ماذا تفعل المخابرات المصرية في سوريا؟

الأحد 2015/02/22
الغرافيتي الشهير "كن مع الثورة" ينتشر على جدران الشوارع المصرية لتصويب مسار السياسة التائهة

مصر بدأت -داخليا- في السير على الطريق الصحيح منذ ثورة الثلاثين من يونيو رغم كل الملاحظات، لكن السياسة الخارجية المصرية منذ ثورة 25 يناير تمر بتخبط ملحوظ دخل في طور الاستفحال بعد ثورة الثلاثين من يونيو. فالواضح أن الصراع الداخلي مع الإخوان المسلمين أثّر سلبيا على رؤية مصر لبعض زوايا محيطها. مثلا، المُلاحظ في الإعلام المصري، تصوير مجريات الثورة السورية كصراع بين بشار الأسد وبين الإرهاب، إلاّ أن ما يجري هناك أكثر تعقيدا مما يتصوره البعض.

اتجاه الإعلام المصري في تلميع بشار الأسد انعكاس لتعاطف مؤسسة الرئاسة معه، لذا لا بد من التصويب، فبشار هو الحليف الأول للإسلامويين في المنطقة، بدءا من النظام الإيراني -الذي أخذ موقفا سلبيا من ثورة يونيو ببيان رسمي من وزارة الخارجية الإيرانية- وليس انتهاء بـ(حزب الله) -الذي انتهك السيادة المصرية عبر خلية سامي شهاب المُدانة قضائيا عام 2009- وحركة (حماس) التي تُساهم -إلى اليوم- في اضطرابات سيناء بسبب تحالفها مع جماعة الإخوان.

لبشّار الأسد سوابق في خلخلة أمن الدول المجاورة بذراع إسلاموي، كمعاونة تنظيم القاعدة في الدخول إلى العراق إبَّان التواجد الأميركي، إضافة إلى زرع تنظيم (فتح الإسلام) الإرهابي ودعم (حزب الله) في اغتيالاته ضد الساسة الوطنيين في لبنان. لذا ليس مُستغربا أن يكون الأسد قد زرع المتطرفين داخل فصائل الثورة السورية لاستهدافها من الداخل، وليس مستغربا أيضا أن يكون الأسد قد غضَّ الطرف عن تشكل (داعش) ومساهما في تكوينها -عبر إصدار عفو خاص عن بعض عناصرها كما فعل مع شاكر العبسي الذي أرسله إلى لبنان لتشكيل عصابة (فتح الإسلام)- لصبغ ثورة شعبه بثوب دعائي بشع يعزز موقفه دوليا، وما يعزز ذلك أن (داعش) في سوريا لا تستهدف إلا الفصائل المُعادية للأسد. إنني أتمنى أن يطلب الرئيس عبدالفتاح السيسي تقارير عن آخر مجازر بشار، وتحديدا ما اقترفه في دوما.

ينقل عن بعض الأوساط المقربة لرئاسة الجمهورية المصرية تعاطف الرئاسة مع (حزب الله) بذريعة محاربة التكفيريين. إن اعتقاد مؤسسة الرئاسة بأن الحزب الإلهي يحارب داعش في لبنان وسوريا غير صحيح، فما يفعله (حزب الله) –حصرا- هو مؤازرة بشار الأسد، ونذكر الرئيس عبدالفتاح السيسي بما يفعله الحزب الإلهي جنوب سوريا، حيث ترك مصارعة الإرهابيين وشن هجومه على الجيش الحر، وتحديدا فصيل الجيش الأول الذي رفض الفتنة السنية الدرزية معلنا أن هدفه الوحيد “حسم معركة السوريين ضد نظام الطغيان، ووضع حد للحرب التي دمرت البني التحتية والنسيج الاجتماعي بأسرع ما يمكن وبأكثر الطرق إنسانية، وتحرير جميع مكونات الشعب السوري من سلطة الطغيان بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين”.

الحرب العادلة التي تخوضها مصر ضد الإسلام السياسي لا بد أن تحذر من الانخراط في الحرب التي تخوضها إيران وأذنابها "الأسد وحزب الله" ضد السنة في المنطقة

لقد ترفّع (حزب الله) عن محاربة داعش والنصرة وصب قدراته القتالية لتدمير الفصيل الذي يمثل شرعية الثورة وخطابها الوطني الجامع ليكرس صبغة التطرف على الثورة خدمة لبشار الأسد. وما يثير الضحك أن الحزب الإلهي زعم دخول سوريا لمحاربة التكفيريين، وحين اختطف التكفيريون بعض عناصر الجيش اللبناني تملص الحزب من معركته وأوكل أمرها للدولة اللبنانية. إنني أتمنى من المؤسسات السيادية في مصر أن تحدد لنا جبهة واحدة بين الحزب الإلهي وبين داعش.

