ماذا حصل في قمة الكويت؟

الجمعة 2013/11/22

مرة أخرى يتضح أن الكويت ليست غنيّة بنفطها وديمقراطيتها فحسب، بل بدبلوماسيتها أيضا. شكلت هذه الدبلوماسية في كلّ وقت مظلة حماية وأمن وأمان في أصعب الظروف لدولة تعيش في منطقة مليئة بالمخاطر والتحديات. إنّها مخاطر وتحديات، عرفت الكويت قيادة وشعبا كيف تتعاطى معها، خصوصا في مرحلة ما بعد اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية عام 1980 وما تلاها من أحداث في غاية الخطورة، وصلت إلى حدّ تعرّض الكويت للاحتلال صيف عام 1990.

كانت القمة العربية- الأفريقية التي انعقدت على مدى يومين في الكويت إضافة جديدة لهذا الغنى الذي تجاوز أبعاد التلاقي والتعاون إلى ما هو أكبر وأوسع. فعندما تصبح الكويت عاصمة لقسم من جنوب العالم بجمعها للدول الأفريقية والعربية في مساحة واحدة، فإنها لا تفعل ذلك من أجل أن يتبادل الرؤساء والقادة والمسؤولون القبل والسلامات والتحيّات، بل من أجل السعي إلى إرساء نهج واقعي يقارب المشاكل بعين موضوعية تتجاوز الشكليات والمجاملات والشعارات الطنانة التي لا تطعم خبزا، وتصطدم في بعض الأحيان حتى لا نقول في معظمها، بالواقع الأليم لهذه الدولة أو تلك.

ماذا حصل عمليا في قمّة الكويت؟

في المعلن أن شيخ الدبلوماسية العربية، أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، قرّر تقديم مليار دولار على شكل قروض ميسّرة للدول الأفريقية للتغلّب على بعض المصاعب الاقتصادية والاجتماعية. يضاف إلى هذا المليار، مليار آخر على شكل استثمارات على مدى سنوات تتدرج استنادا إلى مراقبة عمليات التنفيذ. بكلام أوضح، قدّمت الكويت ما اعتادت تقديمه من مساعدات، لكنّها ربطت هذه المرّة التنفيذ بتطوير الدول الأفريقية المعنية نفسها. وهذا التطوير يكون بتحسين أنظمتها القانونية والتشريعية، خصوصا النظام القضائي والرقابي.

فالاستثمار يحتاج، أوّل ما يحتاج، إلى بيئة آمنة من جهة، وإلى ضمانات قضائية وقانونية وهيئات لمكافحة الفساد من جهة أخرى. وفي حال تحقيق هذه الأمور، ستكون هناك نقلة نوعية ذات طابع حضاري واقتصادي، وحتى سياسي، لبعض الدول الأفريقية التي ما زالت تنشد التغيير في العلن، من دون أن تتغيّر هي نفسها من الداخل بشكل عملي.

لاشكّ أنّ مثل هذا الاستثمار الكويتي في تطوير الأنظمة التشريعية والقضائية والاستثمارية والمالية والضرائبية لهذه الدول، ووضعها تحت مجهر منظومة رقابة إقليمية ودولية يمثّل أكبر خدمة تقدّم لها. هذه الخدمة لا تقدّر بثمن في حال استجابة هذه الدولة أو تلك لها نظرا إلى أنها تفتح الأبواب أمام مزيد من الاستثمارات التي يمكن أن تغني يوما عن المساعدات التي لا تستثمر بالطريقة التي يفترض أن تستثمر بها.. أي بما يخدم الشعوب والمجتمعات فعلا، وليس الحكام وأبناء طبقة معيّنة.

