ماذا ستغنم واشنطن من إدامة الفوضى في الشرق الأوسط

استراتيجية غير واضحة تبقي سوريا في دائرة اللااستقرار كالعراق، وواشنطن تخير الأوروبيين بين الأكراد أو إعادة الجهاديين.
الأربعاء 2019/02/20
الدفع بتركيز قوة كردية تحفظ مصالح واشنطن

منذ أشهر تسارعت وتيرة التطورات المفصلية في الملف السوري، خاصة بعدما أعلنت الولايات المتحدة عن سحب قواتها من الأراضي السورية بتعلة اقتراب القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما فتح الباب أمام جميع المتابعين للتساؤل عن الرابح والخاسر من خطوات واشنطن المحفوفة بالمخاطر، والتي تهدّد أيضا بإدامة الفوضى في سوريا مثلما هو الحال في العراق الذي قالت حكوماته منذ أكثر من عام إنها تخلصت من كابوس داعش لكنها ما زالت تعيش على وقع عدم استقرار كانت له تبعاته في منطقة الشرق الأوسط، التي تعاني من تصارع القوى الدولية والإقليمية للحفاظ على مصالحها.

لندن - عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في موفى عام 2018 عن عزمه سحب قوات بلاده من الأراضي السورية مع اقتراب القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في شرق شمال سوريا، ذهبت جل القراءات السياسية إلى اعتبار أن هذه الخطوة ستعبّد الطريق أمام نظام بشار الأسد وحليفتيه؛ روسيا وإيران، لاستعراض عضلاتهم وستهدي تركيا الأكراد على طبق من ذهب للانقضاض عليهم.

لكن، هذه التحليلات التي جاءت مرفوقة أيضا بانتقادات أميركية داخلية تساءلت عن قصور السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، حيث سرعان ما فتحت زاوية أخرى من التأويل بعدما أخرج ترامب ورقة إعادة الجهاديين إلى بلدانهم الأصلية وطرح فكرة قوة أوروبية لدعم الأكراد، ضمن استراتيجية غير واضحة التفاصيل إلا أن الأكيد أنها ترسخ لاستمرار الفوضى والصراعات في الشرق الأوسط، وستدخل سوريا في دائرة اللااستقرار كما هو حال العراق اليوم بعد ست عشرة سنة من التدخل الأميركي لفرض “الديمقراطية”.

وفي الوقت الذي رجح فيه الكثير من المتابعين أن الرئيس الأميركي فشل في وضع خطط واستراتيجيات ضمن سياساته في الشرق الأوسط وهو ما سيمنح بصفة آلية القوى الإقليمية والدولية المنافسة للولايات المتحدة إشارة خضراء للسيطرة على الملف السوري، قلبت الإدارة الأميركية المعادلة بعدما دعا ترامب حلفاءه الأوروبيين بوجوب استعادة الجهاديين من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها واشنطن.

بينما اعتقد النظام السوري وحليفتاه إيران وروسيا أن بشار الأسد حقق انتصارا سيمكنه من لعب أدوار جديدة في سوريا، وبنفس الطريقة هرولت تركيا للاستفراد بالأكراد نتيجة انسحاب القوات الأميركية، زجّ الرئيس الأميركي بورقة جديدة لم تكن في حسبان أحد حتى حلفائه الأوروبيين وهي إما استعادة مقاتلي داعش والعودة بهم إلى بلدانهم الأصلية وإما التهديد بإطلاق سراحهم.

تشي التطورات بأن هذه الخطوة الجديدة في السياسة الخارجية الأميركية ستعيد خلط كل الأوراق في سوريا، خاصة مع تنامي القلق الأوروبي من التهديدات المباشرة التي وجهها الرئيس الأميركي إلى حلفائه في الأيام القليلة الماضية إن لم يقبلوا باسترداد مواطنيهم الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش، كما أنها تسيل الكثير من الحبر حول ماذا يريد أن يغنم ترامب بالضبط من هذا التكتيك الجديد.

