ماذا خلفت موضة النحافة الوافدة على المجتمعات العربية

تغيرت معايير الجمال والرشاقة في المجتمعات العربية تزامنا مع الانفتاح الثقافي الحاصل، وأصبحت النحافة مرادفا للجمال والرشاقة وللقبول الاجتماعي وللظفر بإعجاب الرجل، وهو ما جعل المرأة العربية تقبل على الحميات وأدوات ووسائل التخسيس لتستجيب لهذه المعايير.
الأحد 2016/05/01
عندما تصبح النحافة هوسا مرضيا

تونس - تطورات عميقة طرأت على الذائقة والثقافة العربيتين فبعد أن كانت البدانة معيارا ثابتا لحسن المرأة التي تفتن الرجال بجسدها الممتلئ ويتمنون الزواج بها ويتغزلون بها في آدابهم وفنونهم أصبحت النحافة الموضة الوافدة على العالم العربي معيارا بديلا لجمال المرأة، فحرصت على مواكبتها إلى درجة الهوس بالحميات والوقوع في المخاطر الصحية رغبة في الحصول على قوام رشيق يشبه قوام عارضات الأزياء العالميات.

لم تكن المرأة النحيفة تعتبر الأجمل والأكثر رشاقة في المجتمعات العربية بل كانت وإلى زمن غير بعيد الأقل قبولا في المجتمع وخاصة عند الرجال لارتباط النحافة في الثقافة العربية بالفقر والضعف والشقاء.

ولكن بعد ما سمّي بالانفتاح والتلاقح بين الثقافات بفضل وسائل الإعلام، وخاصة تلك التي تعتمد أساسا الصورة مثل التلفزيون، ومجلات الموضة وإعلانات الإشهار وبعد دخول الانترنت والعالم الافتراضي للمنازل العربية تغيرت النظرة للنحافة عند النساء فأصبحت الفتاة النحيفة هي التي تصنّف أكثر رشاقة وجمالا من غيرها وهي التي تخطف أنظار الرجال وهي التي تعطي انطباعا بأنها امرأة عصرية متحررة من النظرة التقليدية للبدانة والسمنة كمقاييس للجمال وللمرأة التي خرجت من إطار البيت للعمل والدراسة في الفضاء العام والاختلاط بالآخر وهي التي تواكب الموضة بكل مستجداتها.

هكذا أصبحت النحافة علامة على أن المرأة مثقفة منفتحة ومواكبة لعصرها وتتبع نمط عيش حديث يقوم على اتباع نظام غذائي صحي يتم فيه الاستغناء عن الأكلات العربية والتقليدية التي تتكون من كميات كبيرة من السكريات أو الدهنيات أو النشويات التي تزيد جميعها الوزن، وهي أيضا تقدم فكرة عن مستوى مادي ومعيشي مرموق لأن اتّباع حميات التنحيف وممارسة الرياضة في قاعات الجيم المُكلفة ليست في متناول النساء من الفئات الاجتماعية الفقيرة أو متوسطة الدخل.

ومثلما تُكتسب جميع مكونات الصورة في عصر الصورة فإن النحافة تصنف ضمن مكونات المظهر الخارجي للمرأة التي يمكن من خلال ربطها بدلالاتها في الوعي الثقافي الجماعي وفي المنظومة الفكرية لمجتمع ما أن تقدم قراءات معينة عن شخصية المرأة ومكانتها الاجتماعية.

بعض المراهقات تبهرهن صور عارضات الأزياء والشهيرات ودرجة نحافتهن فتعتمدن حميات قاسية قد تخلف لهن مشاكل في اكتمال النمو فتجدن أنفسهن في مواجهة أجساد عليلة بدل القوام الممشوق المنشود

وبعد أن كانت المرأة البدينة مثال الجمال عند العرب قديما، وهو ما خلده موروثهم الثقافي من فنون وآداب وأشعار غزل ولوحات تشكيلية ومنحوتات رسمت المرأة الممتلئة على أنها أجمل ما يمكن أن تكون عليه النساء من آيات الجمال والفتنة، أصبحت اليوم نقيضتها النحيفة مثالا للجمال والرشاقة.

ولعل ذلك يرجع لما روجته وسائل الإعلام عن عالم الموضة والأزياء حيث تظهر روعة التصاميم عندما ترتديها عارضة نحيفة، ولأن عالم عروض الأزياء هو الذي يصنع صيحات الموضة ويقولب الذوق العام ويرسم له اتجاهاته فإن نجمات الإعلام والممثلات والشهيرات في العالمين العربي والغربي اقتدين بعارضات الأزياء ليس فقط في موضة اللباس بل أيضا في الهيئة النحيفة.

اليوم تجد الفتاة والمرأة البدينة حرجا من مظهرها إلى درجة الخجل واهتزاز الثقة في النفس وتجتمع داخلها مشاعر مضطربة وسلبية في علاقتها بالآخر فهي تجد نفسها أحيانا شاذة عن قواعد ومعايير الجمال والرشاقة العصرية وبأنها لا تضاهي النساء في محيطها جمالا ورشاقة وبأنها لا يمكن أن تجد نصفها الآخر لأنها لا يمكن أن تحظى بإعجاب الرجال الذين أصبحوا بدورهم يفضلون النساء النحيفات.