الثورة السورية تُمثل جموع الشعب السوري، واختزالها في طائفة دينية أو فصيل إسلاموي تسطيح مُخل. إنَّ الثورة السورية مزيج من ثورتي مصر، فقد أخذت من ثورة يناير رفضها للاستبداد الأمني بالتصدي لنظام الأسد، كما أخذت من ثورة يونيو رفض الاستبداد الديني بالتصدي للميليشيات الإسلاموية، وهنا وجبت تحية حزب (الوفد) على موقفه العادل من الثورة السورية، وهو موقف غير مستغرب من حزب الليبرالية المصرية الأصيلة. قبل الثورة السورية لم يتمكن (الأسد) من إقامة علاقة طيبة مع أيّ طرف عربي أو دولي باستثناء إيران وروسيا. والتاريخ الأسود للنظامين السوري والإيراني مع مصر معروف لأي مختص. ليس هناك من يطالب بتأييد (داعش) بل معاداتها تكاملا مع معاداة الأسد والإخوان والنصرة، في مقابل الانحياز للشعب السوري.

إن الحرب العادلة التي تخوضها مصر ضد الإسلام السياسي لا بد أن تحذر من الانخراط في الحرب التي تخوضها إيران وأذنابها (الأسد وحزب الله) ضد السنة في المنطقة، وللأسف فإن إيران عبر سياساتها الطائفية والأساليب القذرة لحلفائها، تسببت في تشويه صورة الإسلام أكثر من أيّ وقت مضى عبر دعم الإسلاموية والتطرف بقصد أو بلا قصد. وهنا نذكر الرئيس السيسي بتصريحه “العلاقة مع إيران تمر عبر أمن الخليج”، وبشار الأسد و(حزب الله) عناصر إيرانية صرفة ولها سوابقها التي لم تتوقف في استهداف أمن الخليج ومصالحه، هذا إضافة إلى أن إيران هي أيقونة الإسلام السياسي منذ أواخر القرن العشرين.

من الواجب أن تمر السياسة الخارجية المصرية بحالة هدوء لحين تمتين الوضع الأمني والحالة الاقتصادية، وأعتقد أن التسرع في لعب دور إقليمي قبل حسم الحرب على الإرهاب وإنعاش الاقتصاد داخليا هو سبب ما نراه من علامات استفهام في الخارج. ولو تحدثنا بمنطق أمني فالأولى أن تركز الأجهزة المصرية على ضبط وضع غزة وليبيا، قبل التفكير في سوريا.

الرهان المصري -في هذه المرحلة- معقود على نخبة التنوير وبمؤسسة الرئاسة المثقلة بآمال شعبها وجيرانها العرب، فالنخبة مأمول منها نقل الصورة بأمانة إلى الداخل المصري، والمنتظر من مؤسسة الرئاسة تصويب مسار السياسة الخارجية التائهة منذ ثورة 25 يناير بالعودة إلى محور الاعتدال العربي، وهو الحلف المنعقد على مواجهة الإسلام السياسي الذي يستهدف استقرار المنطقة وصورتها، ومواجهة المشاريع الغريبة الممثلة في مطامع إيران وتركيا والتي تستهدف هوية المنطقة وثقافتها، وأخيرا رفض الصلف الإسرائيلي في عملية السلام وهو المُعزز لقوى التطرف والباب المفتوح لدخلاء التآمر.

إن مؤسسة المخابرات المصرية تاريخها محترم في خدمة القضايا الوطنية والقومية، لكن إن صحت التقارير التي تتحدث عن عملها في سوريا لمصلحة بشار الأسد فتلك وصمة عار على جبينها، ولحسم الجدل ربما يحسن برئيس الجمهورية أن يعلن أمام أصدقائه -قبل خصومه-الكشف عن سياساته إزاء دمشق، فالمشهد هناك صفري بامتياز، فإما أمن الخليج العربي المؤازر له وإما أطماع إيران وجرائم الأسد التي تستهدف محور الاعتدال الذي يفترض انتماء مصر إليه بجوار السعودية والإمارات.

صحفي سعودي
6