شمال سوريا غوانتنامو أوروبا

أورزولا فون دير لاين: ليس لدينا في سوريا حكومة، وقوات سوريا الديمقراطية ليست حكومة
أورزولا فون دير لاين: ليس لدينا في سوريا حكومة، وقوات سوريا الديمقراطية ليست حكومة

دعا الرئيس الأميركي ترامب حلفاءه الأوروبيين إلى إعادة الجهاديين الأوروبيين إلى أوطانهم. وقال إنه في حال لم يفعلوا ذلك، فإنه سيطلق سراحهم. تؤكّد هذه الدعوة وجود تغيّر في الخطة الأميركية حيال الملف السوري بصفة خاصة وتجاه أزمات الشرق الأوسط بصفة عامة، لكن مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي شدد على أن انسحاب بلاده من سوريا جاء من منطلق تعديل في أساليب العمل وليس تغييرا في الاستراتيجية.

ويتخوف الأوروبيون من أن تحول واشنطن فوضى الشرق الأوسط إلى القارة الأوروبية تزامنا مع فقدان تنظيم الدولة الإسلامية آخر معاقله في سوريا.

وجاءت ردود أفعال العواصم الأوروبية متباينة وغير موحدة حيث ردت مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني على طلب الرئيس ترامب قائلة، إنه “لن يكون هناك قرار على مستوى الاتحاد الأوروبي. فالمسألة من اختصاص كل حكومة”. بيد أنها أشارت في المقابل إلى أنه “يمكن أن يكون لدينا تفكير مشترك للوصول إلى حل منسق”.

وبالنسبة إلى فرنسا وبريطانيا وبلجيكا، وبحسب ما قاله متحدث باسم رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي فإنه يجب إحالة المقاتلين الأجانب على القضاء في المكان الذي ارتكبوا فيه جرائمهم “طبقا للإجراءات القانونية المناسبة، في النطاق القضائي الأكثر ملاءمة”.

وتبدي فرنسا تحفظا شديدا إزاء هذه المسألة، حيث قالت وزيرة العدل نيكول بللوبليه “أعددنا أنفسنا في حال كان هناك جديد، لكن فرنسا لا ترد على هذه التعليمات (من قبل ترامب) وتحتفظ بحقها في التعاطي مع كل حالة على حدة”. وأضافت “في الوقت الحاضر لن نغير سياستنا”.

أما برلين فتبدو الأقرب إلى التجاوب مع دعوة ترامب، إلا أنها تعتبر أن استرداد المقاتلين في الوقت الحاضر “سيكون غاية في الصعوبة”، بحسب وزير الخارجية هايكو ماس. وأشار ماس إلى ندرة المعلومات الواردة من سوريا والتي تتيح إجراء ملاحقات قضائية في ألمانيا، مضيفا أن برلين “تريد التشاور مع فرنسا وبريطانيا حول كيفية التحرك”.

وقالت وزيرة الدفاع الألمانية أورزولا فون دير لاين “ليست لدينا في سوريا حكومة بإمكاننا الاعتماد عليها، (الرئيس السوري بشار) الأسد لا يمكن أن يكون شريكا لنا، وقوات سوريا الديمقراطية ليست حكومة”.

ورغم أن الخطوة الأميركية أثارت مخاوف الأوروبيين بشكل خاص، إلا أنها تشغل أيضا اللاعبين الأساسيين الآخرين في سوريا كروسيا وإيران وسوريا خاصة أن الإعلان جاء أياما فقط بعد قمة سوتشي التي تمهّد لتقاسم الأدوار بين القوى الثلاث في سوريا.

وبتجميع مختلف المواقف الأوروبية أو الإقليمية الأخرى، فان ما يستشف منها أنها تُجمع على أن ترامب يراهن على الحلف الكردي- العربي لكي يكون قوة حافظة لمصالح واشنطن في المنطقة بعد سحب الجنود الأميركيين من سوريا، فيما يمكن القول إن واشنطن تريد عبر التشبث بإعادة اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية دفع الأوروبيين بطريقة غير مباشرة إلى الاعتراف بقوات سوريا الديمقراطية وهو ما ترفضه أوروبا من خلال تأكيد دولها على أن هذه القوى الكردية ليست حكومة قائمة الذات لكي يتم التعامل معها رسميا في ملف مقاتلي داعش.

