانهماكها في ترتيب أوضاعها الداخلية، سكتة أصابت معها غالبية الأعضاء الحية في الجسد العربي.

الشباب، وهم العضو المركزي في المجتمع المصري، جرى تضييق الخناق عليهم وهجر معظمهم السياسة، كرها وطوعا، وأضحى الانغماس في النشاط الحزبي محفوفا بالمخاطر الأمنية، والتفكير في التظاهر يمكن أن يضع رقبة أصحابه تحت مقصلة قانون يمنعها أصلا، إلا بعد استيفاء شروط قاسية.

الحكومة المصرية، بدت من أكثر الحكومات حرجا في أزمة القدس، لأنها مهمومة بالقضية الفلسطينية لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي، وتبدو قريبة من الإدارة الأميركية، وثمة انسجام ظاهر بين البلدين في ملف مكافحة الإرهاب، وتفاهم على تحريك عملية التسوية السياسية المتجمدة منذ سنوات.

الصورة التي ظهرت عليها الحكومة، كانت كمن أسقط في يده، فلم تستطع مواجهة التحدّي الأميركي بآخر مصري يرفض خطوة ترامب، ولم تتمكن من الصمت تماما والانحناء للعاصفة، خشية اتهامها بالتواطؤ، وباتت صيحات الاستنكار عبر تظاهرات ترتب لها قوى سياسية تحت سمع وبصر أجهزة الأمن، من الماضي.

الحسابات المعقدة السابقة، فرضت على الحكومة المصرية التصرف على طريقتها، وبدأت في وضع خطة، أو بمعنى أدق عزف سيمفونية رسمية جديدة، تخيلت أنها ستجنبها مأزق المواجهة المباشرة مع الإدارة الأميركية، وتبعدها عن القبول باستئناف التظاهرات في الشوارع، وربما تخفف الاحتقانات والمرارات المتراكمة في حلوق الغيورين على القدس.

الخطة – السيمفونية، قامت على ثلاث ركائز أساسية، لامتصاص أي غضب معلن أو مكتوم، والإيحاء بأن الحكومة منسجمة مع نبض الشارع والوجدان الجمعي للأمة.

الأولى، تجييش المؤسسة الدينية وتبنّي خطاب تواكلي يشي بأن ما حدث أمر طبيعي ومحنة من الله علينا تحملها، فهي بداية النهاية لبني إسرائيل، وصب الكثير من شيوخ الأزهر اللعنات على الرئيس الأميركي وإدارته المتطرفة، وإسرائيل التي درجت على انتهاك الأماكن المقدسة.

خطباء المساجد قاموا بالاستجابة للنداء الرسمي وساروا في هذا الطريق، وخرج بعضهم في تظاهرات انفعالية ورمزية داخل مساجد أو بالقرب منها، وهي علامات تعتقد الحكومة أنها كافية لامتصاص غضب سوف يخفت سريعا لأنها توجه حركته وتتحكم في مفاتيحه الرئيسية.

في صلاة الجمعة الماضية، تحدث وزير الأوقاف ووجه انتقادات قاسية ونادرة للولايات المتحدة وإسرائيل، وخطب وكيل الأزهر في الناس متهما واشنطن بممارسة الإرهاب، وأصدر شيخ الأزهر والبابا تواضروس، بابا الكنيسة المرقسية، بيانين منفصلين رفضا فيه لقاء نائب الرئيس الأميركي المتوقعة زيارته للقاهرة قبل نهاية الشهر الجاري.

المشكلة أن ارتفاع صوت الخطاب الديني الرسمي، كان مقصودا لقطع الطريق على القوى الإسلامية التي قد تجد في محنة القدس الجديدة مدخلا لبعثها سياسيا مرة أخرى، بعد الضربات التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، ونسي من تبنوا هذا الخطاب أنه سيضعهم في خانة واحدة مع التيار الإسلامي بأطيافه المختلفة.

الركيزة الثانية، تتعلق بالترويج لمواقف رسمية في صورة كرنفالية (احتفالية)، توحي بأن الحكومة مهمومة بالقدس، لمنع التفكير في خروج تظاهرات شعبية تلقائية، وحرصت جهات رسمية على رفع شعارات تؤكد أن القدس عربية، ضمن حفل توزيع جوائز على الأطفال في مسابقات فنية وأدبية عدة، وتخصيص الحصة الأولى للقدس في جميع المدارس بالمراحل التعليمية المختلفة.

الركيزة الثالثة، قيام أعضاء مجلس النواب بإصدار بيانات إدانة ساخنة، وتقديم طلبات إحاطة للحكومة، غالبيتها دعائية، بزعم دفعها إلى اتخاذ إجراءات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ثم يتم وضع الطلبات في أدراج البرلمان المكدسة أصلا بقوانين واستجوابات تنتظر دورها.

الصوت الزاعق للحكومة وأدواتها، لم يخف عجزها عن ممارسة ضغوط لفرملة التداعيات المنتظرة لقرار ترامب، لكنه لفت إلى أي درجة طرأت تغيرات على طريقة التفكير في التعامل مع هذه المواقف المثيرة، وكشف عن الفارق بين الحكومة الحالية والحكومات السابقة، التي كانت تستخدم الصخب الشعبي كأداة للتنصل من بعض الضغوط السياسية.

سلاح رفض التطبيع مع إسرائيل، الذي تبنته النقابات المهنية في مصر، وعلى رأسها نقابة الصحافيين، ظل صامدا لنحو ثلاثة عقود، وجنت من ورائه حكومات عدة مكاسب سياسية كبيرة، فكلما ضغطت واشنطن أو تل أبيب على القاهرة لمزيد من التطبيع مع إسرائيل، كانت لافتة الإرادة الشعبية الرافضة منقذا ومبررا للتنصل من التقارب، الاقتصادي والثقافي، مع تل أبيب.

في السنوات الأخيرة، سقطت الكثير من الأقنعة والمحرمات، فلا النقابات أضحت مهمومة بمقاومة التطبيع، ولا الحكومة لديها الحنكة للمساومة والمراوغة والقفز فوق الأشواك السياسية، ولا الشارع بات مشغولا بما تقوم به إسرائيل من تجاوزات في الأراضي المحتلة.

التغيرات التي جرفت أمامها أشياء عديدة، كفيلة بأن تفسر لنا بوضوح ماذا حدث بشأن القدس في مصر وغيرها من الدول العربية.

كاتب مصري

9