ماذا جنت تونس من المراهنة على الدعم الأميركي

الجمعة 2016/11/11

خيبة كبيرة أصابت النظام الحاكم في تونس بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية وفوز دونالد ترامب بها لأن جوهر نظام التحالف بين حركة نداء تونس وحركة النهضة قائم أساسا على قراءة خاصة لطبيعة تعاطي الديمقراطيين في الولايات المتحدة بقيادة باراك أوباما مع الإخوان المسلمين والإسلام السياسي عموما.

فهيلاري كلينتون كانت مهندسة السياسة الخارجية الأميركية طيلة 4 سنوات من 2009 إلى 2013 وهي الفترة الحاسمة في تاريخ العرب، إذ هيّأت لنهاية الأنظمة الدكتاتورية في تونس ومصر واشتعال الثورات العربية بطابعها الشعبي الوطني على الأقل في بدايتها.

وكانت كلينتون من أوائل المسؤولين الغربيين الذين زاروا تونس إبان الثورة، وكان ذلك في مارس 2011 في أوج المد الثوري وأثناء حكومة الباجي قائد السبسي المؤقتة وقابلت رئيس الجمهورية المؤقت حينها فؤاد المبزع وقدمت دعمها للمسار التونسي. ولكنها لم تلق الترحيب من عموم المثقفين والإعلاميين والأحزاب التقدمية والمنظمات الوطنية والشباب الذين اعتبروا زيارتها غير بريئة لا سيما مع انطلاق الأحداث الدامية في ليبيا.

وقد وقعت إهانة الصحافيين التونسيين الذين دعيوا لحضور الندوة الصحافية المقامة في مقر وزارة الخارجية التونسية بالمناسبة، إذ تعرض الصحافيون التونسيون للتفتيش والإهانة من قبل حرس كلينتون. وكانت تلك الزيارة أثناء حكم الترويكا وكانت في إطار دعم إدارة أوباما لحكم الإخوان في مصر وتونس.

وقبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 وبعدها كانت طريق واشنطن سالكة لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وبقية قادتها. والتونسيون لم ينسوا ذلك العناق الحار بين رئيس حكومة النهضة والأمين العام للحركة حمادي الجبالي والسيناتور جون ماكين في مقر رئاسة الحكومة التونسية بالقصبة في فبراير 2012 أثناء استقباله لوفد من الكونغرس الأميركي.

ومقابل ذلك قدمت حركة النهضة خدمات كبيرة للمصالح الأميركية في تونس منها التصدي لقانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومنها تمرير كل إملاءات صندوق النقد الدولي بل والدفاع عنها باستماتة سواء في حكومتي الترويكا اللتين قادتهما، أو في المجلس الوطني التأسيسي، أو في مجلس نواب الشعب الحالي حيث تحتفظ بالأغلبية البرلمانية.

ورغم الهزة الكبيرة التي أصابت العلاقات التونسية الأميركية بعد اعتداء السلفيين على السفارة الأميركية في سبتمبر 2012، إلا أن الإدارة الأميركية بقيادة أوباما وهيلاري كلينتون لم ترفع دعمها عن إخوان النهضة، ولم تتوقف عن مراهنتها على الإسلام السياسي في المنطقة. ولكنها في المقابل تمسكت بالتعويض المشط والذي وافقت عليه الحكومة التونسية.

وكان الباجي قائد السبسي على وعي بهذا الدعم الأميركي للإخوان المسلمين. وكان هو نفسه من تكلّم عن حركة النهضة أمام أوباما ووصفها بأنها “حركة تونسية معتدلة” في دوبري الفرنسية ربيع 2011 باحثا عن الدعم الأميركي لتونس كما كان يعتقد.

وبعد انتخابات 2014 وفشل النهضة في الفوز بها وفي دعم منصف المرزوقي مرشح الإسلام السياسي لرئاسة تونس، قدّر السبسي أن الدعم الأميركي للإسلام السياسي لم يرفع. وتوقع أن فوز مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون بالانتخابات الرئاسية تحصيل حاصل، وهو ما يعني استمرار الدعم الأميركي للإسلام السياسي. ولذلك فرض على حزبه الفائز بالانتخابات التشريعية والرئاسية، إشراك حركة النهضة في الحكم حتى يستفيد من الدعم الأميركي.

وهو ما حاول السبسي تنفيذه بنفسه إذ كان أول ما فعله هو السفر للولايات المتحدة الأميركية في مايو 2015 وإبرام اتفاقية استراتيجية مع الولايات المتحدة تحصل تونس بموجبها على صفة الشريك غير العضو في حلف الناتو، بينما لم تتجاوز المساعدات الأمنية والعسكرية لتونس 300 مليون دولار.

وفي المقابل تتداول وسائل الإعلام الأميركية خبر إقامة قاعدة عسكرية أميركية في الجنوب التونسي. وهو الخبر الذي يصعق الرأي العام في تونس ويقلق دولة الجزائر. وفي الوقت الذي يلـمح فيه وزير الدفاع التونسي إلى وجود خبراء عسكريين أميركان على الأراضي التونسية لغايات فنية وتقنية، لم تجد السلطات التونسية الرسمية ما يكفي من الشجاعة لتفنيد خبر هذه القاعدة العسكرية الأميركية بشكل صريح وواضح.

وقبل ذلك كان الامتياز الوحيد الذي حصلت عليه تونس منذ حكومتي الترويكا، هو القروض الائتمانية التي تمنحها الولايات المتحدة لتونس، لتيسّر عليها الحصول على قروض من الصناديق المالية العالمية والدول المانحة. وهي قروض تعطل تنمية تونس وتكبلها ولا تساعدها على النهوض والتحرر من التبعية المالية والاقتصادية للخارج.

في المقابل لم تتغير كثيرا أرقام المعاملات الاقتصادية بين تونس والولايات المتحدة، حيث لم تتغير خارطة المعاملات التجارية الخارجية التونسية، إذ لم يتجاوز حجم المبادلات التجارية بين تونس والولايات المتحدة نسبة 2.5 بالمئة، والمساعدات الاقتصادية الأميركية لتونس لم تتعدّ عتبة 700 مليون دولار والقروض 985 مليون دولار والمبادلات التجارية 600 مليون دولار.

لقد راهن حكام تونس المتتالون على الدعم الأميركي. فقد قابل رئيس الجمهورية الأسبق منصف المرزوقي أوباما في سبتمبر 2013. وكذلك فعل المهدي جمعة رئيس حكومة الكفاءات المستقلة التي خلفت حكومة الترويكا، وكان اللقاء في واشنطن في أبريل 2014. بينما التقى السبسي أوباما مرتين الأولى سنة 2011 لما كان رئيسا مؤقتا للحكومة التونسية، والثانية وهو رئيس منتخب للجمهورية التونسية سنة 2015.

ورغم أن النتائج لم تكن في مستوى الآمال كما تثبته الأرقام إلا أن هذا الرهان مازال مستمرا من خلال ما تعقده الحكومة التونسية من آمال على المؤتمر الدولي للاستثمار الذي سينعقد في تونس خلال الأيام القادمة، والذي يستمر فيه التعويل على رأس المال الأجنبي والدول الغنية للاستثمار في تونس وتحقيق التنمية. وهو ما لم يثبت ولم ينجز إلى حدّ الآن بينما لم تيأس تونس ولم تجتهد لتغيير مسارها نحو التعويل على قدراتها الذاتية وتثمين ثرواتها الطبيعية والبشرية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8