على الطرف الآخر، سارع الرئيس السوري بشار الأسد بالرد على واشنطن بقوله في رسالة غير مباشرة لقوات سوريا الديمقراطية “نقول للمجموعات العميلة للأميركي، الأميركي لن يحميكم وستكونون أداة بيده للمقايضة”. من جهتها أكدت موسكو أن “هدف الولايات المتحدة يكمن في تقسيم سوريا وإقامة دويلة على الضفة الشرقية لنهر الفرات”.

ويستدل المتبنون لفكرة أن واشنطن تريد أن تجعل من أكراد سوريا لاعبا إقليميا في المنطقة وفي سوريا بتناسق تصريحات قيادات الجيش الأميركي وقوات سوريا الديمقراطية خاصة عقب لقاء جنرالات أميركيين بقيادات التحالف العربي- الكردي الذي يحاصر آخر جيب لمقاتلي داعش الإرهابي.

ورغم أن قوات سوريا الديمقراطية، استبعدت ونفت تهديد ترامب بإطلاق سراح مقاتلي داعش، إلا أنها مرّرت طلبا أميركيا آخر عبر مطالبة أوروبا بالمساهمة في نشر قوة مشتركة تحميهم من تهديدات أنقرة المتربصة للانقضاض على شرقي شمال سوريا بعد مغادرة القوات الأميركية.

إدامة الفوضى في المنطقة

Thumbnail

بعيدا عن المخططات قصيرة المدى الهادفة إلى إعادة ترتيب الأوراق في سوريا، فإن العديد من المتابعين إثر تبدل استراتيجيات واشنطن في سوريا، يؤكّدون أن هدف ترامب الأساسي هو إدامة الفوضى في المنطقة قصد جعل موسكو تركز بصفة أولية على الملف السوري في حين تتجه الولايات المتحدة إلى حلحلة مسائل معقّدة في القارة الآسيوية وتحديدا مع الغريم الاقتصادي والتجاري الصاعد الصين.

كما تذهب تحليلات خبراء في سياسات الشرق الأوسط إلى التأكيد على أن الإدارة الأميركية تسعى لزرع ألغام داعش في كل أصقاع العالم بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وكذلك جنوب شرق آسيا وذلك بهدف محاصرة العالم.

وأظهرت التطورات الأخيرة في علاقة بمصير تنظيم الدولة الإسلامية أنه بات يتجه بعد خسائره في سوريا والعراق إلى جنوب شرق آسيا وتحديدا إلى الفلبين بهدف تأسيس قاعدة جديدة في جنوب شرق آسيا تعتمد على تجارة المخدرات كأداة أساسية للتمويل.

أما في ما يخص مستقبل المنطقة، فإن العديد من الخبراء يحذرون من أن انهيار داعش ومطلب ترامب بشأن استعادة الجهاديين قد يؤديان إلى موجات ارتدادية في منطقة الشرق الأوسط كلها، تزامنا مع تغير حسابات القوى المتصارعة سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

ومع تسريع الرئيس الأميركي من تهديداته خاصة بإمكانية إطلاق سراح المقاتلين تشير العديد من المراجع والمعطيات الميدانية إلى أن منطقة الشرق الأوسط قد تدفع ثمنا باهظا وأزمات لاحقة بعد نهاية داعش خاصة في ما يتعلق بملف أسر وأطفال مسلحي تنظيم داعش، حيث تشي التقديرات بأن نحو 4 آلاف شخص يتجهون إلى مخيم الحول للاجئين شمال شرق سوريا.

كما تتزايد المخاوف من إمكانية انتقال من تبقى من مسلحي التنظيم إلى إدلب، حيث يوجد آخر تجمع ضخم للفصائل المسلحة المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد ونحو 3 ملايين مدني نصفهم من المهجرين داخليا ويسيطر عليهم مسلحون إسلاميون. وهذه الفرضيات الأخيرة تدخل في صميم استراتيجيات واشنطن التي تريد تلغيم العالم والمنقطة بمقاتلي داعش بهدف لعب هذه الورقة وقت ما تشاء.

إقرأ أيضاً: الولايات المتحدة تجرب سياسة القلق في سوريا والعراق

6