هذه الأحاسيس تخلق نوعا من الحواجز النفسية بين المعنية بالأمر ومحيطها فتصبح منعزلة وغير قادرة على اكتساب الثقة بالنفس كما تعجز عن الانخراط في صيحات وتقليعات الموضة لأنها لا تجد في الأسواق والمحال اللباس الذي يستجيب للموضة ويناسب مقاسها، فهذه العوامل النفسية والتواصلية والاجتماعية تدفع هذه الفئة من النساء نحو اعتماد الحميات الغذائية وإن لم تبلغ الصورة المثالية والوزن المثالي اللذين تريدهما فإنها تصبح مهووسة بالتنحيف إلى درجة مرضية تحتاج بسببها إلى علاج نفسي.

النحافة مقياس للجمال والرشاقة

وبعيدا عن التعميم وعن اعتبار النحافة مبتغى لكل النساء فإن هناك بعض النساء خاصة اللائي تجاوزن مرحلة العزوبية واللائي تقدمن في السن لا تعرن لهذه المسألة اهتماما كبيرا إما لأنهن تضعن المظهر الخارجي في مرتبة ثانوية أو لأنهن لا تعرن اهتماما بالغا لنظرة الآخر لهن ولحكمه عن جمالهن ورشاقتهن، وتعتبرن أن الجوهر والعلاقات الإنسانية والمبادئ أهم من المظاهر.

كما نجد في الجانب الآخر بعض النساء اللائي تعتبرن رشاقة القوام تقوم على التوازن والاعتدال، فهن لا تملن إلى النحافة الشديدة ولا إلى البدانة الزائدة ومن بين هؤلاء نجد النساء في المجتمعات التقليدية التي مازالت تحافظ على إرثها الثقافي وعاداتها وتقاليدها بما فيها من معايير الجمال والرشاقة عند النساء ومازال الرجال في بعض المناطق العربية يميلون للمرأة الممتلئة أو المتوسطة ويحبذون ألا تكون نحيفة مثل عارضات الأزياء.

وفي المجتمعات العربية التي مازالت تحافظ على عاداتها وتقاليدها خاصة منها المتعلقة بالزواج، ورغم تقدمها وتطور مكاسب المرأة فيها، نجد بعض الأسر التي مازالت تعمد لتسمين الفتاة قبل الزواج فتحجب عن الأنظار ويعتمد نظام غذائي يجعلها تكتسب الوزن لأن في نظر هذه المجتمعات لا يمكن أن تكون العروس كاملة الحسن والجمال ما لم تكن متوسطة القوام وأحيانا بدينة لكي تظهر في اللباس التقليدي شبيهة بالمرأة العربية قديما، وهذه العادات مازال معمولا بها في تونس مثلا وخاصة في الأرياف وفي الجنوب التونسي حيث يفضل إقامة الأعراس التقليدية، رغم أن شباب هذه المجتمعات لا يختلفون كثيرا عن باقي شباب الدول العربية من حيث ميلهم المتزايد للفتنة بالقوام النحيف وكثير منهم يلحون على زوجاتهم للتخلص من الوزن الزائد الذي يمكن أن تكتسبه بعد الزواج والإنجاب.

من ناحية أخرى لا تحبذ النساء بدورهن الرجال البدناء وكذلك النحفاء أو شديدي النحافة فغالبية الفتيات تفضلن الرجل صاحب العضلات المفتولة لكنهن لا تعتبرن النحافة مقياسا للجمال والرشاقة عند الرجل بعكس المرأة لأنها تظل مقياسا للضعف في حين يظل الرجل رمزا للقوة الذي يجب أن تظهر المرأة النحيفة بجانبه ضعفها وهي إحدى التمثلات التي تجعل الرجل يحبذ المرأة النحيفة لإرضاء غروره وقوّته الجسدية بقربها لكن المرأة تقبل أن ترتبط بالرجل النحيف أو البدين لأنها ليست من يختاره بل هو من يختارها.

وضع المرأة دوما في مقام المفعول يؤثر حتى في تعاملها مع جسدها وفي نظرتها له وخاصة في ذوقها وفي معايير تقييم الجمال والرشاقة، وهو ما يكشف أنها في الواقع عندما تتعلق بصور تعتبر مثالية في الجمال والرشاقة والقوام الممشوق هي في الحقيقة لا تستجيب لرغباتها الذاتية بل تستجيب للذوق العام ولما يحبذه الطرف الآخر بدقة أكثر، وهو ما يجعل بعض النساء والمراهقات يقعن في أخطار صحية ونفسية أثناء لهثهن غير المدروس وغير المتعقل وراء تحقيق الوزن الأمثل أو الأقل الذي يناسب طولهن.

ولا تقف المسألة عند اعتماد حميات عشوائية قد تتسبب في تخريب الصحة وتوصلهن إلى حالات مرضية يكن في حاجة إلى الشفاء منها إلى علاج طبي، بل إن بعض المراهقات قد تبهرهن صور عارضات الأزياء والشهيرات ودرجة نحافتهن فتعتمدن حميات قاسية قد تخلف لهن مشاكل في اكتمال النمو فتجدن أنفسهن في مواجهة أجساد عليلة بدل القوام الممشوق المنشود.

هذا ومهما تنوعت نظرة النساء العربيات للنحافة واختلفت طرق تحقيقها كهدف رئيسي أو ثانوي في الحياة تظل إحدى ظواهر العولمة الوافدة من الغرب عبر وسائل الاتصال والتواصل التي أثرت في الذوق العام وفي خيارات الرجل الشرقي وبالتالي في المرأة وفي علاقتها بجسدها انطلاقا من نظرة الآخر لها، وبالتالي تركت هذه الظاهرة بصمتها على الثقافة الاجتماعية العربية وعلى الذوق في نمط العيش بدءا باللباس والمظهر والموضة وصولا إلى النظرة إلى المرأة وإلى مكانتها في الأسرة وفي المجتمع.

صحافية من تونس

20