وفي المعلن أيضا، قرّرت القمة توجيه رسالة تطالب بإصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهي تواكب في ذلك مسعى المملكة العربية السعودية التي رفضت مقعدا في مجلس الأمن بسبب ما تعتبره خللا جذريا في آليات عمله وتقاعسه. هناك تقاعس في حلّ مشاكل المنطقة، خصوصا الأزمة السورية التي يذهب ضحيتها شعب بكامله بات بلده مهددا بالتفكك، والكيل بمكيالين لدى مقاربة عدد كبير من القضايا.

هذا الموضوع نقلته الكويت من حالة خاصة إلى حالة عامة، أي عممته ليصبح موقفا عربيا- أفريقيا جامعا. وعبّر عنه أمير الكويت في كلمته التي افتتح بها القمّة، حين تحدّث عن ضرورة تغيير مقاربة مجلس الأمن للإبادة التي يتعرّض لها الشعب السوري، وحلّ القضيّة الفلسطينية بما يتفق وأسس العدالة الدولية.

وفي المعلن، أيضا وأيضا، ضرورة تكاتف كلّ الجهود لمكافحة الإرهاب. وهذا الموضوع هو أصل الرسالة الكويتية وجوهر حراكها السياسي الإقليمي وتحرّكها الدبلوماسي. فالكويت تعرف أنّها ليست في منأى عن النار التي تصيب القريب والبعيد. ولذلك، هي تشجع الجميع سرّا وعلنا على إبعاد أوراق التطرّف من المعادلات والصراعات السياسية.

أمّا ما لم يعلن عنه في القمة العربية- الأفريقية وكانت خيوطه واضحة، فهو رسم الكويت خريطة طريق جديدة لحلّ بعض الأمور العالقة بين الدول، وإجراء مصالحات بعيدة من الأضواء.

وبما تمثل النجاح الأكبر في تغيير مواقف عدد كبير من الدول من مصر ما بعد «ثورة 30 يونيو» وإقناع هذه الدول بأن التغيير الذي حصل في هذا البلد كان في مصلحة الشعب المصري. وأوجد ذلك ارتياحا لدى الوفد المصري الذي ترأّسه الرئيس المؤقت عدلي منصور. كذلك، سعت الكويت إلى تبريد الملفات الفاترة بين الرياض والدوحة، وساعدت لبنان في شرح موقفه أمام دول الخليج. ولو سمح الوقت أكثر، لكانت الكويت نجحت في لملمة الملفات العالقة أكثر بهدوء وصمت كما هو ديدن دبلوماسيتها.

بعد القمة العربية- الأفريقية، ستكون هناك قمّة خليجية في الكويت. وبعد الخليجية، قمة أخرى للمانحين لسوريا. وهذه القمّة تمنّى بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة على أمير الدولة عقدها في الكويت التي باتت القمم تدق أبوابها. فالكويت استعادت جزءا لا بأس به من حيويتها على كلّ صعيد. لم يكن ذلك ممكنا لولا أن أمير الدولة قرّر وضع الأمور في نصابها وتحصين الوضع الداخلي أوّلا.

لا يمكن فصل الداخل الكويتي عن الخارج. لعبت الانتخابات النيابية الأخيرة أواخر شهر رمضان الماضي دورا محوريا في إعادة الوضع الداخلي الكويتي إلى طبيعته. وهذا يعني، في طبيعة الحال، التعاون بين السلطات المختلفة من أجل الانصراف إلى المشاكل الحقيقية التي يعاني منها البلد، بدل إبقاء العمل الحكومي أسير مشاحنات وتجاذبات لا طائل منها.

شيئا فشيئا، مع استتباب الوضع الداخلي وبداية تحوّل مجلس الأمة إلى ساحة عمل، وهذا ما يؤمل به، تستعيد الكويت صورتها، أي صورة البلد الصغير المنادي بالاعتدال وتغليب المنطق في منطقة مقبلة على تطورات في غاية الخطورة، خصوصا في ظلّ انفلات الغرائز المذهبية من كلّ حدب وصوب.

________


* إعلامي لبناني

8